"الغجر" بالوطن العربي.. احتفالات في المآتم وزواج بـ"الداقيش"

"النّوَر" يعتمدون في معيشتهم على الصيد

"النّوَر" يعتمدون في معيشتهم على الصيد

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 14-02-2018 الساعة 20:13


"يا نَوَرِيّ" لفظ تستخدمه فئة كبيرة في الوطن العربي، نابع من معتقد لديهم بأنه وسيلة للتعبير عن زجر شخص أو إهانة؛ لكونه لصيقاً بشريحة اشتُهرت بالرقص والغناء والتحرُّر من قيود الدين والعادات والتقاليد.

الغجر أو تلك الشريحة من الأشخاص الذين يطلقون على أنفسهم أو يناديهم الناس بـ"النّوَر"، هم فئة انتشرت في الشرق الأوسط، صاحبة تقليد شفهي يستخدمونه للتعبير عن ثقافتهم وتاريخهم من خلال الموسيقى والشعر والرقص.

cygane

Colleena-Shakti_Rajasthani-Gypsy_Dance_2

في البداية، كان يُعتقد أن "النّوَر" فرع من شعب روما، لكن الدراسات التاريخية، خلال السنوات الماضية، تشير إلى أنهم غادروا من شبه القارة الهندية في القرن السادس الميلادي، ودخلوا المجتمع العربى عن طريق بلاد فارس.

عشائر الغجر في الوطن العربي كُثر؛ فمنها الطبالة والرياس والطنجرلية والسعّادين ومروضي القردة والبهلوانيين والصباغ وتجار الخيول والحمير الهزيلة، فضلاً عن نَوَر تلبيس الأسنان بالذهب والمبيّضين وأصحاب القدور (الحجّيات) والشعّار.

في الوطن العربي والشرق الأوسط، تعيش غالبية "النّوَر" وتحديداً في تركيا ومصر وإيران، وبأعداد كبيرة في العراق، ويوجد عدد قليل منهم في ليبيا وتونس والجزائر والمغرب، كما يستوطن بعضهم في السودان والأردن وسوريا وفلسطين.

ويُطلَق عليهم أيضاً "الدومر"، ويصل تعدادهم إلى نحو مليون ونصف المليون، وإضافة إلى وجودهم في الدول العربية آنفة الذكر، فإنهم ينتشرون في مناطق آسيا الوسطى، بين باكستان وأوزبكستان وقيرغيستان وطاجيكستان وتركمانستان وكازاخستان.

- كيف وصلوا إلى بلاد العرب؟

جماعات الغجر وصلوا إلى البلدان العربية واختاروا جنوبي العراق موطناً لهم، ما يؤكد أنهم قدموا من بلاد فارس أولاً، منتشرين نحو الغرب حتى وصلوا لبادية الشام، ليعيشوا حياة بداوة، حسب دراسة للباحث الغربي "كيفن هولمز".

وتناقل الناس رواية، فحواها أن عشيرة تجوَّل أفرادها ببلاد الشام والعراق، تشبه البدو في هيئتهم ولباسهم وبعض طرق حياتهم، لكنهم لا يتزوجون ولا يزوِّجون إلا من عشيرتهم، وهم مسالمون يمتازون بالبساطة والنشاط.

لكن الدراسة ذاتها لفتت إلى أن الغجر لم يسهموا في صنع التاريخ العربي كباقي القوميات التي عاشت في الأرض العربية، وذلك بحكم أنهم قوم عابرون في المكان والتاريخ، غير أنهم سبَّبوا بعض المتاعب والاضطرابات؛ بسبب عاداتهم المغايرة لتقاليد العرب.

اقرأ أيضاً:

الطبيعة والروح الأندلسية.. تعرّف على جمال السياحة في المغرب

وتقول رواية تاريخية أخرى إن الملك الفارسي "بهرام جور" كان لديه مجلس يزخر بالمتع لكن دون موسيقى، فأرسل يطلب من ملك الهند "ثانغول" بعض الموسيقيين، فردّ عليه باثني عشر ألف موسيقيٍّ من الرجال والنساء، فأعطاهم بهرام بقراً وقمحاً.

وبعد أن نفِد ما لديهم، كما تقول الرواية، شرعوا يتنقلون في البلاد نهاراً؛ لكسب الرزق رقصاً، وفي الليل يسرقون بمساعدة حيواناتهم المدرَّبة، وحين نزلوا البلاد العربية اختاروا جنوبي العراق ومستنقعاته.

وهذا يؤيد أنهم قدموا من بلاد فارس، وانتشروا نحو الغرب حتى وصلوا لبادية الشام، ليعيشوا حياة بداوة الصحراء، فأخذوا يربّون سلالات من الحمير وكلاب الصيد السلوقية.

- غجر العرب

في فلسطين، يُطلَق على هذه الجماعات اسم "النّوَر"، ويعيشون هناك منذ ما يزيد على مئة عام، ويُقال إنهم كانوا يمرُّون في أرض الجولان، ومنها إلى فلسطين، حتى استقر عدد كبير منهم في نابلس، والقدس، وغزة.

وبعد عام 1948 (النكبة الفلسطينية)، تهجَّر الغجر كباقي أبناء الشعب الفلسطيني، واستقر معظمهم في الأردن، وتحديداً بضواحي عمّان، في حين توجَّه القسم الآخر نحو مخيم جباليا شمالي قطاع غزة.

