بالأنف ورمش العين.. هذه أغرب طرق كتابة الروايات في العالم

الصحافي الفرنسي "جان دومينيك بوبي" كتب روايته برمش العين

الصحافي الفرنسي "جان دومينيك بوبي" كتب روايته برمش العين

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 25-10-2017 الساعة 20:20


يضرب بطرف أنفه لوحة المفاتيح في شاشة جهازه اللوحي، ليكتب نصاً أملاه عليه عقله وجوارحه، بعد أن أصاب العجز أطرافه وحال دون استخدامها، لكنه لم يحل بالمطلق دون ولادة رواية هي الأولى على مستوى العالم تُكتب بالأنف.

الشاب الأردني "المعتصم بالله أبو محفوظ" (21 عاماً) ولد برفقة شلل دماغي، بسبب تعرضه لنقص في الأكسجين أثناء الولادة، لتبدأ رحلة البحث عن علاج للمرض الذي أصاب معظم أعضاء جسده بالشلل، وشمل أطرافه الأربعة والنطق.

لم يكن "المعتصم بالله" قادراً على الحركة عندما بدأ يخرج إلى المجتمع الذي كان ينظر إليه بقسوة، لكونه يتحدّث بطريقة تلفت نظر الناس، ومن هنا حاول أن يكتب شيئاً يحاول فيه الرد على تلك النظرات، لكنه كان عاجزاً عن ذلك.

22308834_1936546163300824_2346039778507504682_n

بدأ يشقّ طريقه في كتابة المقالات ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، والسبب- وفقاً لقوله- "لأجبر هذا الوحش (قاصداً المجتمع) على أن يتقبلني، فالإعاقة ليست بالجسد وإنما بالفكر والأخلاق".

وعندما وجد والد "المعتصم بالله" إلحاحاً منه، أهداه جهازاً لوحياً، فبدأ الشاب الذي يدرس في كلية الهندسة تجربة الكتابة بالقدم واليد، لكنه لم يستطع، إلى أن جرب الكتابة بأنفه فنجح، وبدأ بكتابة أفكاره لكتابه الأول "نظرات ثاقبة".

المنتوج الأول بأنف المعتصم بالله يقع في 200 صفحة، ويضم ستة أبواب، يتحدث الأول منها عن "المعتصم بإرادة الله تتحدى الصعاب"، فيما الفصول الخمسة الباقية تتحدث عن واقع الشباب وحاجتهم إلى الأمل والدعم للاستمرار في الحياة.

ويطمح أن يصبح روائياً عالمياً، بعد أن يلتحق ببرامج للدراسات العليا، ويأمل بأن يكون رمزاً عالمياً للإرادة، وقد تم ترشيحه مؤخراً في مسابقة "صانع الأمل" لأفضل شخصية مبادرة في الوطن العربي.

ومطلع العام الجاري، أخرج "المعتصم بالله" روايته الثانية التي حملت اسم "عاشقة صاحب الكرسي"، استخدم فيها لغة تناول خلالها حياته الطبيعية، مؤكداً في مضامينها أن جوهر ذوي الإعاقة هو انعكاس لصورتهم الحقيقية، التي لا تختلف عن المجتمع.

- دخل التاريخ بقدمه اليسرى

"قدمي اليسرى" واحدة من الروايات الناجحة، التي جذبت جمهور القراء بطريقة كتابتها الغريبة قبل مضمونها الذي قال عنه أدباء إنه واحدة من معجزات الأدب العالمي، وهي تروي سيرة الكاتب الإيرلندي "كريستي براون"، الذي حقق عبرها شهرة واسعة ونجاحاً.

لم تحمل الرواية هذا الاسم اعتباطاً، فقصة غرابتها تبدأ مع قصة "براون" الذي ولد بمتلازمة شلل دماغي، جعلته عاجزاً عن الكلام والحركة، لكنه بعد حين اكتشف أن جزءاً ما يتحرك في جسده؛ إنها قدمه اليسرى، فكتب بها الحرف الأول من اسم أمه عندما كان صغيراً.

