"الآثار المصرية".. تاريخ لا يتوقف عن النزيف

مصر فقدت أكثر من 33 ألف قطعة أثرية خلال نصف قرن

مصر فقدت أكثر من 33 ألف قطعة أثرية خلال نصف قرن

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 19-08-2017 الساعة 12:44


النزول على سُلّم نصف متهدم في قبو ضيق داخل جبل من جبال مصر التي تنضح بالرطوبة والرهبة، بحثاً عمّا دفنه الفراعنة قبل آلاف السنين، قد يكون بدافع البحث العلمي أو حتى المغامرة، عند البعض، غير أن كثيرين يقومون بهذا الفعل بحثاً عن الثراء، ولو على حساب التاريخ.

ومنذ عقود طويلة يبدو البحث عن الآثار الفرعونية هوساً عابراً للحدود، فضلاً عن أنه داء متمكن من غالبية المصريين على اختلاف مستوياتهم الفكرية والاجتماعية والعلمية، فلا تجد مصرياً، أياً كانت وظيفته أو مكانته أو درجته العلمية، إلا وله حديث في هذا الأمر.

ومن أقصى جنوبي البلاد إلى أقصى شماليها، ثمّة رجال ينهبون الأرض، ويقطعون الصحاري ويصعدون الجبال، ويعقدون الاجتماعات السرّية، طمعاً في بلوغ طرف الخيط الذي يقود صاحبه إما إلى عبور المستحيل وإما إلى السجن، إن لم يكن إلى الموت، أو إلى العودة خالي الوفاض من حيث أتى.

مقبرة

آلاف القطع الأثرية في متاحف الغرب، ومسلّة فرعونية تقف بالقرب من البيت الأبيض الأمريكي، تشهد على ما طال تاريخ المصريين القديم وثرواتهم من نهب وسرقة لا يتوقفان.

- نزيف مستمر

في 16 فبراير 1923، كان عالم الآثار الإنجليزي هوارد كارتر أول من وطئ مقبرة الملك توت عنخ آمون، منذ ما يزيد على 3 آلاف عام، وقيل إنه نهب معظم ما وجده فيها من كنوز. ومع ذلك، ما تزال مقبرة الفرعون الصغير، توت عنخ آمون، حتى اليوم، تكشف عن كنوزها من حين لآخر، وإن كان الملك الصغير قد تعرّض لإهانة ما بعدها إهانة عندما كسر ذقنه العام الماضي.

كارتر

هوار

والخميس 17 أغسطس 2017، ألقت مباحث الآثار بمحافظة الشرقية، شرقي البلاد، القبض على موظف جمارك ومقاول وبحوزتهما 366 قطعة أثرية، قبل الشروع في بيعها. وذلك بعد يوم واحد من إحباط أجهزة الأمن بمحافظة المنيا (جنوباً)، عملية تهريب 52 قطعة أثرية بينها تماثيل لثلاثة آلهة.

في أبريل 2016، أحبطت السلطات المصرية عملية تهريب للآثار، كانت الكبرى منذ عقود، وذلك عندما ضبطت صاحب محل مجوهرات، من منطقة عين شمس شرقي القاهرة، وهو يحاول تهريب 9 آلاف قطعة أثرية إلى خارج البلاد.

تماثيل

اقرأ أيضاً :

القاهرة.. آثار "توت عنخ آمون" تُنقل إلى المتحف الكبير

- آلاف القطع

وتضم مصر مئات الآلاف من القطع الأثرية العائدة إلى العصر الفرعوني أو اليوناني أو البطلمي أو الإسلامي، وهي موجودة في عدد من المتاحف الموزعة على عموم المحافظات، في حين ما تزال أعمال الكشف جارية في مئات المواقع، ومن ثم فإن ما يتم الكشف أو الحديث عنه ليس إلا غيضاً من فيض.

وفي محافظات مصر المختلفة، وخصوصاً محافظات الجنوب، تجد آلاف المواقع التابعة لهيئة الآثار والتي لم يبدأ العمل فيها بعد بالنظر إلى كثرتها، هذا بالإضافة إلى أماكن مماثلة لا يسمع عنها أحد، فثمة أماكن في مصر إن حفرت بها بحثاً عن الماء وجدت كنزاً.

