فيلم "تمبكتو".. الظهور من بعيد

 الفيلم حظي بجائزة فرانسوا شالي

الفيلم حظي بجائزة فرانسوا شالي

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 28-07-2014 الساعة 15:30


تَمكَّن فيلم المخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو "تمبكتو.. غضب الطيور"، من حجز مرتبة لافتة ضمن 18 عملاً روائياً سينمائياً رُشح للسعفة الذهبية في مهرجان "كان" السينمائي لهذه السنة.

وعلى الرغم من قلة الاهتمام الموريتاني بالفن السابع، وندرة المؤسسات المشتغلة في صناعة السينما، فإن سيساكو استطاع جذب الأضواء إلى فيلمه، ومنافسة عمالقة الفن السينمائي في محفَل دولي.

والحق أن مهرجان "كان" لم يكن غريباً على محترف كعبد الرحمن سيساكو، فقد نال منه جائزة النقد عام 2002، واختير عضواً ضمن لجنة تحكيمه عام 2007. كما أن لصاحب "تمبكتو" تاريخاً حافلاً بالأفلام القصيرة والطويلة، أبرزها فيلم "الحياة فوق الأرض" (1997)، الذي حصل على جائزة أفضل فيلم في الدورة التاسعة لمهرجان السينما الأفريقية بميلانو، وفيلم "في انتظار السعادة" (2002)، الحاصل على جائزة النقد في مهرجان كان 2002، وفيلم "باماكو" (2006) المتوَّج في السنة نفسها بالجائزة الكبرى للجمهور بمهرجان باريس للسينما.

ترشيح فيلم "تمبكتو" للسعفة الذهبية لم يكن صدفة إذاً، ومن ناحية أخرى يبدو الفيلم مؤسساً على مسوغات كثيرة؛ منها جدة الموضوع وطرافته، فهو مُستوحَى من مسرح أحداث ساخنة في شمال دولة مالي، تمثل فترة حكم "القاعدة" لأقاليم ظلَّتْ عذابات الإنسان في أثنائها، حسب المخرج، حبيسة الحيز الجغرافي الذي دارت فيه، فكانت معاناة السكان الأصليين، كما يقول سيساكو، مصدر فكرة الرواية التي تجسّدت بدايتها في فيلم وثائقي ما لبث أن تحول إلى فيلم روائي طويل.

ساعد تحرير المدينة "تمبكتو"، وظهور قصص وروايات عديدة من حكايات معاناة ساكني الشمال المالي، في إثرائه والتمهيد لإنجازه، وقد حاول المخرج تصوير أحداث رواية الفيلم في تمبكتو، لكن أجواء الخوف والأخطار المحيطة أرغمت فريق العمل على تصوير الفيلم في موريتانيا.

جمع الفيلم نخبة من الممثلين والحرفيين السينمائيين من دول عديدة، منها على سبيل المثال الممثل الفرنسي الجزائري الأصل عابل جعفري، الذي جسّد دور "الجهادي" عبد الكريم، إضافة إلى سبعة تونسيين، من ضمنهم الممثلة نادية بن رشد المختصة في المونتاج، والفنان الموسيقي أمين بوحاقة، والمصور سفيان الفاني، الذي قام بتصوير فيلم "حياة أديل" لعبد اللطيف كشيش، الحائز على السعفة الذهبية في العام الماضي.

وتعكس الرواية تنوعاً ثقافياً يبرزه التعدد اللغوي للأبطال؛ فبالإضافة إلى اللغات الأفريقية الأصلية نجد متحدثين باللغتين الفرنسية والإنجليزية، ولعل شخصية المخرج سيساكو أفضل من يمثل هذا التعدد، فهو موريتاني المولد (1961)، مالي النشأة، إضافة إلى ثقافته الشرقية والغربية، إذ تلقى تعليمه الدراسي للسينما في الاتحاد السوفييتي، وهاجر إلى فرنسا لممارسة الإخراج السينمائي.

