السينما الإيرانية.. تاريخ من التحريف وتجسيد الأنبياء برقابة "العمائم"

رفض سني واسع للأعمال التي تجسد حياة الرسل والأنبياء

رفض سني واسع للأعمال التي تجسد حياة الرسل والأنبياء

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 02-09-2015 الساعة 19:21


أثار الفيلم الإيراني "محمد رسول الله" الأعلى تكلفة في تاريخ السينما الإيرانية (40 مليون دولار)، والذي بدأ عرضه في طهران أواخر أغسطس/ آب الماضي، موجة استياء وجدل واسعة من قبل أوساط فقهية ومجتمعية.

مخرج الفيلم مجيد مجيدي، قال إن هدف الفيلم الذي تبلغ مدته 171 دقيقة، "تعزيز الوحدة الإسلامية". وأكد أن وجه النبي لا يظهر على الإطلاق في الفيلم، "وذلك بما يتسق مع التعاليم الإسلامية المتعلقة بتصوير النبي في الأعمال الدرامية"؛ إلا أن لقطات الفيلم تظهر من يؤدي دور النبي بلقطات لجسده من الخلف.

ولم يكن هذا كافياً لإقناع علماء الدين في رابطة العالم الإسلامي، والأزهر، ومفتي السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، حيث طالبوا بإيقافه ومنع عرضه، في حين اعتبر الأخير عرض الفيلم "لا يجوز شرعاً"، واصفاً إياه بأنه "فيلم مجوسي وعمل عدو للإسلام"، وحذّر من تداوله، وذلك بعد أن عُرض الخميس الماضي في مهرجان مونتريال بكندا.

- السينما الإيرانية تحت رقابة العمائم

نحو 80 فيلماً سينمائياً تصنعها إيران سنوياً، تصل تكلفة إنتاجها نحو 20 مليون دولار، العائد منها لا يكاد يتجاوز التكلفة.

فمثلاً حقق فيلم "مدينة الفئران" للأطفال بأجزائه الثلاثة وهو يروي الحرب العراقية الإيرانية كوميدياً، أكبر مردود في تاريخ السينما الإيرانية، لكن هذه العوائد تتضاءل مع انتشار نسخ الأفلام وبيعها بطرق غير شرعية، يضاف إلى ذلك قيود جعلت الاستثمار في السينما الإيرانية بيد القطاع الحكومي، مسيطراً على الإنتاج.

وهو ما يعتبره مراقبون لكون الأهدف بعيدة عن الماديات، محاولة إيرانية لإيصال منهج بحثي "شيعي" للعالم، ومحاولة ترويج نظرة علماء المذهب للقصص التاريخية خاصة.

فبعد قيام الثورة الإيرانية عام 1979 انخفض العمل السينمائي في إيران، والذي كان قد بدأ منذ بداية القرن العشرين، حيث أُنشئت عام 1983 "مؤسسة الفارابي" لمراقبة الإنتاج السينمائي. فمنعت بعض الأفلام الإيرانية من عرضها لعدم توافقها مع النظام الجديد.

- السينما الإيرانية بمحافل دولية

اشتُهر سينمائيون إيرانيون على الصعيد الدولي وحازوا جوائز عدة، منها جائزة أوسكار حازها المخرج مجید مجیدي 1998، ومن مهرجان "کان" السنیمائي في فرنسا جائزة أخرى لعباس کیارستمي.

أما الأفلام الإيرانية، فحصلت هي الأخرى على جوائز عالمية، مثل جائزة النمر الذهبي في مهرجان لوکارنو في سویسرا عام 1997، لجعفر بناهي عن فيلمه (آیینه) أي المرآة. وجائزة أفضل فيلم في مهرجان فيلم القارات الثلاث في نانت بفرنسا عام 1996، للمخرج أبوالفضل جلیلي، عن فيلم (یک داستان واقعي) أي قصة واقعیة.

وفي عام 1995 حاز جعفر بناهي، جائزة الکامیرا الذهبیة في مهرجان کان السینمائي الفرنسي في عام 1995 لفلمه (باد کنک سفید) أي البالون الأبیض.

وذهبت جائزة (روبرتو روسولیني)، عام 1992 في مهرجان کان السینمائي الفرنسي، وجائزة (فرانسوا تروفو) في مهرجان فيلم جیفوني الإیطالي في عام 1992 للمخرج عباس کیارستمي، تكريماً له على مجمل أعماله السینمائیة.

