"البلطجة".. تتحول من سيناريو فيلم إلى نظام حياة في مصر

أصبح مسلسل الأسطورة ملهماً للشباب لتطبيق ما فيه لأخذ حقوقهم

أصبح مسلسل الأسطورة ملهماً للشباب لتطبيق ما فيه لأخذ حقوقهم

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 26-07-2016 الساعة 10:14


لم يكن خروج الفنان المصري محمد رمضان بصورة البلطجي خلال شهر رمضان الماضي عبر مسلسل "الأسطورة" الذي حقق نجاحاً باهراً، مشهداً جديداً، سواء عبر الشاشة أو في الواقع، إذ امتلأت الأفلام والمسلسلات والمسرحيات المصرية بالمئات من هذا النموذج.

كما أن الشارع المصري لا يختفي منه البلطجية عبر سنوات طويلة؛ إلا أن الجديد هذا العام حجم الاحتفاء الذي قوبل به "البلطجي الأسطورة"، والتأثير الذي تركه في مشاهديه والرأي العام بشكل غير مسبوق.

وتمكن محمد رمضان من التعبير عن صورة البلطجي الموجود بالشارع المصري بدقة وإتقان شديدين؛ بل زاد إليها ملامح جديدة، وأبعاداً أضيفت إلى الصورة التقليدية للبلطجي الذي كان يحيط وسطه ومعصميه بأساور معينة، فتحول البلطجي على يدي "رمضان" في "رمضان" إلى شاب أنيق، يحظى باحترام ومهابة، بالإضافة إلى جذبه للفتيات بشكل مبالغ فيه، ويحصل على حقوقه بمنتهى القسوة والأناقة في آن واحد.

اللافت أن الدولة هي الأخرى لم تتأخر في "تجميل" صورة البلطجي "المودرن"، إذ فوجئ الجميع بأنه يجلس في الصف الأول إلى جوار عديد من كبار رجال الدولة؛ ممّا أعطى الشخصية اهتماماً غير عادي، سمح لها بالتغلغل في أوساط الشباب في مصر بشكل واسع؛ كانت أهم ثماره انتشار صور "البلطجي" على "تشيرتات" شبابية تمت طباعتها قبل أن ينتهي الشهر.

هذا بالإضافة إلى الحزن الواسع الذي عم قطاعات في مصر عقب قتل "ناصر الدسوقي"، الذي كان يمثل محمد رمضان شخصيته في المسلسل فائق الانتشار، كما امتدت ظاهرة الانتقام من المخالفين بالطريقة نفسها التي انتقم بها "ناصر" في المسلسل".. المختلف الوحيد أن "رمضان" تقاضى 18 مليون جنيه مقابل أداء هذه الشخصية، في حين كان الحبس هو المصير الذي انتظر مقلديه في الحالتين.

-"تجريس" في الفيوم وحلوان

وقعت أحداث "التقليد الأول لانتقام ناصر" في محافظة الفيوم، حيث قام أفراد عائلة بإجبار زوج ابنتهم على ارتداء قميص نوم، والطواف به في شوارع القرية؛ تأديباً له على نشر صور عارية لابنتهم "زوجته" على صفحات التواصل الاجتماعي.

كما شهدت منطقة حلوان "جنوب القاهرة" أحداثاً مشابهة؛ حيث غازل "مسجل خطر" زوجة أحد المسجلين الآخرين المحبوس على ذمة إحدى القضايا، فما كان منها إلا أن أبلغت شقيق زوجها "المسجل أيضاً"، والذي استعان فور علمه بما وقع بعدد من أصدقائه، وبدؤوا محاكاة مشهد "الأسطورة"؛ حيث اعتدوا على الشخص الذي تحرش بالسيدة بالأسلحة البيضاء، ثم جردوه من ملابسه فى الشارع وأجبروه على ارتداء "قميص نوم" وسط ذهول أهالي المنطقة، الذين لم يصدقوا أن يصل التأثر بالمسلسل إلى هذا الحد.

وكان المشهد "الأصلي" في المسلسل عبارة عن انتقام "ناصر الدسوقي" لزوجته "شهد" من أحد جيرانها وهو "مرسي"، عندما سرب صورها وهي بقميص النوم، حيث قام بضربه فى الشارع أمام الجيران وألبسه نفس قميص النوم الذى سربه.

-غضب إلكتروني

ولم تتوقف الحملات الإلكترونية المناهضة للمسلسل منذ بداية عرضه في رمضان، وحتى الآن؛ إلا أنها لم تتمكن من وقف عرض المسلسل، في حين نجحت بشكل نسبي في كشف عديد من الآثار الاجتماعية والتربوية التي خلفها المسلسل في نفوس المصريين، وخاصة الشباب الذين تأثروا بالمسلسل إلى حد كبير.

وأشار بعض النشطاء ساخراً إلى أن "رمضان" تمكن "بحمد الله من تغيير اللغة الرسمية لمصر من اللغة العربية إلى لغة البلطجة"، في حين لفت آخرون إلى أن "البلطجة في مصر أصبحت الطريق إلى القمة، حيث يجلس وزير التعليم مع قيادة من الجيش، في صف واحد.. مع الأسطورة.. حيث أصبحت "البلطجة" شعار المرحلة".