وما يجسد هذا الثراء والتنوع، إضافة إلى اللقاء بين أعراق وثقافات مختلفة، حرص الموسيقي التونسي بوحاقة في هذا الفيلم على الجمع بين الموسيقى الشرقية والأفريقية والغربية والسينفونية كذلك.

الفــيـلـم صور "الجهاديين" على أنهم أشخاص مُغرمون بمتع الحياة، مُقبلون على ملذاتها، فالقائد "أبو جعفر" يحاول إغواء زوجة "كيدان"، والمقاتل المترجم الليبي الأصل يتقدم لخطبة إحدى الفتيات من أهلها ثم يهددهم ويجبرهم على تزويجه منها.

يعيش البطل "كيدان الطارقي" مع زوجته "ساتيما" وابنته الصغيرة في خيمة على أطراف المدينة ولديه عدد من الأبقار، يقدم صياد أفريقي على قتل إحدى أبقار كيدان، فينتقم منه الأخير بقتله، ويتم اعتقال القاتل واقتياده إلى مكان إعدامه، ومن ثم يقتل مع زوجته برصاص المسلحين، فتكون النهاية ضياع الطفلة ابنة كيدان والصبي الراعي في الصحراء.

ومن مشاهد الفيلم اللافتة مباراة كرة يلعبها الأطفال دون كرة، للدلالة على تحدي تحريم كرة القدم، وقد تم توظيف التعدد اللغوي للأبطال في هذا الفيلم، فهو ناطق بست لغات؛ هي العربية والفرنسية والإنجليزية، إضافة إلى اللغات المحلية (التماشيقية والبمبارية والسونغية)، وقد بدا حديث المقاتلين بالفصحى كاشفاً صورتهم كغرباء على المدينة.

إن اختيار هذا الفيلم للعرض داخل المسابقة الرسمية، كما يقول مخرجه عبد الرحمن سيساكو، يُعد بحد ذاته إنجازاً مشرّفاً يشعره بكثير من المسؤولية، فقد استثار هذا الفيلم منذ عرضه في اليوم الأول للمهرجان كثيراً من الكتابات النقدية الإيجابية، كما بيعت حقوق عرضه لعدد من أهم الأسواق العالمية.

وعلى الرغم من تشابههما، يبدو أن بيئة الشرق الموريتاني التي تم التصوير فيها، لم تحاكِ الأصل، مما دفع عدداً من النقاد إلى انتقاد الفيلم، بدعوى غياب مشاهد حقيقية من فضاءات "تمبكتو" العمرانية وغيرها، في فيلم يتخذ منها مادة وموضوعاً. في حين ذهبت الناقدة السينمائية صفاء الصالح إلى القول إن المخرج سيساكو بدا في فيلمه "تمبكتو" أكثر "ملكيّة من الملك"؛ في تعزيز الصورة النمطية المقدمة عن دول العالم الثالث في آسيا وأفريقيا في كثير من وسائل الإعلام الغربية.

وإذا كان فيلم "تمبكتو.. غضب الطيور" قد أخفق في الحصول على جائزة السعفة الذهبية، وإن نال شرف الترشيح لها، فقد حظي بجائزة فرانسوا شالي (FRANÇOIS CHALAIS) التي تمنح لأفضل فيلم يُعبّر عن أخلاقيات المهنة الصحافية، واعتبرت اللجنة أن هذا الفيلم يعبر عن روح وأخلاقيات الصحافي الفرنسي فرانسوا شالي، وعن انتفاضة النساء والرجال من أجل الحرية والكرامة. كما تُوج الفيلم بجائزة لجنة التحكيم الكنائسي، وهي لجنة مستقلة تمنح جائزتها منذ 1974 لأفضل الأفلام الطويلة المشاركة في المسابقة الرسمية لمهرجان "كان".

(الدوحة الثقافية)

مكة المكرمة