الغناء البحري.. فن تراثي عرَّف العرب بموسيقى الخليج

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/92emnK

غناء الخليج يأخذ نغمه من البحر

Linkedin
whatsapp
الثلاثاء، 18-02-2020 الساعة 22:34

يعتبر فن الغناء البحري في دول الخليج العربي الأساس الذي انطلق منه الغناء الخليجي، حتى عرفت البلدان العربية الأغنية الخليجية بقالبها الحالي، الذي كان وما زال لغناء البحر الدور الممهد لبروز هذا الفن خارج منطقته.

ولا عجب أن يطلق على هذا الغناء "البحري"؛ إذ عُرف منذ سنين طويلة في مياه الخليج، وسفنها التي تشق عباب البحر، حاملة الصيادين والباحثين عن اللؤلؤ، وكان دأبهم الغناء الجماعي، الذي أخذ صوت هدير الماء وهياج البحر.

ويطلق البحارة الخليجيون على غنائهم اسم "شيلة"، التي تغنى في أثناء العمل على نقل الأمتعة أو تحريك السفينة، وفي البحر لبث الهمة وروح التعاون.

وباعتمادهم الشعر في غنائهم فإن البحارة استنبطوا أنواعاً كثيرة من الشعر الزهيري واستخدموها في أغانيهم، وكانوا سبباً في شيوع أنواع مختلفة من هذا الشعر، منه السباعي والسداسي والخماسي.

ومما قيل من شعر الزهيري الخماسي:

حمام مالك على فرقاي تهواني
إلا بنار الجفا لو خير تهواني
وش لك على خلاق ذاك العهد تهواني
ما ينبغي منك عن ذيك المودة تحل
شرط المودة مثل ما أهواك تهواني

وأبرز أنواع الشعر الزهيري شيوعاً هو السباعي، ويضم سبع شطرات شعرية تكون الثلاث الأولى ذات قافية واحدة، ثم الشطرات من الرابعة إلى السادسة يكون لها قافية ثانية، ثم تعود الشطرة السابعة بالقافية الأولى، التي تسمى القفل؛ أي نهاية الأبيات الشعرية.

ومما قيل في الزهيري السباعي: 

ما النهي عن حبيبي كان ميت روح
من لوجة الروح مدري يا مكان أروح
من حين الأقوام بانت ناحلات الروح
شق الضماير بصمصام المودة وطر
حبيبي إن نال مني بالتجافي وطر
الناس ظاهر يحسبوني بكيف ووطر
لا شك مذبوح و ألبط من حلاة الروح

البحارة والموسيقى

اعتمد البحارة على الموسيقى في غنائهم، واقتصر اعتمادهم هذا على آلات النقر الطار، وتتكون من حزام خشبي دائري مشدودة عليه رقعة من الجلد المدبوغ.

وآلة الطار تعتبر أساس الإيقاع وأكثر الآلات الإيقاعية انتشاراً في منطقة الخليج، واستطاع البحارة استخراج أصوات جميلة ومتعددة منها.

ليس ذلك فقط، بل غيروا من طريقة أماكن العزف على الطار؛ فبدلاً من أن يكون العزف على أطراف الطار باليد كاملة أصبح للأصابع رنين خاص يختلف عن صوت اليد كاملة.

البحارة استعملوا، أيضاً، الجرة المسماة محلياً "اليحلة" في الغناء.

اليحلة هي وعاء من البورسلين، استخدمه أهل الخليج لحفظ المياه وتبريدها، وحولها البحارة إلى آلة موسيقية.

وطريقة العزف على اليحلة بضرب العازف فوقها فتطلق صوتين متميزين، الأول غليظ وينتج عن إدخال الإبهام في فتحة الحجلة، والضرب بالأصابع الأربعة الأخرى، وهذا الصوت يشبه أصوات الأمواج؛ ليعطي التأثيرات البحرية في الغناء البحري.

والغناء البحري هذا يسمى "النّهمة" بتشديد النون وإسكان الهاء، وتبعاً لذلك يسمى المطرب البحري "النّهام" والجمع "النّهّامة" بتشديد النون والهاء.

ولا يمكن لأي نمط من أنماط الغناء البحري أن يكون متكاملاً دون هذا "النّهّام"، الذي يعتبره أهل السفن عنصراً رئيساً وأساسياً لتشكيل هذا الفن؛ بل هو المحور والركيزة التي يقوم عليها الغناء وأداء بقية البحارة على متن السفينة، فهم الجوقة، أو الكورس بمفهوم العصر.

ولـ"النّهّام" مواصفات ومميزات ومهارات خاصة، تجعل من البحارة والنواخذة يتنافسون على النّهّامين الممتازين.

والنّهمة في أبسط صورها تنقسم إلى ثلاثة أنواع؛ الأول: "اليامال"، وهو نوع من الغناء يختص بالسرد الإلقائي على ظهر السفينة وخارجها.

الثاني: "الخطفة"، وهي نوع من الغناء يختص برفع أشرعة السفينة لإبحارها في اتجاهات مغايرة.

والثالث هو "الحدادي"، وهو من "الحداد" الذي يقول عنه العرب بأنه "البحر"، وهذا النوع من الغناء، وإن اختلفت فيه بعض الضروب وتباينت فيه الأسماء، لكنه يشكل وحدة فنية قائمة بذاتها تندرج تحت قائمة ما يعرف بـ"الفنون البحرية الخفيفة".

ولمشاهير فناني الخليج أغنيات تراثية، بينها بنغم أغاني البحر، وأخرى مبنية على ذلك النغم.

أيضاً، ظهرت العديد من الفرق الشعبية الخليجية، تعتمد في أغانيها فقط على هذا النغم الخليجي، وأسهمت بذلك في الحفاظ على هوية الغناء الخليجي، والتراث النغمي الثري.

ونظراً لأهمية هذا الفن التراثي، تبنت قطر منذ عام 2016، مهرجاناً خاصاً تحت عنوان  "جائزة كتارا لفن النهمة"، وفتحت المجال لدول مجلس التعاون الخليجي للمشاركة فيه.

ويأتي إطلاق الجائزة ضمن برنامج إحياء التراث الموسيقي والغناء الشعبي بقطر، في إطار توعية الجيل الحالي بفن النهمة، وتشجيع المهتمين منهم بالتوجه لممارسته هذا الفن العريق.

وتؤكد هذه الجائزة سعي دولة قطر  للحفاظ على تراث الأجداد من النسيان والاندثار، وتأصيله في نفوس جيل الشباب، فضلاً عن أن المسابقة سوف تسهم في إبراز قيمة التراث الفني والموسيقي.

مكة المكرمة