صحفيو مصر في مواجهة الداخلية.. معركة متعددة السيناريوهات

ضباط الداخلية المصرية اقتحموا مقر نقابة الصحفيين في 1 مايو

ضباط الداخلية المصرية اقتحموا مقر نقابة الصحفيين في 1 مايو

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 04-05-2016 الساعة 19:31


لم يتوقع ضباط وزارة الداخلية المصرية الذين اقتحموا مقر نقابة الصحفيين في الثامنة والنصف من مساء أول أيام شهر مايو/أيار الجاري، أنهم يشعلون جذوة الغضب في نفوس تسعة آلاف صحفي هم أعضاء النقابة، الذين تمكنت تلك الواقعة من توحيدهم خلف مطالب إتاحة الحريات الصحفية، ورفض اقتحام النقابة، ووقف التدخلات السافرة للسلطة في المحتوى الصحفي.

ووصلت احتجاجات الصحفيين إلى ذروتها، الأربعاء 2016/5/3، قبل عقد الجمعية العمومية للصحفيين، حيث امتلأ محيط النقابة بالصحفيين الذين هتفوا ضد الداخلية وقمعها للصحفيين، قائلين: "ارفع راسك فوق أنت صحفي، علي في سور السجن وعلي، بكرة الثورة تشيل ما تخلي، اللي بيقتل صحفيين.. خاين حتى يوم الدين، قول ما تخافشي الوزير لازم يمشي، الداخلية بلطجية، حبس الصحفي.. باطل، يا بلدنا يا تكية.. فين الحرية الصحفية".

وتوحد هتافهم قائلين: "حرية .. حرية"، في الوقت الذي استعانت وزارة الداخلية بعدد كبير من البلطجية في حصار النقابة، لمنع عدد كبير من الصحفيين والمتضامنين معهم من النقابات الأخرى من الوصول إلى محيط النقابة.

المشهد اشتعل بشكل واضح، ولم يتوقع معظم الصحفيين أن يصلوا إلى مواجهة النظام الذي يقوده الرئيس عبد الفتاح السيسي، والذي أيده عدد كبير منهم، وواجهوا الرئيس المعزول محمد مرسي، رغم أنهم تمتعوا خلال عام حكمه بحرية رأي لم يتمكنوا من الوصول إليها قبل ذلك، بحسب مراقبين.

مقر نقابة الصحفيين بوسط البلد، لم يخل من الوقفات والمظاهرات منذ لحظة اقتحام النقابة، كما ابتكر الصحفيون فكرة الاحتجاج بمباريات الكرة، التي مارسوها أمام نقابتهم، مستغلين الشارع الفارغ نتيجة محاصرة النقابة للمكان وإقامتهم حواجز منعت أحداً من تخطيها إلا عبر إبراز بطاقة نقابة الصحفيين، كما ابتكر "أبو السعود محمد"، عضو مجلس النقابة، أسلوباً آخر للاحتجاج، وهو بيع "الجرجير" على سلم النقابة، تنفيذاً لتهديد أطلقه منذ إلقاء القبض على زميليه، مؤكداً أنه سيواصل بيع الجرجير حتى تتم إقالة وزير الداخلية.

وبدأت الاحتجاجات بوقفة حاشدة للصحفيين الذين توافدوا على مقر نقابتهم ليلة الأحد حين ألقي القبض على الصحفيين عمرو بدر، ومحمود السقا، من داخل نقابة الصحفيين، وظلت كرة الاحتجاج في الاتساع، كما انضمت لها وفود من نقابتي المحامين والأطباء؛ لإعلان تضامنهم مع الصحفيين، معتبرين أن مقار النقابات خط أحمر غير مسموح باختراقها بأي شكل من الأشكال.

