فلسطين في الإعلام.. هل أخطأنا في رواية القضية؟

المشاركون في الدورات يمثلون شرائح ومستويات علمية وثقافية مختلفة

المشاركون في الدورات يمثلون شرائح ومستويات علمية وثقافية مختلفة

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 16-08-2017 الساعة 10:32


يثير الاهتمام والتساؤل معاً ما تقوم به صانعة الأفلام والمستشارة الإعلامية الفلسطينية روان الضامن؛ إذ تعمل بشكل حثيث، منذ ما يقرب من الثلاث سنوات، على تنظيم دورات تدريبية تحت عنوان: "كيف نروي قصة فلسطين إعلامياً؟".

وأول ما يخطر في البال، هو المساحة الكبيرة التي احتلتها هذه القصة-القضية على مدار عقود في جميع وسائل الإعلام، عربيةً كانت أو أجنبيةً، حتى يخال المرء أنه لم يعد هناك أحدٌ على وجه الأرض لم يسمع بعدُ بقضية فلسطين.

لكن "الضامن"، وفي حديث خاص لـ"الخليج أونلاين"، أوضحت أنها لا تعتبر هذا الانتشار الواسع للقصة مؤشراً على مدى دقة وعمق المعلومات المتداولة بشأنها؛ بل إنها فوجئت عبر سنوات من عملها في الإعلام المتخصص بفلسطين بردود فعل المتابعين لمجمل أعمالها الوثائقية؛ التي جاءت معبِّرة في جزء كبير منها عن الدهشة.

وتقول: "(لم نكن نعرف هذه المعلومات).. هكذا كانت تأتي التعليقات على العديد من الأفلام الوثائقية التي قدمتها، من أناس متفاعلين بشكل كبير معها، ومتعلِّقين عاطفياً بفلسطين. هذا جعلني أدرك أن الكثير من المعلومات الأساسية غائبة عن ذهن الناس رغم كثرة الأعمال المنتَجة عن فلسطين، سواء كانت عربية أو أجنبية".

لكن الأمر الآخر الذي حفز "الضامن" أكثر على تنظيم هذه الدورات هو احتكاكها المباشر بصانعي أفلام عملت معهم، من خلال إشرافها على إنتاج نحو 60 وثائقياً عن فلسطين، ضمن برنامج "فلسطين تحت المجهر"، حيث لمست -بحسب ما تقول- أن "المتخصصين أنفسهم لديهم إشكالية في طريقة رواية القصة".

ومن خلال الدورات التدريبية استطاعت الضامن اكتشاف المشكلة وتشخيصها بشكل أوضح. فالمسألة، على ما يبدو، ليست مرتبطة فقط بنقص المعلومات أو غيابها.

وتضيف قائلةً: "حتى من يعتقد أنه يعرف الكثير من المعلومات عن فلسطين، يكتشف بعد الدورة التدريبية أولاً: أن معلوماته مشتتة وليست في الإطار الصحيح، وثانياً: أن هناك معلومات أساسية لفهم (القصة) مغيَّبة عنه، وأنها مغيَّبة عمداً ومشوَّهة عمداً، وهذا الأمر ليس مقتصراً على غير الفلسطينيين؛ بل إنه ينسحب بشكل كبير عليهم، سواء كانوا داخل فلسطين أو خارجها".

تتابع "الضامن" حديثها لـ"الخليج أونلاين": "الغريب أن الشخص يعرف مثلاً مساحة المسجد الأقصى، ويعتقد أن هذه معلومة تفصيلية مهمة، لكنه لا يعرف ما الذي يعنيه المسجد الأقصى في المشروع الصهيوني؛ ومن ثم جوهر الصراع".

وتستدرك لتوضح: "هذا الخلل لا يُعالج فقط بتوفير المعلومة؛ بمعنى أن وجود المعلومة أو الحقيقة في عقل وقلب المهتم بعرض القضية الفلسطينية، لا يعني بالضرورة أن لديه الطريقة أو الأسلوب لرواية القصة بالشكل والتوقيت المناسبين.

أمر آخر مهم تشير إليه "الضامن"، صاحبة سلسلة "النكبة" الوثائقية (عن قصة فلسطين من عام 1799 حتى اليوم)، هو استخدام المصطلحات التي روَّج لها المشروع الصهيوني، دون إدراك حقيقي لمعناها وتبعات استخدامها.

فتقول: "المصطلحات التي توصّف الوضع الحقيقي للقضية الفلسطينية لم تأخذ حقها من التداول في الإعلام، مثل توصيف إسرائيل كمشروع صهيوني استعماري، وأن الحركة الصهيونية هي حركة إحلال مستوطنين محل الشعب الأصلي؛ وهو الشعب الفلسطيني، وأن الحركة الوطنية الفلسطينية هي حركة مناهضة للاستعمار، وأن نظام إسرائيل هو نظام تطهير عرقي يحرم الفلسطينيين من كل حقوقهم، ويتعامل مع الفلسطيني على أنه ليس إنساناً، وأن مفاوضات السلام ما هي إلا أحد مشاريع الصهيونية لإطالة أمد الاحتلال العنصري".

