"الجزيرة" في 23 عاماً.. منبر قطري تثق به الشعوب

القناة واصلت تمسكها بشعار "الرأي.. والرأي الآخر"
الرابط المختصرhttp://khaleej.online/GZWaYX

"الجزيرة".. سلاح قطر النووي الذي زلزل الديكتاتوريات العربية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 01-11-2019 الساعة 16:43

"لن نغلق الجزيرة"، تلك كانت جملة أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني؛ رداً على مطالب دول الحصار بإغلاق القناة الإخبارية الأشهر في الوطن العربي من المحيط إلى الخليج.

جملة ربما كانت ستفعل الكثير لقطر لو حُذفت بعض أحرفها، وحلّ حرف السين مكان "لن" النافية، وبذلك لا يستبعد أن تفك دول الحصار سلاسل حصارها عن الدوحة، ذلك الحصار الذي كلّف قطر كثيراً.

لكن الدوحة تقول إنها ترفض المساس بقرارها الوطني السيادي ولو كلفها موقفها هذا كبرى الخسائر، وهي تردُّ على اتهامات دول الحصار لها، منذ أن قررت هذه الدول (السعودية والإمارات والبحرين ومصر)، في يونيو 2017، حصار قطر، وغلق أجوائها وموانئها وحدودها أمامها.

الجزيرة.. سلاح قطر النووي!

"سلاح قطر النووي"! هذا ما توصف به قناة الجزيرة، وهنا يبدو الوصف أقرب إلى الحقيقة عندما نجد أن قطر ترفض الاستغناء عن هذه القناة، ففي حين تثير بعض الدول الرعب إذا أعلنت أنها تمتلك سلاحاً نووياً، أو تسعى لامتلاكه، فإن الكلمة الحرة والصورة الحقيقية التي تنقلها القناة من قلب الأحداث الملتهبة أو الساخنة، وحتى الهادئة، أثارت رعب الكثير من الحكومات.

فليس خافياً أن "الجزيرة" تناصر الشعوب وقضاياها، وكانت المسانِدة والداعمة لثورات الربيع العربي؛ لكون هذه الثورات تعبر عن رأي الشعوب، وهو ما تؤكده هذه القناة في نشرات أخبارها وبرامجها المختلفة.

تأثير "الجزيرة" سببه أيضاً المشاهدة الواسعة التي تنالها مقارنة مع بقية المحطات التلفزيونية، وهو دليل على مهنيتها وحِرفيتها، ونجاحها في نيل ثقة المشاهد العربي.

ومن خلال تناولها القضايا التي تعبر عن حال المواطن العربي بأسلوبها المميز في الطرح والتأثير؛ تُعتبر بذلك عند بعض الحكومات سلاحاً خطيراً لا يقل فتكاً عن "السلاح النووي".

تميُّزها باللا مألوف، والإبهار، ومحاكاة أساليب لم يعرفها المشاهد العربي إلا بكبريات القنوات العالمية، جعل "الجزيرة" تسحب بساط الأفضلية من تحت القنوات العربية الأخرى، خاصة أنها حازت من خلال تغطياتها الحية لأبرز أحداث العالم وأهمها ثقة المتابعين العرب.

"الجزيرة" حظيت بمتابعة عربية وغربية واسعة، وتعززت مكانتها في المشهد الإعلامي العالمي بتغطياتها المتميزة لأهم أحداث العالم، ومنها الحرب الأمريكية بأفغانستان عام 2001، والغزو الأمريكي للعراق عام 2003، والحروب الإسرائيلية الثلاث على قطاع غزة، بالإضافة لثورات الربيع العربي، متبنية شعارها "مع الإنسان" رغم المنع والتضييق وملاحقة الصحفيين العاملين فيها.

الجزيرة.. انطلاقة جريئة

منذ أن انطلقت، في 1 نوفمبر عام 1996، قدمت قناة "الجزيرة" للعالم العربي مفهوماً جديداً للإعلام القريب من الشعوب وقضاياها، إذ مكنت العرب لأول مرة من خلق منافس حقيقي لقنوات عالمية مثل "بي بي سي" و"سي إن إن".

تدرجت القناة، خلال سنواتها الأولى، من البث ساعات قليلة لم تكن تتجاوز الست، إلى البث من دون انقطاع، وشملت تغطيتها القارات كلها.

وسرعان ما بادرت القناة بإنشاء موقع "الجزيرة.نت" لمواكبة التطور الذي عرفه المجال الإعلامي مع تزايد أهمية شبكة الإنترنت وانتشارها.

وتزامناً مع النجاح الكاسح الذي حققته القناة، لا سيما من خلال تناولها مواضيع عُرفت بكونها "ممنوعة" وتحظر الحكومات تناولها.