- الإنتاج الديني في إيران

ارتفع الإنتاج السينمائي الإيراني في مجال القصص الدينية من حياة الأنبياء والصحابة بعد الثورة الخمينية، وذلك في مسلسلات وأفلام أظهر معظمها صور (وجوه) الأنبياء والصحابة، وهو ما كانت تمتنع معظم المؤسسات الإعلامية العربية عن عرضه وسط وجود فتاوى تحرم ذلك، إلا أنها تتراجع شيئاً فشيئاً نحو عرض ما هو مقنع منها.

سلسلة الأئمة؛ كانت بداية هذه المسلسلات التي تناولت سيرة علي بن أبي طالب، وأبنائه رضي الله عنهم، وتركز في سردها على التاريخ الذي يستند إليه المذهب الشيعي.

كما تناول قصة (حياة الإمام الرضا)، ويوم (عاشوراء) التي جسدت في مسلسل "المختار الثقفي"، الذي تناول الفترة التي أعقبت واقعة عاشوراء ونشوء ما يسمونه بـ"ثورة التوابين الذين عملوا على الانتقام من قتلة الحسين". وغيرها الكثير من الأفلام.

وبعيداً عن "آل البيت" اشتهرت في السينما الإيرانية قصص "أهل الكهف"، و"مريم المقدسة" للمخرج فرج الله سلحشور، حيث لاقت تلك الأعمال قبولاً حتى الفضائيات العربية التي بثتها عدة مرات وسط جدل في شرعية ذلك.

ويشكل فيلم "الملك سليمان"، ثورة سينمائية وإنتاجية، فالمؤثّرات البصريّة للفيلم نُفّذت وفق أهم المعايير العالمية. وكانت الموسيقى التصويرية من إنتاج الأوركسترا الصينية وشارك فيها قرابة مئة عازف وعازفة.

- أسباب الرفض "السني"

ينحصر الرفض العربي والفقهي بالدرجة الأولى على مسألة "الرواة" ومن ينسجون قصة الأفلام الإيرانية، وهو ما يعتبره معظم الناقدين مسنوداً لروايات محرّفة بعيدة عن القصة الحقيقية، ومغالطات تاريخية خصوصاً في قصص الصحابة، الذين نشأ المذهب الشيعي بعد زمانهم.

إضافة إلى ذلك، تحرم الهيئات الفقهية مثل هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية والأزهر وغيرها من المؤسسات الفقهية ذلك، "لما يترتب عليه من المفاسد".

واعتبروا في بيانات سابقة أن "تمثيل الأنبياء والرسل في الأفلام والمسلسلات ونحوها منكر كبير، لما فيه من تقمص شخصيات هي أفضل البشر على الإطلاق، اختارهم الله للنبوة والرسالة، لما علم فيها من فضل ونقاء وكمال، فمكانتهم أعز من أن يتمثل في صورتهم، وقد ثبت عن النبي صلى الله أنه قال: "فإن الشيطان لا يتمثل بي" متفق عليه".

ويقول الشيخ إبراهيم النعمة، عضو مجلس علماء العراق في حديث لـ"الخليج أونلاين"، إن تجسيد الأنبياء والمرسلين في الإعلام محرّم شرعاً؛ "لما في ذلك من انتقاص قدر الأنبياء؛ إذ يفتح المجال أمام المغرضين للكذب عليهم، والتشكيك بعدد من أحوالهم، ثمّ إنّ من يجسد دور النبي اليوم يجسد دور شخصيات المجرمين والقتلة والكفرة غداً، ممّا يترك أثراً سلبياً في أذهان المشاهدين، وقد صدرت فتاوى عديدة من كبار فقهاء العالم الإسلامي بعدم جواز تجسيد دور الأنبياء، وهذا الرأي هو الذي أطمئن له وأقول به".

وقد أصدر علماء معاصرون فتاوى بأعمال درامية شهدها الوسط الدرامي العربي، وظهرت فيها وجوه صحابة من بينهم الخلفاء الراشدون، وسجلت متابعات عالية، مثل مسلسلات: عمر الفاروق، والحسن والحسين، وخالد بن الوليد. إلا أن تمثيل دور النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال محرماً عند عموم الفقهاء.

ويرى المنتجون العرب أن أعمالهم تلك تساهم بشكل أكثر فاعلية في إغلاق الباب في وجه الإنتاج الإيراني "المحرّف" وعدم عرضه في الشاشات العربية، عن طريق عرض بديل متقن.

مكة المكرمة