أما في سوريا، فيشكِّل الغجر مجموعة بشرية متحابّة، يتوزعون في المحافظات الداخلية السورية والحدود اللبنانية-السورية، ويسمون "القرباط" و"النَّوَر"، ويُطلَق عليهم في الساحل السوري "المطاربة".

JBCOLAWOLJ

وفي محافظة الحسكة (شمال شرق)، يعيش ما بين ألفين و3 آلاف عائلة غجرية، وفي الرقة (شمال شرق) يرتفع العدد إلى نحو 4 آلاف عائلة تقريباً، ومثلهم في حلب (شمال).

إلا أن عددهم يزداد بشكل ملحوظ في باديتي حمص (وسط) وحماة (وسط)، ففي الأخيرة يصل عددهم إلى 5 آلاف عائلة وربما أكثر، وفي حمص ينتشرون بكثرة، ولهم أيضاً وجود ضخم في منطقة تدمر الأثرية.

اقرأ أيضاً:

"فينيسيا" مدينة عائمة على الفرح والتراث.. تعرّف عليها

وفي الحديث عن غجر الأردن، فلهم وجهة نظر مختلفة؛ لكونهم يعتقدون أن أصولهم تعود إلى بني مُرَّة، وأنهم عرب أصليون وينكرون أصلهم الهندي، استناداً إلى "حرب البسوس".

كما يعيش الغجر في لبنان بحي من الصفيح يسمونه "الجربة"، ويُقدَّرون بمئة عائلة، وجميعهم يعيشون حياة متشابهة تماماً، لكن في الثمانينيات انتقل بعضهم إلى بيوت حجرية.

gipsy

وفي شمالي السعودية بمنطقة حائل، يعيشون هناك تحت اسم البدو، وهي جماعات تحمل السمات العامة للغجر نفسها؛ في التحرر تماماً من قيود الدين والعادات والتقاليد، والتفرد بسلوك اجتماعي مخالف لما هو سائد.

كذا، يشكِّل الغجر في العراق أقلية عرقية، حيث يتراوح عددهم ما بين 400 ألف ونصف مليون، وينتشرون في جماعات صغيرة بطول أراضي العراق، ويسكنون بمجتمعات فردية منعزلة عن أطراف المدن، إضافة إلى بعض القرى في سهول الجنوب.

أما في مصر، فيحرصون على أن تكون طريقة ملبسهم متسقة مع المجتمع الذي يعيشون فيه، فنساء الغجر اللائي يشتهرن بأزيائهن الملونة، وأقراطهن الطويلة، والوشم الذي يزين الوجه والأذرع، يمكن أن يتشابهن كثيراً مع المرأة الصعيدية البسيطة.

247343_dreambox-sat.com

- عادات "النّوَر" وتقاليدهم

ينقسم المجتمع النَّوَرِي إلى جماعات متعددة، أبرزها "القرباط" الذين يُعتبرون رؤوس النَّوَر، وهؤلاء يشتهرون بصناعة الغرابيل، ويحافظون على لغتهم الأم، كما أنهم يتميزون بالقسوة، ولا يتزاوجون من العشائر النورية الأخرى.

نساء النَّوَر موشومات غالباً، يمارسن التسول والبصارة وقراءة الطالع، وعليهن يقع العبء الاقتصادي، فيخرجن للعمل ويبقى رجالهن في البيت، وفق ما ذكره كتاب "عشائر النّوَر" للكاتب علي الجباوي.

أما عادات الزواج عند النَّوَر، فهو داخلي من العشيرة نفسها، والزواج المختلط يكون عاراً بقاموسهم، ويحدث في سن مبكّرة، وهو مجتمع مِكثار ولُود ومعروف بتعدد الزوجات.

01-Moria-and-Anita_1477

ويفضّل الغجر الزواج بينهم، وبشيوع زواج البدل أو ما يطلقون عليه "الداقيش" (تبادل الزيجات بين العائلات نفسها)، كما أن مجتمعهم معروف بنُدرة الطلاق، وكثرة حالات الخطف الذي ينتهي بالتراضي، بدفع ضعف المهر.

والفرح في الأعراس عارم عند الغجر، يبدأ بآلاتهم الموسيقية التقليدية، كالطبل والزمر والبزق (آلة وترية تشبه العود)، وحفلاتهم الراقصة كثيرة؛ إذ إن نساءهم يرقصن ويغنين في حضرة الغرباء على دقات الطبول.

أما في الأتراح، فتجد أن الحزن عند "النّوَر" كبير، ويشتهرون بطقوس خاصة عند الدفن، تكاد تشبه الاحتفالية التي يرافقها طبل وزمر وإطلاق نار، والغرابة تكمن في الهجرة وترك المكان لنسيان الأحزان.

sacromonte-gypsies-luis-XL

"النّوَر" يعتمدون في معيشتهم على الصيد بواسطة الكلاب السلوقية، ويربُّون قطعان الحمير البيضاء ليتاجروا بها، كما أنهم مشهورون بتجارة المِلح، وكانت لهم حلاقة وأزياء ذات بصمة خاصة تميّزهم عن غيرهم من الشعوب الأخرى.

والأولاد في المجتمع النوري يتنقلون في الشوارع حفاة، والرجال يقضون وقتهم في التدخين والحديث بعشوائية مع تمثيل انفعالي بحركات الأيدي، كما أنهم يشتهرون بضحكهم الصاخب.

مكة المكرمة