"الجزيرة" في 22 عاماً.. سلاح قطري "يزداد عزماً"

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/GZWaYX

"الجزيرة" سلاح قطر النووي الذي زلزل الديكتاتوريات العربية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 01-11-2018 الساعة 12:11

"لن نغلق الجزيرة"، تلك كانت جملة الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير قطر؛ رداً على مطالب دول الحصار بإغلاق القناة الإخبارية الأشهر في الوطن العربي والشرق الأوسط.

جملة ربما كانت ستفعل الكثير لقطر لو حُذفت بعض أحرفها، وحلّ حرف السين مكان "لن" النافية؛ وبذلك لا يستبعد أن تفك دول الحصار سلاسل حصارها عن الدوحة؛ ذلك الحصار الذي كلّف قطر كثيراً.

لكن الدوحة تقول إنها ترفض المساس بقرارها السيادي، ولو كلفها موقفها هذا كبرى الخسائر، وهي تردُّ على اتهامات دول الحصار لها، منذ أن قررت هذه الدول (السعودية والإمارات والبحرين ومصر)، في يونيو 2017، حصار قطر، وغلق أجوائها وموانئها وحدودها أمامها.

- الجزيرة.. سلاح قطر النووي!

"سلاح قطر النووي"! هذا ما توصف به قناة الجزيرة، وهنا يبدو الوصف أقرب إلى الحقيقة عندما نجد أن قطر ترفض الاستغناء عن هذه القناة؛ ففي حين تثير بعض الدول الرعب إذا أعلنت أنها تمتلك سلاحاً نووياً، أو تسعى لامتلاكه، فإن الكلمة الحرة، والصورة الحقيقية التي تنقلها القناة من قلب الأحداث الملتهبة أو الساخنة، وحتى الهادئة، أثارت رعب الكثير من الحكومات.

فليس خافياً أن "الجزيرة" تناصر الشعوب وقضاياها، وكانت المسانِدة والداعمة لثورات الربيع العربي؛ لكون هذه الثورات تعبر عن رأي الشعوب، وهو ما تؤكده هذه القناة في نشرات أخبارها وبرامجها المختلفة.

تأثير "الجزيرة" سببه أيضاً المشاهدة الواسعة التي تنالها مقارنة مع بقية المحطات التلفزيونية؛ وهو دليل على مهنيتها وحرفيتها، وتمكنها من نيل ثقة المشاهد العربي.

ومن خلال تناولها القضايا التي تعبر عن حال المواطن العربي، بأسلوبها المميز في الطرح والتأثير؛ تُعتبر بذلك عند بعض الحكومات سلاحاً خطيراً لا يقل فتكاً عن "السلاح النووي".

تميُّزها باللامألوف، والإبهار، ومحاكاة أساليب لم يعرفها المشاهد العربي إلا بكبريات القنوات العالمية؛ جعل "الجزيرة" تسحب بساط الأفضلية من تحت القنوات العربية الأخرى، خاصة أنها حازت من خلال تغطياتها الحية لأبرز أحداث العالم وأهمها، ثقة المتابعين العرب.

"الجزيرة" حظيت بمتابعة عربية وغربية واسعة، وتعززت مكانتها في المشهد الإعلامي العالمي بتغطياتها المتميزة لأهم أحداث العالم، ومنها الحرب الأمريكية بأفغانستان عام 2001، وغزو الأمريكيين العراق عام 2003.

- الجزيرة.. انطلاقة جريئة

منذ أن انطلقت في 1 نوفمبر عام 1996، قدمت قناة "الجزيرة" للعالم العربي مفهوماً جديداً للإعلام القريب من الشعوب وقضاياها؛ إذ مكنت العرب لأول مرة من خلق منافس حقيقي لقنوات عالمية مثل "بي بي سي" و"سي إن إن".

تدرجت القناة، خلال سنواتها الأولى، من البث ساعات قليلة لم تكن تتجاوز الست، إلى البث من دون انقطاع، وشملت تغطيتها القارات كلها.