وتميزت الاحتجاجات هذه المرة بمشاركة صحفيين من كافة الاتجاهات السياسية، في وحدة لم تحدث منذ فترة طويلة، حيث أعلن الصحفيون الناصريون والإخوان واليساريون والحكوميون نفس المطالب، فبعد أن فرقتهم الآراء السياسية جمعتهم مصلحة المهنة والسعي إلى محاسبة وزير الداخلية على تجاوزات أفراد وزارته ضد الصحفيين خلال الفترة الماضية، لافتين إلى أن إهانة الصحفيين، وقمع الحريات، وتدخل المؤسسات الأمنية، لم يعد مقبولاً بعد الآن.

وكان المؤتمر الصحفي العالمي الذي نظم الثلاثاء، علامة فارقة في التأكيد على أن الأمر ليس مجرد احتجاجات عابرة، بل إصرار على إنهاء حالة التكبر الحكومي على الصحفيين، وهو المؤتمر الذي شدد فيه الصحفيون على أن المعركة بينهم وبين الداخلية مفتوحة إلى أن تعتذر القيادة السياسية، ويقال الوزير، ويتم الإفراج عن الصحفيين الذين تم القبض عليهم.

ونكس الصحفيون أعلام النقابة، رافعين رايات سوداء، رمزاً للنكبة التي تمر بها المهنة خلال هذه الفترة.

وخلال المؤتمر الصحفي أعلن نقيب الصحفيين، يحيى قلاش، أن النقابة قدمت بلاغين إلى مكتب النائب العام المصري نبيل صادق، ضد وزير الداخلية اللواء مجدي عبد الغفار، ومدير أمن القاهرة اللواء خالد عبد العال، حول محاصرة نقابة الصحفيين، يوم مظاهرات 25 أبريل/نيسان الماضي، وهي المظاهرات التي كان اندلاعها أمام النقابة سبباً في اتخاذ الحكومة موقفاً عدائياً من النقابة وأعضائها، وتم خلال ذلك اليوم اعتقال نحو 40 صحفياً.

وأشار نقيب الصحفيين إلى أن "اقتحام النقابة بهذه الصورة يشكل السابقة الأولى من نوعها على مر العصور من قيام قوات الشرطة باقتحام مبنى نقابة الصحفيين التي تعد رمزاً للحقوق والحريات، وقلعة الدفاع عن حقوق وحريات جموع الشعب المصري، وهو الأمر الذي يخالف نص المادة 70 من القانون رقم 76 لسنة 1970 بإنشاء نقابة الصحفيين، والتي تنص على أنه: "لا يجوز تفتيش مقار نقابة الصحفيين ونقاباتها الفرعية أو وضع أختام عليها إلا بمعرفة أحد أعضاء النيابة العامة، وبحضور نقيب الصحفيين أو رئيس النقابة الفرعية أو من يمثلها".

وكذلك المادة 69 من القانون ذاته، التي تنص على أن: "على النيابة العامة أن تخطر مجلس النقابة أو مجلس النقابة الفرعية بأي شكوى ضد أي صحفي تتصل بعمله الصحفي قبل الشروع في التحقيق معه بوقت مناسب، وإذا اتهم الصحفي بجناية أو جنحة خاصة بعمله الصحفي، فللنقيب أو لرئيس النقابة الفرعية أن يحضر التحقيق بنفسه أو بمن ينيبه عنه".

علاقة متأزمة

الأزمة بين الصحافة والنظام في مصر لا تتوقف على اعتقال اثنين من الصحفيين، وحبسهما 15 يوماً على ذمة التحقيقات، بل هي تراكم للعديد من الانتهاكات التي تتعرض لها الصحافة في مصر خلال الفترة الماضية، والتي يفسرها مراقبون بأنها بسبب ضيق قادة الانقلاب في مصر بالرأي الآخر، ورغبتهم في تصدير توجه واحد للمصريين، وهو الذي يراه عبد الفتاح السيسي، وسبق أن صرح به أكثر من مرة كان أكثرها وضوحاً حين قال: "متسمعوش من حد غيري"، وإشارته أكثر من مرة إلى أن وسائل الإعلام تنساق وراء المنشور على "السوشيال ميديا"، وأن الكثير من الإعلاميين "لا يقدر الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد التي تتعرض لمؤامرات لا نهائية، وتربص من الداخل والخارج"، وفقاً لرأيه.