فضلاً عن هذا فـ"الجزيرة" واصلت التطور، وأنشأت قنوات ومراكز، منها: الوثائقية، والإنجليزية، والجزيرة مباشر، والجزيرة للأطفال، والجزيرة بلقان، والجزيرة الرياضية (بي إن سبورت "Bein Sport" لاحقاً)، ومعهد الجزيرة للإعلام، ومركز الجزيرة للدراسات، بالإضافة إلى مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان، موسعة بهذا نوعيّة مشاهديها، إلى أن واكبت تطور الإعلام الرقمي فأسست مواقع رقمية مثل "إي جي بلس باللغة الإنجليزية والعربية"، ونوافذ إلكترونية تقترب من الشباب عبر مدونات الجزيرة، وموقع ميدان".

ثم إن القناة تميّزت إلى جانب تغطياتها الإخبارية الحصرية المتميزة ببثها برامج اكتسحت مجال المشاهدة في الوطن العربي، وأثرت في الواقع السياسي للعرب، وتسببت بعض حلقاتها في إثارة نقاشات ساخنة.

من بين تلك البرامج: "بلا حدود"، و"شاهد على العصر"، و"الاتجاه المعاكس"، و"وما خفي أعظم"، و"في العمق"، و"من واشنطن"، و"ما وراء الخبر"، و"الواقع العربي"، و"حديث الثورة"، و"لقاء خاص"، و"المرصد"، و"عالم الجزيرة"، و"الصندوق الأسود"، و"سيناريوهات"، و"سري للغاية"، وغيرها من البرامج.

يعمل في شبكة الجزيرة نحو 4 آلاف موظف، ولديها 70 مكتباً في مختلف أنحاء العالم، وفي آخر إحصائيات شهر سبتمبر 2019، بلغ عدد مشاهدي قناة الجزيرة الإخبارية 106 ملايين، أما الجزيرة الإنجليزية فـ345 مليوناً، والجزيرة الوثائقية بلغ مشاهدوها 53 مليوناً، وكذلك الأمر بالنسبة للجزيرة مباشر، أما الجزيرة بلقان فوصل المشاهدون لثمانية ملايين.

والجزيرة الإخبارية هي أول قناة في العالم  العربي يتجاوز متابعي صفحتها الرسمية على موقع فيسبوك الـ20 مليوناً، أما موقع "الجزيرة نت" فقد تضاعف عدد قرائه بنسبة 50%، خلال العامين الأخيرين.

كما حصدت القناة القطرية 540 جائزة في مختلف التخصصات منذ عام 2006؛ من بينها 28 جائزة خلال عام 2019، رغم كل محاولات تشويهها.

الجزيرة.. الشرط المرفوض

"الجزيرة"، السلاح القطري الأبرز، وضعت جملة "ثقة تجدد العهد" شعاراً لذكرى تأسيسها لعام 2019، في إشارة إلى ثقة الشعوب بها رغم إصرار دول الحصار على إغلاقها.

فالدول الأربع التي حاصرت قطر وضعت 13 شرطاً لإنهاء الأزمة، كان من أبرزها إغلاق قناة الجزيرة، التي تسيطر منذ انطلاقها في عام 1996 على قطاع كبير من الجمهور العربي؛ فهي لم تكن قناة تلفزيونية مثل نظيراتها بالمنطقة فحسب؛ بل لم يكن لها ما يناظرها من بين كمٍّ كبير من المحطات التي عُرفت بالاحترافية والتطور.

وفي هذا الصدد، قال الشيخ تميم في مقابلة له مع برنامج "ستون دقيقة" على محطة "سي بي إس" الأمريكية، في أكتوبر 2017: "سيادتنا خط أحمر لا نقبل أن يتدخل أي أحد فيها".

واسترسل يقول: "عندما يُطلب مني إغلاق الجزيرة فإن التاريخ سيسجل يوماً في السنوات الخمسين أو الستين القادمة كيف غيَّرت الجزيرة مفهوم حرية التعبير في المنطقة بالكامل"، مشدداً القول: "لن نغلق الجزيرة".

أمير قطر والمسؤولون القطريون لطالما أكدوا أن شروط دول الحصار، ومنها إغلاق الجزيرة، محاولة يائسة في طريق تغيير النظام، ويضيف الشيخ تميم: "التاريخ يخبرنا بأنهم حاولوا عمل ذلك من قبلُ عام 1996، عندما أصبح والدي أميراً، وقد أظهروا ذلك بوضوح (في الأزمة الأخيرة)".

وأكد أمير قطر رغبته في إنهاء الأزمة، لكن ليس على حساب كرامة بلاده وسيادتها، مؤكداً: "نريد لهذا الأمر أن ينتهي، لكن ليس على حساب كرامتنا وسيادتنا".

فضحُ محاصري قطر

واصلت "الجزيرة" بعد فرض الحصار على قطر سيرها على النهج ذاته في كشف الحقائق للمشاهدين، وتوجيه صدمات في تناولها الأحداث، قبل أن تُحدث نقلة غير مسبوقة ببث معلومات تاريخية في برنامج استقصائي حمل عنوان "ما خفي أعظم"، وكشف أسرار واقعة كانت الأخطر على المنطقة، في تسعينيات القرن الماضي.