وسرعان ما بادرت القناة بإنشاء موقع "الجزيرة.نت"، لمواكبة التطور الذي عرفه المجال الإعلامي مع تزايد أهمية شبكة الإنترنت وانتشارها.

وتزامناً مع النجاح الكاسح الذي حققته القناة، لا سيما من خلال تناولها مواضيع عُرفت بكونها "ممنوعة"، وتحظر الحكومات تناولها.

فضلاً عن هذا، فـ"الجزيرة" واصلت التطور، وأنشأت قنوات ومراكز، منها: الوثائقية والإنجليزية والجزيرة مباشر والجزيرة للأطفال والجزيرة الرياضية (بي إن سبورت "Bein Sport" لاحقاً)، ومركز الجزيرة للتدريب والتطوير، ومركز الجزيرة للدراسات؛ ثم الجزيرة أمريكا والجزيرة ترك والجزيرة بلقان لاحقاً، موسعة بهذا نوعيّة مشاهديها.

ثم إن القناة تميّزت إلى جانب تغطياتها الإخبارية الحصرية المتميزة، ببثها برامج اكتسحت مجال المشاهدة في الوطن العربي، وأثرت في الواقع السياسي للعرب، وتسببت بعض حلقاتها في إثارة نقاشات ساخنة.

من بين تلك البرامج: "بلا حدود" و"شاهد على العصر" و"الاتجاه المعاكس" و"في العمق" و"من واشنطن"، و"ما وراء الخبر"، و"الواقع العربي" و"حديث الثورة"، و"لقاء خاص"، و"برنامج المرصد"، و"عالم الجزيرة"، و"الصندوق الأسود"، وغيرها من البرامج.

- الجزيرة.. الشرط المرفوض

"الجزيرة"، السلاح القطري الأبرز، وضعت جملة "تزداد عزماً" شعاراً لذكرى تأسيسها لعام 2018، في إشارة إلى صمودها في وجه الداعين لإغلاقها.

فالدول الأربع التي حاصرت قطر وضعت 13 شرطاً لإنهاء الأزمة، كان من أبرزها إغلاق قناة الجزيرة، التي تسيطر منذ انطلاقها في عام 1996 على قطاع كبير من الجمهور العربي؛ فهي لم تكن قناة تلفزيونية مثل نظيراتها بالمنطقة فحسب؛ بل لم يكن لها ما يناظرها من بين كمٍّ كبير من المحطات التي عُرفت بالاحترافية والتطور.

وفي هذا الصدد، قال الشيخ تميم في مقابلة له مع برنامج "ستون دقيقة" على محطة "سي بي إس" الأمريكية، في أكتوبر 2017: "سيادتنا خط أحمر لا نقبل أن يتدخل أي أحد فيها".

واسترسل يقول: "عندما يُطلب مني إغلاق الجزيرة فإن التاريخ سيسجل يوماً في السنوات الخمسين أو الستين القادمة كيف غيَّرت الجزيرة مفهوم حرية التعبير في المنطقة بالكامل"، مشدداً القول: "لن نغلق الجزيرة".

أمير قطر والمسؤولون القطريون لطالما أكدوا أن شروط دول الحصار، ومنها إغلاق الجزيرة، محاولة يائسة في طريق تغيير النظام، ويضيف الشيخ تميم: "التاريخ يخبرنا بأنهم حاولوا عمل ذلك من قبلُ عام 1996، عندما أصبح والدي أميراً، وقد أظهروا ذلك بوضوح (في الأزمة الأخيرة)".

وأكد أمير قطر رغبته في إنهاء الأزمة، لكن ليس على حساب كرامة بلاده وسيادتها، مؤكداً: "نريد لهذا الأمر أن ينتهي، لكن ليس على حساب كرامتنا وسيادتنا".

- فضحُ محاصري قطر

واصلت "الجزيرة" بعد فرض الحصار على قطر سيرها على النهج ذاته في كشف الحقائق للمشاهدين، وتوجيه صدمات في تناولها الأحداث، قبل أن تُحدث نقلة غير مسبوقة، ببث معلومات تاريخية في برنامج استقصائي حمل عنوان "ما خفي أعظم"، وكشف أسرار واقعة كانت الأخطر على المنطقة، في تسعينيات القرن الماضي.