"براون" الذي ولد بمدينة دوبلن بإيرلندا سنة 1932، لم يكن يعرف أن قدمه اليسرى التي استخدمها للتعبير عن مشاعره وعمّا يدور في خلجات قلبه، ستدخله التاريخ كصاحب أغرب طريقة لكتابة الرواية التي تحوّلت فيما بعد إلى فيلم حقق مشاهدات عالية.

بداية الأمر ونتيجة إصابته بالشلل الدماغي كان من حوله يصفونه بـ"المتخلّف عقلياً"، واقترحوا على والدته إرساله إلى مركز للرعاية الصحية والتفرغ لتربية بقية إخوانه، لكنّها رفضت الفكرة، وأخذت تهتم به أكثر من باقي أبنائها، فكانت بطلة الرواية التي كتبها "كريستي" بقدمه.

رواية "قدمي اليسرى" كانت من أكثر الكتب مبيعاً في العالم خلال الأعوام التي تلت إنتاجها، وترجمت إلى 14 لغةً، وحققت أرباحاً زادت على 370.000 دولار.

ذات مرة كتب بروان "كم هي مُرّة وصادمة نظرة الشفقة"، إذ إنه كان لا يستسيغ تعاطف من حوله وتعاملهم على أساس نظرة مليئة بالشفقة، وهو ما ظهر في الفيلم الذي أُنتج سنة 1989 وقام بأداء دوره الممثل "دانيال داي لويس"، الذي حصل على جائزة الأوسكار.

- برمش العين

لم يبقَ سوى دماغه وعضلات عينيه تستجيبان بعد أن تعرّض الصحافي الفرنسي "جان دومينيك بوبي" سنة 1995، لجلطة دماغية تُسمى "متلازمة المنحبس"، تسببت بتعطيل جميع أجزاء جسده عن الحركة، وأدخلته غيبوبة استمرت أسابيع.

أفاق "بوبي" (أبريل 1952) مقبلاً على الحياة عازماً على الكتابة، ولكن الجلطة فاجأته سنة 1955، ووأدت حركته، لكنه لم يلبث أن أحيا الأمل في نفسه، واتخذ من تلك المحنة منحة؛ إذ أراد من خلالها تدوين تجربته مع مرضه النادر والفظيع، فابتكر طريقة لم تكن أقل غرابة عن "كريستي براون"، إذ كان يرمش بعينيه عندما تنطق ممرضته بالحرف المطلوب، وهكذا.

"بذلة الغوص والفراشة" التي كُتبت بـ200 ألف رمشة عين، كانت نتاج قصة "بوبي" التي نقلها إلى السينما الأمريكية "جوليان شنابل"، وتسببت في تعرّضه لنقد كبير بسبب ما اتهم به من انحياز لشخصية ثانوية في الفيلم.

استمرّت تلك الطّريقة حتّى أمكنه تأليف القصّة التي كانت تدور في ذهنه قبل إصابته بالنّزيف الدّاخلي، واستطاع إملاء الحروف اللازمة لكل كلمة في القصّة التي كانت تحوي كثيراً من الحوارات، وتعهّد أحد الناشرين الفرنسيّين بنشرها على نفقته الخاصّة.

ومن خلال الرواية يقدم "بوبي" قصة إنسان يحتضر أراد لنفسه مقاومة الموت والسخرية منه؛ وعاش بجسد كسيح أبكم لم يبق منه سوى رمش يتحرك ويترجم الأفكار والأحاسيس.

يتأرجح "بوبي" في روايته بين بدلة الغوص التي يشعر بالعجز عن اختراقها إلا عبر النظرة المحايدة لعين واحدة ترف في جسد كامل مصاب بالشلل، وبين روح الفراشة وحركتها التي تجعله يحلق في أفكاره مستعيداً ذكرياته الجميلة بأمكنتها الساحرة وأشخاصها الرائعين.

وقد أثارت الرواية جدلاً كبيراً في الأوساط الثقافية والإعلامية، لا سيما أن صاحبها توفي بعد أيام قليلة من نشرها، وعلى الرغم من ذلك فإنها اعتُبرت واحدةً من الروايات العالمية في أدب الكتابة عن الذات، والتي تروي تجربة مخصوصة ودقيقة.

مكة المكرمة