وهناك مدينة الأقصر، طيبة القديمة، أو مدينة الشمس كما سمّاها الفراعنة، وهي تضم منفردة ما يربو على ثلث الآثار العالمية، وبها أكبر المعابد وكبريات المقابر وادي الملوك ومعبد الكرنك ومعبد حتشبسوت، وآلاف المواقع الأخرى التي تم نهب الكثير منها دون محاسبة.

كرنك

ويقول وزير الآثار المصري الأسبق، زاهي حواس، في حوار مع موقع "مونيتور" الأمريكي، إن الانفلات الأمني الذي تلا ثورة 25 يناير شجع المصريين على التنقيب العشوائي عن الآثار في المناطق المحيطة بالمزارات الأثرية وتحت المنازل، وإن نحو ثلثي آثار مصر هُربت خارج البلاد في أعوام 2011 و2012 و2013.

توت غنخ

لكن حواس نفسه الذي يتحدث عن تهريب الآثار عقب ثورة 2011، كان اسمه ساطعاً في هذه السوق قبل الثورة، وقد أحيل في العام 2014 إلى المحاكمة هو وثلاثة من مفتشي الآثار المصريين، بتهمة مساعدة ثلاثة علماء ألمان في تهريب "خرطوش الملك خوفو" من الهرم الأكبر إلى خارج البلاد، عام 2013.

بيد أن هذا لا ينفي أن من المصريين من تمكنوا من استخراج الآثار، قبل الثورة وبعدها، بعيداً عن أعين الحكومة ودون مساعدة من مفتشيها، لكنهم واجهوا مخاطر الانهيارات الأرضية والهواء الملوث بالغازات الناتجة عن إغلاق هذه القبور قروناً طويلة على ساكنيها.

توت

قبل ثلاثة أعوام، وخلال أعمال تغطية أحد مجاري المياه الفرعية بمحافظة الجيزة، وهي ترعة المنصورية، رفعت آلات الحفر غطاءً كبيراً من الحجر، ليجد المارة تماثيل صغيرة من الذهب نائمة أسفل هذا الحجر، وقد هرع كل منهم لأخذ حصته، قبل وصول أجهزة الدولة.

ولا تخلو عمليات بيع الآثار أو البحث عنها من مخاطر التعرض للنصب أو للسجن أو حتى القتل، وكثيراً ما يكون للشرطة رجل واحد على الأقل بين المنخرطين في كل عملية، إذ إن غالبية هذه العمليات يتم توقيف المتورطين فيها بعد وصولهم إلى القطع الأثرية، وليس قبل ذلك.

ومن المعروف في مصر أن غالبية قضايا الآثار تتم تسويتها من خلال استبدال القطع الأصلية المضبوطة بأخرى مزيفة، ما يعني حصول المتهم على البراءة؛ لأنه لا عقوبة على حيازة آثار مزيفة، في حين لا يعرف مصير القطع الأصلية التي تم استبدالها.

إجراء عملية بحث بسيطة على شبكة الإنترنت يكشف حجم التواطؤ الكبير من موظفين حكوميين في عمليات بيع الآثار أو تهريبها أو البحث عنها، وستجد في هذه الأخبار قضاة وضباط شرطة ومسؤولين حكوميين كباراً، متورطين في هذا الأمر.

اثر

- آلاف القطع

الحوادث الأخيرة فتحت الباب أمام الحديث عن كميات كبيرة جداً من الآثار المصرية اختفت خلال السنوات الماضية؛ فقد أعلنت وزارة الآثار المصرية، الأربعاء 16 أغسطس 2017، فقدان نحو 33 ألف قطعة أثرية خلال أكثر من نصف قرن.

وقالت الوزارة، في بيان، إنه تبين فقدان 32 ألفاً و638 قطعة أثرية على مدى أكثر من خمسين عاماً مضت، بناء على أعمال حصر قامت بها مؤخراً.

وأوضحت الوزارة أن حصر القطع سيفيد في تتبعها مع الإنتربول الدولي والجهات الدولية والمحلية الأخرى المعنية، من أجل استردادها.

EGYPT/

ولم تقدم الوزارة تفاصيل أكثر عن كيفية فقدان تلك القطع الأثرية وأبرز نماذجها، لكنها ذكرت في بيانها أن بعضها فُقد خلال حالة الانفلات الأمني التي ترافقت مع ثورة 25 يناير 2011 وما تلاها.