البرنامج هذا أحدث ضجة واسعة؛ كشف وقائع وأحداثاً ومعلومات سريّة تؤكد تورط دول الحصار في شن عمليات للإطاحة بنظام الحكم في قطر عام 1996.

في أحد التقارير الاستقصائية من برنامج "ما خفي أعظم"، وكان من جزأين تحت عنوان "قطر 96"، عُرضت شهادة بعضِ مَن شاركوا في انقلاب 1996 الفاشل من القطريين، حيث أكد هؤلاء وقوف دول الحصار الأربع (السعودية، الإمارات، البحرين، مصر) وراء التخطيط لإسقاط نظام الحكم بجارتهم، ونشر الفوضى في البلاد من خلال دعم عمليات تخريب، وقدّم التحقيق وثائق عززت هذه الاتهامات.

وفي حلقة أخرى من البرنامج نفسه، فضحت القناة طبيعة المخطط الإلكتروني الذي تعرضت له وكالة الأنباء القطرية "قنا" بنشر تصريحات مفبركة منسوبة إلى أمير قطر بهدف الإيقاع ببلاده، وهو المخطط الذي كانت وراءه أجهزة سيادية لدول بأكملها، على رأسها السعودية والإمارات. كما كشفت خفايا إشعال الأزمة الخليجية وحصار قطر بعد مرور عام على بدايته.

وجاء في تحقيق آخر بإحدى حلقات البرنامج، محاولات الإمارات في سبيل السيطرة على وسائل الإعلام السعودية، حيث كشف عن وثائق تثبت تحويلات مالية كبيرة دفعها مسؤولون في أبوظبي لشخصيات ومراكز بحثية سعودية مقربة من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

- سلاح قطر باقٍ.. ودول الحصار تتراجع

يظهر، بعد مرور نحو 16 شهراً على الحصار، أن الدول الأربع بدأت تلين مواقفها وتتراجع، في محاولة لكسب وُدّ قطر، وإعادة العلاقات إلى سابق عهدها، دون شرط أو قيد، وذلك بحكم التحشيد الدولي والإعلامي.

فخلال كلمة له في مؤتمر "مبادرة مستقبل الاستثمار"، الذي عُقد مؤخراً بالرياض، قال ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في حديثه عن اقتصاد الشرق الأوسط: إن "اقتصاد قطر قوي، وسيكون مختلفاً ومتطوراً بعد 5 سنوات.. دول المنطقة هي أوروبا الجديدة اقتصادياً"، على حد تعبيره.

بهذه العبارة، يكون بن سلمان قد عزف بشكل واضح على وتر العلاقة مع قطر، في محاولة منه -على ما يبدو- للتخفيف من حدة الحملة التي يشنّها العالم عليه؛ على أثر حادثة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي، حيث تشير تقارير إلى تورط بن سلمان في إعطاء أوامر تنفيذ تلك الجريمة.

وكان لـ"الجزيرة" أيضاً، موقفها من اغتيال خاشقجي، حيث سعت منذ اللحظة الأولى إلى الوقوف على تفاصيل الجريمة وملاحقة المعلومات الصحيحة لكشف المتورطين في الحادثة، الذين تبين قربهم من "رأس هرم" السلطة بالسعودية.

حديث بن سلمان الذي تطرق فيه إلى قطر يعدّ الأول من نوعه لأمير سعودي، منذ إعلان المملكة ودول الحصار الأخرى مقاطعة الدوحة وحصارها.

فضلاً عن حديث محمد بن سلمان، فإن وزيري خارجية السعودية والإمارات تناولا قطر في عبارات تشير إلى نية التراجع عن الخطوات التي اتخذها بلداهما تجاه الدوحة.

هذه التصريحات اعتبرها مراقبون دليلاً واضحاً على أن دول الحصار تسير باتجاه التراجع عن حصار قطر، بعد فشلها في تحقيق مبتغاها، وعدم رضوخ قطر لمطالبها، وعلى رأسها إغلاق "الجزيرة".

مكة المكرمة