البرنامج هذا أحدث ضجة واسعة؛ كشف وقائع وأحداثاً ومعلومات سريّة تؤكد تورط دول الحصار في شن عمليات للإطاحة بنظام الحكم في قطر عام 1996.

في أحد التقارير الاستقصائية من برنامج "ما خفي أعظم"، وكان من جزأين تحت عنوان "قطر 96"، عُرضت شهادة بعضِ مَن شاركوا في انقلاب 1996 الفاشل من القطريين، حيث أكد هؤلاء وقوف دول الحصار الأربع (السعودية، والإمارات، والبحرين، ومصر) وراء التخطيط لإسقاط نظام الحكم بجارتهم، ونشر الفوضى في البلاد من خلال دعم عمليات تخريب، وقدّم التحقيق وثائق عززت هذه الاتهامات.

الجزيرة

وفي حلقة أخرى من البرنامج نفسه فضحت القناة طبيعة المخطط الإلكتروني الذي تعرضت له وكالة الأنباء القطرية "قنا" بنشر تصريحات مفبركة منسوبة إلى أمير قطر بهدف الإيقاع ببلاده، وهو المخطط الذي كانت وراءه أجهزة سيادية لدول بأكملها، على رأسها السعودية والإمارات. كما كشفت خفايا إشعال الأزمة الخليجية وحصار قطر بعد مرور عام على بدايته.

وجاء في تحقيق آخر بإحدى حلقات البرنامج محاولات الإمارات في سبيل السيطرة على وسائل الإعلام السعودية، حيث كشف عن وثائق تثبت تحويلات مالية كبيرة دفعها مسؤولون في أبوظبي لشخصيات ومراكز بحثية سعودية مقربة من ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان.

كما تناول البرنامج الذي حقق نسب مشاهدة عالية في تحقيقات أخرى خفايا اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي، في قنصلية بلاده، بـ2 أكتوبر 2018، وقيام الفاعلين بإخفاء الجثة، بالإضافة إلى تحقيق "اللاعبون بالنار"، الذي كشف كيف ألصقت البحرين تهمة الإرهاب بمعارضيها، بالإضافة لوثائقيات أخرى مهمة.

كما أفرد البرنامج مساحة للحديث حول قرصنة قنوات "بي إن سبورت" القطرية عن طريق قناة تُسمى "بي آوت كيو" تتخذ من العاصمة السعودية الرياض مقراً لها، وبثت لقطات حصرية من داخل المبنى، مفندة ما تزعمه السلطات السعودية الرسمية.

سلاح قطر باقٍ.. ودول الحصار تعترف

ورغم محاولات دول الحصار مجتمعة، وبكل مؤسساتها الإعلامية من قنوات تلفزيونية، وإذاعات، وصحف، ومواقع إلكترونية، والحملات المدروسة عبر "الذباب الإلكتروني" السعودي على مواقع التواصل، أن تؤثر في الشعوب العربية وتقنعها بصحة خطوتها تجاه قطر، فإنها فشلت فشلاً ذريعاً وأخلاقياً في ذلك.

وبقيت قنوات قطر الإعلامية ومؤسساتها وعلى رأسها الجزيرة -مع قلتها مقارنة بأربع دول مجتمعة- ذات حضور عربي ودولي رائد، مقدمة أخبارها وتغطيتها لحصار قطر وما يتصل به بكل مهنية وموضوعية.

وفي إطار ذلك أقر عبد الخالق عبد الله، المستشار السابق لولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، بتفوق الإعلام القطري على وسائل دول الحصار، مؤكداً بلوغ تأثير الخطاب الإعلامي القطري العالمية.

وقال الأكاديمي الإماراتي، في تغريدة له نشرها بموقع تويتر، في 2 أغسطس 2019: "أقولها بكل صراحة: خطابهم الإعلامي أقوى تأثيراً في الرأي العام العربي والعالمي من خطابنا الإعلامي"، في إشارة للإعلام القطري.

مستشار بن زايد لم يكن الأول الذي يعترف بنجاح التجربة القطرية الإعلامية؛ ففي مقابلة سابقة للأمير السعودي، الوليد بن طلال، مع قناة "روتانا خليجية"، عام 2013، قال فيها: "دراساتنا أثبتت أن الجزيرة قناة الشعوب وقناة الشارع العربي، فيما أنّ قناة العربية قناة القيادات والحكومات والحكام".

يشار إلى أنه خلال فعاليات المؤتمر السنوي الـ67 للمعهد الدولي للصحافة، الذي عقد بالعاصمة النيجيرية أبوجا، عام 2018، اعتبر ممثلو المنظمات الحاضرة أنّ الإعلام القطري نجح في التعاطي مع الأزمة الخليجية، خلافاً لدول الحصار التي انتهجت ممارسات مسيئة لأخلاقيات المهنة ولحرية الإعلام.

مكة المكرمة