فضيحة إعلامية متواصلة منذ 365 يوماً.. وهذه تفاصيلها

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/Gmvm1v
إعلام السعودية والإمارات تصدَّر مشهد التلفيق

إعلام السعودية والإمارات تصدَّر مشهد التلفيق

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 01-06-2018 الساعة 22:48

التحقق من المعلومة من مصدرها الأصلي أساس نقل الأخبار بالطريقة المهنية، وعليه تنشغل وسائل الإعلام الرصينة بالتأكد من المصادر والجهات المختصة قبل إيصال أي معلومة للمتلقي، وذلك يصب فيما يطلق عليه بـ"شرف المهنة".

 

 

لكن المتابع للأزمة الخليجية سيفاجئه ابتعاد وسائل إعلام عربية، لطالما كانت محل تقدير واحترام المتابع العربي، عن حياديتها بشكل واضح، لتُواصل تأكيد معلومات كررت الجهة المعنيَّة نفيها.

 

البداية تعود إلى فجر الأربعاء 24 مايو 2017، حين أقدم قراصنة إنترنت على اختراق الموقع الرسمي لوكالة الأنباء القطرية الرسمية (قنا)، وذلك بفبركة تصريحات مزعومة لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ونشرها.

اقرأ أيضاً:

عام على اختراق "قنا".. هكذا قرصنت دول الحصار عقول شعوبها

 

بدورها، نفت قطر رسمياً صدور أي تصريحات عن الأمير، مؤكدة في بيان لها، أن هذه التصريحات "مفبركة"، وجاءت على أثر الاختراق الذي تعرضت له وكالة الأنباء القطرية.

وفي تأكيد آخر لعملية الاختراق الإلكتروني، قال الشيخ عبد الرحمن بن حمد، الرئيس التنفيذي للمؤسسة القطرية للإعلام، إن موقع وكالة "قنا" مخترَق، وإن "ما تم تداوله زعماً أنه صادر عن سيدي حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، الليلة، غير صحيح".

 

وفي تأكيد ثالث على الاختراق الإلكتروني، صرح الشيخ سيف بن أحمد آل ثاني، مدير مكتب الاتصال الحكومي في حينه، بأن "موقع وكالة الأنباء القطرية قد تم اختراقه من قِبل جهة غير معروفة إلى الآن، وإدلاء تصريح مغلوط لحضرة صاحب السمو بعد حضور سموه تخريج الدفعة الثامنة للخدمة الوطنية".

والتأكيد الرابع نشرته وكالة الأنباء القطرية الرسمية، التي قالت إن موقعها الإلكتروني "تعرَّض للاختراق من قِبل جهات غير معلومة، وتحتفظ الوكالة بحقها في محاسبة من هم وراء هذا الفعل".

 

هناك علامات استفهام كبيرة لدى الجمهور لم تجد أجوبة لها مع بداية الحملة، ومنها هذه الجاهزية المباشرة للتعبئة المفاجئة بموجات بث مفتوحة، لعل أبرزها كيف نجحت هذه الفضائيات، وقت الفجر، في حشد جيش غفير من المعلقين، الذين تحدثوا بلسان واحد من عواصم عدة، ولَم يظهر عليهم أثر النعاس مثلاً!

 

طريقة تناول وسائل إعلام عربية التصريحات المفبركة، وغضها الطرف عن النفي القطري المتعدد في بداية الأمر، أثارت خبراء في عالم الإعلام؛ لبُعد هذه الممارسة عن المهنية، حيث لم تنتظر بعض وسائل الإعلام العربية كثيراً بعد حصول الاختراق وبث التصريحات المسيئة، حتى نشطت هذه المؤسسات الإعلامية في نشر تلك التصريحات، ومتابعتها باستضافة خبراء ومحللين وإعلاميين، وكأن الأمر حقيقي وكأنه لم يكن أي نفي رسمي من الدولة الصديقة، كما كان يُفترض!

 

ولدى رصد طريقة تعامل وسائل إعلام معروفة قبل عام من الآن، مثل قناة "العربية"، المموَّلة من قبل السعودية، لوحظ تركيزها كثيراً على التصريحات المفبركة، وعمدت إلى فتح موجة بث استمرت عدة ساعات.

ولا تُعتبر عمليات الاختراق جديدة في وسائل الإعلام الخليجية؛ إذ سبق أن تعرضت مؤسسات خليجية كبيرة للاختراق، وتناقلت وسائل الإعلام العربية، والخليجية خاصة، في أخبارها وتعليقاتها أنها مخترقة، ومن بين المؤسسات التي اختُرقت سابقاً "العربية "و"سكاي نيوز" ووكالات أنباء رسمية.

