درعا العائمة على بحر من الآثار تفقد مخزونها الثقافي

سُجلت مدينة "بصرى الشام" على لائحة التراث العالمي منذ العام 1980

سُجلت مدينة "بصرى الشام" على لائحة التراث العالمي منذ العام 1980

Linkedin
whatsapp
الثلاثاء، 29-05-2018 الساعة 12:05


لم يعرف عن درعا، تلك المحافظة السورية القابعة على الحدود السورية - الأردنية، أكثر من كونها محافظة زراعية، يعتمد معظم سكانها في حياتهم المعيشية على الإنتاج الزراعي، والعمل الوظيفي الحكومي، لكن ما لا يعرفه الكثيرون عنها، إضافة إلى كونها مهد الثورة السورية، وشرارة انطلاقتها في العام 2011، أنها محافظة أثرية بامتياز، تعوم على بحر من الآثار الموغلة في القدم.

- متحف في الهواء الطلق

الدراسات التاريخية أشارت إلى أن محافظة درعا تشكل "متحفاً أثرياً في الهواء الطلق"؛ وذلك لكثرة المواقع الأثرية الموجودة فيها، والتي تعود إلى عصور وحقب تاريخية مختلفة، تبدأ من عصور ما قبل التاريخ، مروراً بعصور البرونز، والحديد، والحضارات الكلاسيكية، والرومانية والبيزنطية، وصولاً إلى الحضارة الإسلامية.

ويقول الباحث في الآثار، غسان عبد القادر: إن "محافظة درعا، تعتبر من أغنى المحافظات السورية بالمواقع واللقى الأثرية، وأكثرها تنوعاً، فأينما اتجهت في ربوعها، من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، ثمة آثار تؤرخ لحياة أبناء هذه القطعة الجغرافية من جنوب سوريا، والشعوب والحضارات المتعاقبة التي عاشت عليها".

وأضاف، في حديث لـ"الخليج أونلاين"، أن "مدينة درعا، التي تعتبر مركز المحافظة وعاصمتها الإدارية والتجارية، تعد من أبرز المدن الأثرية في المحافظة وأقدمها"، موضحاً أن مدينة درعا عرفت تاريخياً بأنها عاصمة "إقليم حوران"، الذي يمتد من جنوب سوريا إلى شمال الأردن.

ولفت الباحث في علم الآثار إلى أن درعا سكنها إنسان الكهوف منذ العصر الحجري الحديث، ما بين الألف السادسة إلى الألف الرابعة قبل الميلاد، مشيراً إلى أن أول وثيقة تاريخية ذكرت مدينة درعا كانت في لوحات "تل العمارنة"، التي اكتشفت في مصر في العام 1882 ميلادي، والتي تعود بدورها إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد.

وأشار إلى أن درعا كانت تسمى سابقاً "أذرعي" أو "أذرعات"، ثم تحولت فيما بعد إلى درعا.

وأثبتت التحريات والدراسات الأثرية المتعلقة بالمدينة أن البيوت الأثرية القديمة في درعا البلدة، تدل على وجود مدينة قديمة تحت المدينة الحالية، مكونة من شبكة واسعة من الطرق والأنفاق، والممرات، والمساكن المحفورة بالصخر، بحسب الباحث.

- مئات المواقع الأثرية المنتشرة

من جهته أكد محمد قاسم، وهو مهتم بتاريخ المحافظة، أن هناك العديد من المواقع الأثرية المهمة في مدينة درعا، أبرزها المنطقة الأثرية القديمة، التي تضم المعبد، والمسرح، والكنيسة، والطريق المستقيم، والجامع العمري الشهير، الذي أمر ببنائه الخليفة عمر بن الخطاب، في حقبة الخلفاء الراشدين.

وبين قاسم في حديث لـ"الخليج أونلاين" أن جامع الخليفة عمر بن الخطاب أو "الجامع العمري"، الذي بني عام 634 - 644 ميلادي أصبح خلال الثورة السورية، التي انطلقت في العام 2011، رمزاً من رموز ثورة الكرامة؛ فمنه انطلقت التظاهرات ضد نظام الأسد، وفيه كانت تقام الاعتصامات، ما عرضه لأعمال تخريب وقصف على أيدي قوات النظام التي دمرت مئذنته التاريخية وجزءاً كبيراً من مكوناته في أبريل من العام 2013.

120858_2010_10_10_13_35_08

- بصرى الشام أبرز مدينة أثرية

من أهم المدن الأثرية في محافظة درعا "مدينة بصرى الشام"، التي تقع على بعد نحو 35 كم إلى الشرق من مدينة درعا، وتبعد نحو 110 كم عن دمشق، ويلفت قاسم إلى أن هذه المدينة سُكنت في العصر البرونزي، وازدهرت في عصر الأنباط، وكانت عاصمة لهم.

اقرأ أيضاً :

إحباط محاولة تهريب قطع أثرية عراقية إلى سوريا

وأضاف أن مدينة "بصرى الشام" كانت "عاصمة للولايات العربية في العصر الروماني، والعاصمة الدينية للغساسنة، وسجلت على لائحة التراث العالمي منذ العام 1980".