وربما كانت تلك العلاقة المتأزمة، سبباً في ترصد وزارة الداخلية للصحفيين، خلال عهد السيسي، والذي شهد قتل 10 صحفيين، وحبس ما لا يقل عن 100، منهم من أمضى في الحبس الاحتياطي أكثر من عامين ونصف، بزيادة نصف عام كامل على الحد الأقصى المسموح به في الحبس الاحتياطي.

وأشار قلاش، في المؤتمر الصحفي، إلى أنه من المؤسف أن يتزامن تنديدهم باقتحام النقابة مع احتفال العالم باليوم العالمي لحرية الصحافة، والذي جاء ترتيب مصر في مؤشر الحريات به في المرتبة الـ 159 من بين دول العالم، وتصنيفها باعتبارها ثاني أكثر دول العالم سجناً للصحفيين خلال هذا العام، بعد الصين، مشيرين إلى تقرير لجنة حماية الصحفيين الدولية إلى أنها منذ بدء رصدها في عام 1990، سجل عدد الصحفيين المحبوسين في مصر خلال العام الحالي أعلى رقم على الإطلاق.

وشدد نقيب الصحفيين على أن شعار الصحفيين في هذه المعركة هو "نقابة واحدة، قضية واحدة، مصير واحد".

وبالتزامن مع احتجاجات الصحفيين، سجل مرصد "صحفيون ضد التعذيب"، 720 انتهاكاً ضد الحريات الإعلامية في مصر خلال عام 2015، حيث وثَّق فريق عمل المرصد 288 حالة، إما عن طريق شهادات مباشرة أو عن طريق الفريق الميداني، كما تم تسجيل 429 حالة عن طريق مصادر صحفية مختلفة، وأخيراً تم تسجيل 3 حالات وفقاً للجهات الحقوقية.

وتضامناً مع فعاليات الصحفيين، قررت أسر المعتقلين تعليق اعتصامهم بدءاً من الثلاثاء، 3 مايو/أيار؛ "توحيداً لهدف الدفاع عن حرية الصحافة، ولعدم تشتيت الجهود، والانضمام لحراك الصحفيين النضالي ضد القمع الذي يمارس عليها، وسعياً إلى الحصول على الحقوق، والوصول إلى الحريات التي اكتسبها الصحفيون على مدار تاريخ الحركة النقابية الطويل"، وفقاً للبيان الذي أصدرته الأسر المشاركة في الاعتصام.

السيناريو المتوقع

ويتوقع خبراء أن تفضي احتجاجات الصحفيين المتصاعدة إلى تضحية النظام بالوزير مجدي عبد الغفار، لتخفيف حدة الانتقادات التي يتلقاها من مؤسسات حقوقية داخلية وخارجية، كان أبرزها إعراب أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون، عن قلقه من القمع الذي تتعرض له حرية الصحافة في مصر، والأهم هو الأصوات التي خرجت من داخل المعسكر المؤيد للسيسي، والذي خرج معظم أعضائه من الصحفيين عن "طوع" السيسي، منتقداً انتهاك مقر نقابة الصحفيين للمرة الأولى في تاريخ النقابة.

ويعتقد المراقبون أن يضطر النظام إلى التضحية بـ"عبد الغفار" لامتصاص الغضب، خصوصاً بعد مطالبة عدد من الأذرع الإعلامية للنظام بتلك الإقالة، ومنهم إبراهيم عيسى وياسر رزق، إضافة إلى الطلب بمعالجة الموضوع رسمياً من جانب جابر القرموطي، وخالد صلاح، وسيد علي، ولميس الحديدي، وغيرهم من الأذرع الإعلامية التي عرفت بدفاعها المستميت عن قرارات السيسي وحكومته.

مكة المكرمة