 

وأشارت كبريات الوكالات في العالم، مثل "رويترز" و"فرانس برس"، إلى عمليات اختراق إلكتروني تعرضت لها وكالة الأنباء القطرية، وهو ما أسفر عن بث تصريحات مفبركة.

ولفتت "رويترز" و"فرانس برس" الانتباه إلى أن بعض وسائل الإعلام تناولت الأخبار المفبركة بشكل لافت، ولم تتطرق إلى وجود اختراق أو نفي للتصريحات، وهو أمر غير متبع مهنياً في عالم الإعلام.

 

وأشارت وكالة "فرانس برس"، وقتها، إلى أنه "كان لافتاً أن بعض وسائل الإعلام استمرت في نشر التصريحات المنسوبة لأمير قطر وكذلك التغريدات المنشورة على حساب قنا، حتى بعد صدور تأكيد قطري رسمي بأن هذه التصريحات والتغريدات مفبركة".

وذكرت "رويترز" بدورها، أن وسائل إعلام في بعض دول الخليج العربية الأخرى واصلت نشر التعليقات المنسوبة لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، برغم قول قطر إن "التقرير لا أساس له من الصحة".

 

لكن بعد أحد عشر يوماً، تطور الأمر كثيراً حين أعلنت كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر قطع علاقاتها مع قطر وفرضها حصاراً برياً وبحرياً وجوياً عليها، بتاريخ 5 يونيو، بدعوى دعم الدوحة للإرهاب، وهو ما تكرر الأخيرة نفيه، وتقول إنها محاولة للتأثير على قرارها الوطني.

 

لتبدأ من هنا مرحلة ضخ إعلامي واسع موجَّه من قِبل هذه الدول، خاصة السعودية والإمارات، نحو قطر، حمل -وما زال- الإساءة والتشهير، وكان غالباً ما يخرج عن المهنية في التعامل داخل المنظومة الخليجية.

 

- قطر تكشف الجهات المخترقة لـ"قنا"

في 20 يوليو 2017، أعلنت وزارة الداخلية القطرية التعرف على عنوانين للإنترنت في دولة الإمارات استُخدما لتنفيذ عملية الاختراق.

بدورها، أشارت صحيفة "الغارديان" البريطانية، استناداً إلى التحقيقات التي أجراها مكتب التحقيقات الاتحادي الأمريكي، وشاركت فيها الاستخبارات البريطانية، حول اختراق وكالة "قنا"، إلى تورط قراصنة روس في القضية.

في حين أكدت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، يوم 24 يناير 2018، وقوف الإمارات وراء عملية اختراق الوكالة القطرية، وقالت إن الأمر تم بعلم ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان.

ولاحقاً، أكد مسؤولون أمريكيون صحة التقارير التي أشارت إلى مسؤولية الإمارات عن عملية القرصنة. ونقلت قناة "إن بي سي" الأمريكية، عن مسؤولين في وكالة الاستخبارات الأمريكية، أن متعاقدين خاصين استخدمتهم الإمارات هم من اخترقوا الوكالة القطرية.

وآخر المعلومات ونتائج التحقيق بشأن الاختراق، ما كشفه البرنامج الاستقصائي "ما خفي أعظم"، الذي تعرضه قناة "الجزيرة" الإخبارية، في حلقة الأحد الماضي، والذي أفاد بأن الإمارات خططت لاختراق وكالة الأنباء القطرية (قنا)، وأن السعودية تولت مهمة التنفيذ.

 

وكشف التحقيق أن الإمارات حصلت على ثغرة وكالة "قنا" من خلال شركة وهمية في أذربيجان أواخر عام 2016.

 

وبيَّن أن "الشركة الوهمية الأذرية طلبت من 3 شركات تركية إعلامها بالثغرات التقنية الموجودة في وكالة الأنباء القطرية؛ من أجل إعداد خطة القرصنة".

 

وأظهر تحقيق "الجزيرة" أن خلية قرصنة وكالة "قنا" عملت من وزارة سيادية في العاصمة السعودية الرياض.

 

- شرف المهنة يلوثه الذباب الإلكتروني

بدا واضحاً من خلال ما يُنشر في وسائل الإعلام، منذ نشوب الأزمة الخليجية، أن دول الحصار لم تعد تعتمد المهنية التي ترتكز على شرف المهنة في تغطية الأخبار المتعلقة بدولة قطر.