وقال: إن "المدينة تحوي عشرات المواقع الأثرية التي تعود إلى مختلف العصور التاريخية، ففيها تتربع "قلعة بصرى" الأثرية الشهيرة بأسوارها وأبراجها، وفيها أيضاً المسرح الروماني الذي رغم قدمه ما زال صالحاً لإقامة الاحتفالات حيث يتسع لنحو 15 ألف متفرج".

2-1

وأوضح أن بصرى تشتهر بحماماتها القديمة، و"جامع فاطمة"، ومبرك ناقة الرسول عليه الصلاة والسلام، و"دير الراهب بحيرا"، الذي تنبأ بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، و"سرير بنت الملك"، و"بركة الحاج"، و"الجامع العمري"، و"قصر تراجان"، و"باب الهوى"، و"قوس النصر"، و"الكاتدرائية البيزنطية"، و"باب منجك"، وغيرها الكثير من المواقع، التي يحتاج كل موقع منها إلى دراسة منفردة.

T-54-B

083420_2008_12_08_00_47_22

المواطن المهتم بتاريخ المدينة أشار إلى أن من أبرز الآثار في محافظة درعا آثار منطقة "اللجاة" الواقعة إلى الشرق من درعا، وتمتد على مساحة ألف كم2 من الصخور، حيث يوجد فيها عشرات الكهوف، والقلاع، والأبراج، والمساكن، والمسارح، والمدافن، والطرق القديمة.

وأضاف أن من أهم المواقع الأثرية في المحافظة "كنيسة مارجيورجوس" ذات الطراز المعماري العالمي الفريد في مدينة ازرع، ومعبد "الصنمين"، ومحطة القطار في "الطيبة"، وقلعة "المزيريب"، وقصور"إنخل"، وخرب وتلال "نوى"، ومقام النبي أيوب في "الشيخ سعد"، وآثار"خبب"، و"تل شهاب" و"تل الأشعري"، وغيرها العشرات من المواقع.

وهناك مئات الخرب والتلال الأثرية التي تنتشر تقريباً في كل مناطق محافظة درعا، حيث يوضح قاسم أن عدد هذه المواقع يصل إلى نحو من 375 موقعاً، فيما قدر عدد اللقى الأثرية والكنوز التي أودعت المتحف الوطني بدمشق، وكانت مودعة في متاحف درعا وبصرى، بآلاف القطع الحجرية، والفخارية، والزجاجية، والمعدنية، والمشغولات اليدوية.

- تخريب وتهريب على أيدي قوات النظام ولصوص الآثار

مصدر في محافظة درعا الحرة أكد أن معظم المواقع الأثرية في المحافظة تعرضت لأعمال تخريب، وعبث، وسرقة، سواء على يد قوات النظام، أو على يد لصوص الآثار والمهربين.

وقال المصدر لمراسل "الخليج أونلاين" إن الكثير من معالم المواقع الأثرية في مناطق درعا تغيرت بشكل كبير، ومنها ما أزيل بشكل نهائي؛ نتيجة استخدام أدوات الحفر الثقيلة في عمليات التنقيب، وبسبب القصف الذي تعرضت له من قبل قوات النظام وحلفائها، مؤكداً أن أكثر من 80% من آثار المحافظة تعرضت للتخريب.

المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أضاف أن قوات النظام وضباطها وحلفاءها، سرقوا كميات كبيرة من آثار المحافظة، ونقلوها إلى مناطق سيطرة النظام، موضحاً أن المتاحف ومستودعات دائرة آثار درعا، كانت تغص بآلاف القطع الأثرية قبل الثورة، لكنها الآن خالية تماماً.

ويشير إلى أن عمليات التخريب والتنقيب العشوائي، دفعت أهالي المحافظة الغيورين والنشطاء منهم، إلى رفع الصوت عالياً؛ للفت الانتباه إلى خطورة ما تتعرض له المحافظة وإرثها الحضاري والثقافي من نهب وتخريب وتهريب، على أيدي المستهترين، ما دفع المنظمات الدولية المختصة إلى إدانة ما تتعرض له تلك الآثار.

مواقع إخبارية أشارت إلى أن قيمة الآثار المهربة إلى خارج سوريا بلغت أكثر من 20 مليار دولار أمريكي منذ بداية الثورة في العام 2011، ما يوضح حجم الاستنزاف والكارثة، الذي يتعرض له المخزون الثقافي والإرث الحضاري السوري.

يشار إلى أن محافظة درعا تقع في الجنوب السوري، على الحدود السورية - الأردنية، وتمتد على مساحة تقدر بنحو 3360 كم2، بلغ عدد سكانها قبل الثورة نحو مليون و100 ألف نسمة، أما الآن فيبلغ عدد سكانها نحو 600 ألف نسمة.

يحد المحافظة من الغرب القنيطرة والقسم المحتل من الجولان السوري، ومن الشرق السويداء، ومن الشمال ريف دمشق، فيما يحدها من الجنوب الأردن.

مكة المكرمة