- غياب الرؤية

بيان الوزارة المصرية أثار استياءً كبيراً في الوسط الثقافي، وبين المهتمين بالآثار، واعتبره الدكتور محمد الكحلاوى، أمين عام الاتحاد العام للأثريين العرب، دليلاً على ارتباك الوزارة وعدم امتلاكها استراتيجية ورؤية واضحة للعمل.

ونقلت صحيفة "اليوم السابع" المصرية، الأربعاء 16 أغسطس 2017، عن الكحلاوي، أن المخازن المتحفية "غير مؤمنة"، وأن اختفاء هذا العدد المهول منها "يدل على عدم حماية التراث المصري القديم من قبل العاملين بالوزارة".

مقبرة

وأضاف الكحلاوي: "هذا أمر ليس بجديد؛ فقد سبق أن صرّح عالم الآثار الدكتور زاهى حواس، خلال مؤتمر باتحاد الأثريين العرب العام الماضي، أن مصر فقدت 30 بالمئة من تراثها، ولم يلتفت أحد ويتحقق من الأمر".

وثمة معلومات مثيرة للاستغراب بشأن عملية تخزين وحماية القطع الأثرية في مصر، إذ تشهد المتاحف الرسمية عمليات سرقة لمقتنياتها، فماذا عن القطع الموجودة بالمخازن، والتي لم تسجل بطريقة صحيحة؟ يتساءل أمين عام اتحاد الأثريين العرب.

كما أن كثيراً من القطع الأثرية ليست موجودة إلا على الورق، فالموظفون يتسلمون ويسلمون عهداتهم على الورق فقط وليس من خلال فحص وجرد، في هذا الشأن يقول الكحلاوي: "لو حدث جرد فسيكشف ما لا يحمد عقباه".

في العام 2010، كشفت صحيفة "المصري اليوم" غياب عدد كبير من الآثار التي كانت موجودة في المتحف المصري بوسط القاهرة، وأشارت آنذاك إلى تورط وزير الآثار السابق، زاهي حواس، في الأمر. ثم بعد ثورة يناير 2011، كشفت الصحيفة نفسها أن آلاف القطع يتم تخزينها داخل صناديق من الكرتون بشكل عشوائي ودون تسجيل.

اثار

ومع ذلك، يرفض سعيد شبل، رئيس الإدارة المركزية للمخازن المتحفية، تركيب كاميرات مراقبة داخل هذه المخازن، معللاً ذلك بأنها "ستساعد على عمليات السرقة".

وتنتشر المتاحف في عدد من المدن المصرية؛ وهي تتنوع ما بين قومية وفنية وإقليمية، وفي الغالب يختص كل متحف بعرض الآثار التي تخص حقبة أو عصراً معيناً، مثل: المتحف المصري ومتحف الفن الإسلامي وقصر الجوهرة وقصر المنيل والمتحف اليوناني الروماني ومتحف النوبة.

متحف

وتعكف مصر حالياً على إنشاء مشروع ضخم هو المتحف المصري الكبير، الذي يقام على أطراف مدينة الجيزة الجنوبية بالقرب من الأهرامات. ومن المقرر أن يكون هذا المتحف الأكبر للآثار في العالم، وسيتسع لخمسة آلاف زائر، لمشاهدة أكثر من 100 ألف قطعة من الآثار الفرعونية والرومانية واليونانية.

EGYPT/

وبين الحين والآخر تعلن مصر عن استرداد قطع أثرية مسروقة من قبل أشخاص ومهربة بشكل غير شرعي إلى خارج البلاد.

وسبق أن أكد خالد العناني، وزير الآثار المصري، أن الطريقة المتبعة باسترداد القطع الأثرية المهربة بـ"القطعة"، ليست هي الطريقة المثلى لعودتها. وطالب، في تصريحات عام 2016، بتشكيل لجنة من وزارات الآثار والخارجية والعدل وكذلك من الإنتربول وخبراء في القانون الدولي، لوضع خطة للتعامل مع هذا الملف بصفة دائمة بعيداً عن شخص المسؤول.

راس

وبعيداً عن السرقة، فإن ثمة إهمالاً كبيراً تتعرض له الآثار المصرية وصل إلى حد الإتيان على عدد من أهم تماثيلها (تمثال توت عنخ أمون)، كما أن عملية استخراج بعض هذه الآثار اتسمت خلال الآونة الأخيرة بإهمال مثير للتساؤلات، والأدلة على ذلك لا تحصى.

مكة المكرمة