والاعتماد كان كبيراً على الجيوش الإلكترونية، وما يسمى "الذباب الإلكتروني" في نشر الإخبار والتعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

ووصف تقرير لقناة "الجزيرة"، نُشر مطلع يوليو 2017، العاملين في هذه الحرب بأنهم "مقاتلون شرسون"، وأنهم يطلق عليهم "اللجان الإلكترونية"، لافتاً الانتباه إلى أن عناصرها ليسوا مدربين؛ بل مبرمجون على منصات التواصل الاجتماعي.

 

وأوضح أنه بالإمكان إنشاء عدد لا نهائي من المقاتلين "الأوفياء" بأسماء وهمية وحسابات ليست لأحد، "وظيفتهم الأولى والأخيرة إعادة نشر آرائك في ذلك العالم الافتراضي، لتصبح وكأنها رأي عام للمستخدمين الذين يبدون كأنهم مُجمعون على رأي واحد، أو يغردون بصوت واحد".

 

وبيَّن أن هذا مثال واضح لما جرى بعد إعلان دول الحصار قطع علاقاتها مع قطر، حيث تصدَّر وسم (هاشتاغ) قطع العلاقات، في ساعات معدودة، قائمة الأكثر تداولاً على "تويتر"، وكل تغريداته تؤيد القرار.

 

ويبدأ التغريد بحسابات معروفة أو موثقة، ثم يحمل "الذباب الإلكتروني" هذه الكلمات وينشرها على منصات التواصل.

 

التقرير أكد أن "السعي لإسكات صوتك أو تشويه صورتك لا يتوقف عند محاولة اختراق حساباتك أو السيطرة عليها؛ بل قد يشنون حملة تبليغ عنك في العالم الافتراضي؛ لإجبار الشركات على قتلك"!

 

في مارس الماضي، قال وزير الخارجية ورئيس الوزراء القطري السابق، الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني: إن "هناك جيوشاً مجيشة من كل الأطراف، سُخِّرت لهدم الكيان الخليجي، وزرع الفتنة وبث الأكاذيب"، وذلك تعليقاً منه على الأزمة الخليجية.

 

جاء ذلك في تغريدات على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، بعد يوم واحد من تدشينه، ولقي تفاعلاً كبيراً، ليتجاوز عدد متابعيه 50 ألفاً.

 

وتابع: "كنت دائماً متردداً في الدخول بعالم تويتر، ولكن في ظل الوضع الحالي الذي يمر به خليجنا الواحد، أردت أن أطرح بعض الآراء التي قد تخطئ وقد تصيب"، مؤكداً أنه لن يدخل في نقاش أو يردَّ على أي إساءة؛ لعلمه بوجود جيوش إلكترونية تتعمد ذلك.

وذكر الشيخ بن جاسم أن "ما يؤسفني هو أنّ أغلب حكومات المنطقة أهملت عملها في تنمية المجتمع وتطوُّره وتقدمه، ولَم تتحرك إلا في هذا الجانب السلبي".

 

خبراء الإعلام كان لهم رأي فيما حصل بداية الأزمة، من ناحية مهنية، فقد عبَّر حسام شاكر، الاستشاري في الإعلام والعلاقات العامة والتواصل مع الجمهور لعدد من المؤسسات في أوروبا، عن استغرابه من حصول "انهيارات" لوسائل إعلامية بشكل مفاجئ في ليلة الاختراق.

 

وأضاف شاكر: لقد "انهارت بعض المحطات والمواقع الإخبارية انهياراً مهنياً في ليلة واحدة؛ فقد انهمك مديرو تلك المحطات والمواقع، وموظفوها ومذيعوها ومتحدثوها، فيما بدت أنها وصلة تلفيق منهجي، من خلال الإمعان في ترويج مادة ساذجة وغير منطقية، حاولوا في تلك المحطات إقناع الجمهور بقصة محددة بأسلوب التكرار والتثبيت".

 

وتابع: "تنازلت تلك المنابر عن المصداقية طوعاً، ولم تحترم ذكاء الجمهور. إنها المدرسة القديمة إذ تطلّ برأسها فتتجاهل الواقع الجديد في زمن الشبكات والتطبيقات، فالجمهور قادر على تشكيل حالة ناقدة ومستقلة تقريباً، ولن يكتفي بأخذ رواية ساذجة وتصديقها".

مكة المكرمة