اقرأ أيضاً:

شاهد: الاحتلال الإسرائيلي يعتقل شيخ الأقصى رائد صلاح

هنا لا بد من التساؤل عمَّا إذا كانت هذه الرواية "المشوَّهة"، أسلوبياً أو معرفياً، قد أسهمت في الإساءة إلى القضية الفلسطينية عربياً، أم أن أثر ذلك اقتصر على المجتمعات الغربية فقط؟

تجيب "الضامن" بالقول: "للأسف، بقصد أو بغير قصد، أسهم التركيز على بعض المعلومات دون غيرها، أو تشويه المعلومات، أو عرض القضية بطريقة بكائية، أو حماسية عاطفية منفِّرة أيضاً، في الإساءة. كلتا الطريقتين أثَّرت على الفلسطينيين أنفسهم قبل غيرهم، فأبعدت جزءاً منهم عن فهم قضيتهم؛ ومن ثم عن العمل من أجلها".

وعربياً أيضاً، تضيف "الضامن": "أصبح جزء من العرب يقول: تعِبنا من فلسطين، لدينا قضايا في بلادنا، وليس لدينا وقت أو حاجة لفلسطين، وينطبق الأمر نفسه على المجتمعات الغربية".

رغم ذلك لم تفقد "الضامن" تفاؤلها وثقتها بأن كثيراً من الفلسطينيين والعرب والأجانب، على اختلاف مستوياتهم وخلفياتهم العلمية والثقافية، ما زالوا يمتلكون الإيمان بعدالة القضية الفلسطينية وضرورة العمل من أجلها، وهؤلاء هم من يشاركون في هذه الدورات ويحرصون على الاستفادة منها".

وتتابع قائلةً: "كل شخص حضر الدورة التدريبية مهتم بفلسطين ومتعاطف مع القضية، وعندما عقدتُها مرةً بالعالم الافتراضي، من خلال (أكاديمية دراسات اللاجئين)، كان عندي طلاب من 30 دولة مختلفة، وأعمارهم من 16 عاماً إلى 76 عاماً. وأسعدني كثيراً أن سيدة في الخمسينات من العمر حضرت الدورة مرة، ثم حضرتها مرة أخرى في العام التالي؛ لأنها أُعجبت بأفكار الدورة واستفادت منها. لكن أنا في الحقيقة أهتم أكثر بحضور أفراد (فاعلين) في مجتمعهم؛ بمعنى أنهم يمكن أن يستخدموا هذه المهارات لمخاطبة جمهور أوسع أفقياً و/أو عمودياً، سواء كان لديهم جمهور واسع يمكن أن يصلوا إليه، أو جمهور (نوعي)، محدود عدداً، لكن له تأثير كبير؛ لكي تكون الدورة التدريبية أكثر فائدة".

يقودنا الحديث عن الأشخاص المؤثرين إلى انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وهذه لها نفوذ واسع في تداول المعلومات، إذا ما كانت هناك فرصة حقيقية للاستفادة منها في طرح الرواية الفلسطينية.

تقول "الضامن"، التي قادت فريق "ريمكس فلسطين" لإطلاق أكبر موقع رقمي تفاعلي عن فلسطين بخمس لغات؛ هي: العربية والإنجليزية والبوسنية والتركية والإسبانية: إن "منصات التواصل الاجتماعي مكَّنت صوتنا من الوصول لجمهور لم يكن يتعرض للكثير من المواد الإعلامية عن فلسطين، مع احتكار وسائل الإعلام التقليدية رواية القضية، وكثير منها، أجنبياً كان أو عربياً، يناصر المشروع الصهيوني، علناً أو سراً. لكن في الوقت نفسه، علينا إدراك السلبيات والتحديات، إن جاز التعبير، جيداً؛ ومنها أننا أقل من مستأجرين لدى منصات التواصل الاجتماعي".

ولذلك، بحسب "الضامن"، هناك "احتكار" جديد نشأ هو "احتكار منصات التواصل، الذي يمكنه إظهار المحتوى الخاص بك أو إخفاؤه، وقد يصل الأمر إلى حذفه وشطبك تماماً. وهناك تحدٍّ ثانٍ هو أن التشتيت أكبر؛ فمنصات الإعلام التقليدي غزت أيضاً منصات التواصل الاجتماعي؛ ما يصعب تحدي الوصول والانتشار".

جدير بالذكر أن هذه الدورات تقام جميعها بالمجان، وحتى الآن تنقلت "الضامن" بين نحو ثماني دول لتنظيمها، مثل فلسطين والأردن، ولبنان، والمغرب، وبريطانيا، والولايات المتحدة الأمريكية، وألمانيا، وماليزيا. وفي بعض هذه الدول عقدت الدورة أكثر من مرة، حيث "المحتوى والمعلومات والأمثلة مختلفة، لكن فكرتها الأساسية واحدة". وتأمل "الضامن" "اختراق دول جديدة"، والاستمرار في تقديم هذه الدورات سنوات مقبلة.

مكة المكرمة