وعبر وسائل التواصل الاجتماعي انتشرت عديد من الآراء التي تلفت إلى خطورة ما فعل رمضان؛ ومنها ما كتبه ناشط قائلاً: "المسلسل خطير فيما قدمه حتى أنه بات جزءاً من الواقع، لدرجة أن الكثيرين تعاملوا مع "ناصر" على أنه شخصية حقيقية رغم معرفتهم أنها مجرد جزء من عمل درامي، تعلقوا به لأنه ينقذهم من الواقع المرير الذي يعانون منه".

وتابع: "يطرح تساؤلات وإجابات حول كيف تأخذ حقك؟ ومن هي الشخصية التي تدافع عن المواطن الغلبان وسيطرة الكبار على أحلامهم؟ الشخص الذي يقول للشرطة لا.. ويقف بعنفوان قوته أمام القانون الذي لا "ينصفه" والمُفصل على مقاس أشخاص بعينهم".

اللافت أيضاً أن المسلسل أصبح الملهم لعدد كبير من الشباب، خاصة في القرى والمناطق الشعبية، الذين اعتقد كثير منهم أن "الأسطورة" هو الأمل الوحيد في أن يكونوا مختلفين، وأن البلطجة السبيل الوحيد لنيل الحقوق.

-الواقع لا يختلف كثيراً

وبعيداً عن "الأسطورة" فقد أصبحت "البلطجة" من أهم وسائل الحفاظ على الحقوق في مصر، وكانت المفاجأة ظهور شركة "السراج لأعمال البلطجة ونيل الحقوق"، التي اعتبرها البعض ترجمة حقيقية لغياب القانون وحرص كل مواطن على أن يحصل على حقه المسلوب بيده.

وأحدثت إعلانات الشركة عن خدماتها "البلطجية" ضجة واسعة في مصر، أغلقت بعدها الشركة صفحة "فيسبوك" الخاصة بها، لتنتهي رحلتها، دون أن تنتهي الظاهرة وتداعياتها.

ووصل معجبو الصفحة قبل إغلاقها إلى ألف شخص، بعد أن نشرت تعريفاً تقول فيه: "عشان إحنا فى بلد مفهاش قانون يحميك أو يجيبلك حقك، فاحنا هنا علشان نجيب حقوق المواطنين، لو عربيتك اتسرقت الشرطة ما بترجعهاش، لو حد وقفك فى الشارع وخد فلوسك محدش هيحميك، باختصار علشان إحنا بلد أكل الحقوق، بلد القوى بياكل الضعيف، إحنا قررنا إننا مش هنسيب حق حد إلا لما نرجعه".

كما وضعت "قائمة أسعار" للخدمات التي طرحت تقديمها للعملاء وهي "السايس البلطجي.. ضرب وطرد من المنطقة بـ1000جنيه"، "سواق الميكروباص أو التاكسى الحرامي.. ضرب وتكسير السيارة بـ1500 جنيه"، "حرامية السيارات.. استرداد السيارة وعاهات دائمة للسارقين، السعر حسب المعلومات ومكان السارقين"، "دكتور الجامعة الفاجر، تهزيق (بهدلة) بـ500 جنيه وتهزيق وتكسير سيارته بـ1500 جنيه".

-البلطجة للجميع

وانتشرت حالات البلطجة التي ينفذها موظفون بالدولة ومواطنون عاديون بشكل موسع، وكان أحدثها اعتداء اللاعب السابق والمدير الفني الحالي لفريق النادي المصري، حسام حسن، على مصور وزارة الداخلية، بعد مطاردته في أرض الملعب، وتكسير الكاميرا الخاصة به، قبل أن يضطر إلى الاعتذار، وتعويض المصور بكاميرا جديدة، إضافة إلى 100 ألف جنيه تعويض شخصي للمصور.

كما نشبت العديد من الأزمات بسبب البلطجة؛ ومنها اقتحام نقابة الصحفيين للقبض على الصحفيين أيمن بدر ومحمود السقا، وقتل شاب في الدرب الأحمر على يد أمين شرطة بسبب الخلاف على أجرة نقل السائق بضائع خاصة بأمين الشرطة، واعتداء عدد من أمناء الشرطة على أطباء مستشفى المطرية بسبب رفض الأطباء كتابة تقرير صحي على هوى "الأمناء".

كما أطلق أمين شرطة النار على مواطن يسكن بالطابق الذي يعلو مسكنه بالقليوبية؛ نتيجة الخلاف بسبب تساقط مياه الغسيل على شرفة أمين الشرطة، كما تعرضت رئيسة قسم الأسنان بمستشفى القاهرة الفاطمية بمنطقة الدراسة في القاهرة، للاعتداء على يد بلطجية "بتمزيق وجهها"؛ بعد أن منعوها من "ركن" سيارتها بساحة المستشفى الذي تعمل به.

ومنذ أيام حلت الذكرى الثالثة لاعتداء بلطجية، بقيادة سيد عيسوي، على مسيرة لرافضي الانقلاب العسكري في مصر، أدت إلى مقتل 4 سيدات على رأسهن الشهيدة هالة أبو شعيشع التي كانت طالبة بالثانوية في ذلك الحين، وفي المحافظة نفسها اقتحمت مجموعات من البلطجية جامعة المنصورة، واشتبكت مع الطلبة تحت مرأى ومسمع من قوات الداخلية التي كانت موجودة أمام بوابات الجامعة.

ومؤخراً تابع الشارع المصري مطاردة قوات الأمن طلاب الثانوية العامة، والحاصلين على الماجستير والدكتوراة الراغبين في تنفيذ الحكومة وعداً بتعيينهم في وظائف حكومية.

مكة المكرمة