"كراكوز وعواظ" ذكرياتٌ رمضانية وقصص مجتمعية على لسان الدُّمى

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/6ZmE88

شخصيتان شهيرتان تتحدثان حكايا المجتمع في ليالي رمضان

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 20-05-2019 الساعة 18:45

لا بد لمن عاصر أجداده أن يكون قد سمع منهم عن ذكريات الطفولة، لا سيما الرمضانية منها، خصوصاً إن ولدوا ما قبل خمسينيات القرن الماضي، حيث كان لأجواء رمضان سحرٌ مختلف، وأجواء أخرى لا نعرفها اليوم تماماً في زحمة التواصل الاجتماعي والإنترنت.

وربما قد يكون لذكريات الشباب اليوم عندما كانوا أطفالاً قبل عشرين عاماً أو أكثر، وقد تجمعوا حول التلفاز الوحيد الموضوع في أكبر غرف البيت قصص أخرى عن ليالي رمضان.

وكانت إسطنبول القديمة في القرون 18 و19 و20، وكذلك دمشق ومدن أخرى على موعد مسائي رمضاني يومي أو أسبوعي خارج الشهر الكريم مع "كركوز وعواظ"، إذ كان انعدام وجود التيار الكهربائي أو تكرر انقطاعه حين انتشر في بداياته يدفع الناس إلى الذهاب إلى المقاهي للتسامر وإمضاء بعض الوقت.

أصل الحكاية

مقهىً قديم، أضواء خافتة، رائحة الشاي في كل مكان، القهوة تنبعث رائحتها أيضاً، النراجيل موزعة بين كبار السن ودخان التبغ يخرج إلى الطرقات بصحبة الضحكات، العيون شاخصةٌ نحو صدر المقهى حيث ستارة من قماش أقرب للبياض يتحرك خلفها ظلان صغيرا الحجم، على منضدة خشبية، والجميع يتحرق شوقاً للآتي على تلك الستارة السحرية.

وأصل اسم "عواظ" قادم من اللغة التركية "هاجي أوظ أي الحاج عوض" وعربت لاحقاً إلى هذا الاسم، أما كراكوز أو "قرة جوز" فيعني العين السوداء بالتركية أيضاً، دميتان يحركهما رجلان ويتحدثان بأصواتٍ تناسب القصة.

وأول مسرحية لخيال الظل كراكوز وعواظ غير معروفة بالتحديد، لكن يعتقد البعض أن أول مسرحية أقيمت للسلطان العثماني سليم الأول الذي حكم بين سنتي (1512-1520) في مصر بعد أن سيطر عليها سنة 1517.

وفي القرن السابع عشر كتب الرحالة العثماني الشهير "أوليا جلبي" أن المسرحية أقيمت في القصر العثماني في وقت مبكر من عهد بايزيد الأول الذي حكم بين سنتي (1389-1402)، وفي القرن السادس عشر أفتى كبير المفتين العثماني "أبو السعود أفندي" بالسماح بمسرحيات كراكوز وعواظ في عموم السلطنة.

ويحكى أن كلاً من كراكوز وعواظ كانا على قيد الحياة يوماً ما، وكان يعملان مهرجين لأحد السلاطين العثمانيين. ولدى تفوههما بكلام بذيء أمام السلطان ذات يوم أمر بقطع رأسيهما، وبعد تنفيذ الحكم تراجع عن قراره وطالب بإحضار المهرجين ليمثلا في حضرته، فلم يكن أمام الجلاد المذعور من أوامر السلطان إلا محاولة التحايل وصنع دميتين كبيرتين من الجلد على شكل كراكوز وعواظ وتحريكهما وإقناع السلطان بأنهما يخشيان الظهور أمامه خجلاً، ويفضلان البقاء وراء الستارة التي تعكس ظلهما.

وانتقلت بعد ذلك حكاية الرجلين وطريقة صنعهما وتحريكهما إلى المقاهي الشعبية والأماكن العامة، وانتشرت مسرحيات كراكوز وعواظ في أنحاء سوريا حتى ما بعد انتهاء الحكم العثماني، حيث تحولت إلى فن يعمل على إمتاع المشاهدين وأيضاً الترويح عنهم من خلال حكاية قصص تعكس واقع الناس وتقول ما لا يجرؤون على قوله في الحياة العادية.

عواظ ينطق بالحكمة، ويمرر بعض السياسة والأدب والشعر والنقد وحكايا المجتمع ومشاكله اليومية، وربما تطرق لعلاجاتها ووضع الحلول لها، في حين أنّ كراكوز يهرف بما لا يعرف بسيط وساذج بما يساعد الأول على السرد والحديث وقيادة الحوار.

ولا شك أنّ للسياسة مساحة أُفردت للشخصيتين، إذ لا يمكن أن تنتقد أو تتحدث بما يقترب من الحاكم أو النظام الظالم في عدة حقب حالية وسابقة، فيكون لسان تلك الدمى سبيلاً للتعبير عن المجال العام وأحوال البلاد.

قيمةٌ عالمية

ورغم أنّ المرجح أنّ هذا الفن عثماني فإنّه اشتهر في سوريا أيضاً بشكل واسع، فقد اتخذت شخصيتا كراكوز وعواظ أشكالاً مختلفة في كل منطقة، لكن أشهرها كانتا الشخصيتين الدمشقيتين اللتين عرفتا بدقة الصناعة وباللهجة الشامية.

ولا يزال حتى هذه اللحظات لـ"كراكوز وعواظ" روادهم في تركيا وسوريا، إذ تقوم البلديات التركية بعروض مستمرة أغلبها يكون مجانياً خصوصاً للأطفال إما في المدارس أو في المسارح بهدف الحفاظ على الإرث الثقافي والإنساني للبلاد.

وفي أكتوبر الماضي، أصبح "كركوز وعواظ" على لائحة التراث العالمي ضمن فئة "مسرح الظل" مؤكدة ضرورة حماية هذا التراث الذي بدأ الاهتمام به يتراجع، وفق ما أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو).

كراكوز

وتحدثت منظمة "يونيسكو" عن تراجع فن مسرح الظل في سوريا، منذ سنوات، خاصة بعد انتشار التكنولوجيا الحديثة والألواح الرقمية، مشيرة إلى أن عرضها أصبح مقتصراً على المهرجانات التراثية فقط، فضلاً عن وجود "مخايل واحد" في دمشق فقط، وهو الشخص الذي يحرك الدمى.

والتراث غير المادي أو التراث الحي هو المصدر الرئيسي للتنوع الثقافي، حيث عرفته اليونيسكو بأنّه "الممارسات والتمثلات والتعابير والمعارف والمهارات وكذا الآلات والأدوات والأشياء الاصطناعية والفضاءات الثقافية المرتبطة بها، والتي تعترف بها الجماعات والمجموعات وإذا اقتضى الحال الأفراد باعتبارها جزءاً من تراثهم الثقافي".

وأضافت: إنّ "هذا التراث الثقافي غير المادي ينتقل من جيل إلى جيل، ويقع بعثه من جديد من قبل الجماعات والمجموعات طبقاً لبيئتهم وتفاعلهم مع الطبيعة ومع تاريخهم، وهو يعطيهم الشعور بالهوية والاستمرارية، بما يساهم في تطوير احترام التنوع الثقافي والإبداع الإنساني".

مكة المكرمة