مجدد المقام العراقي.. "الغزالي" عبَّدَ طريق الشهرة لمطربي بلده

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/GB1kjz

لم يمهل القَدر الغزالي طويلاً

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 24-07-2019 الساعة 19:00

للغناء العراقي جذور تمتد إلى حضارات قديمة كانت قائمة على أرض هذه البلاد، وقد تطور بمرور الأزمنة وامتد تأثيره إلى بلاد وحضارات أخرى مجاورة، مثلما تركت تلك البلدان والحضارات آثاراً على هذا الفن العريق.

ويطلَق على قواعد الغناء في العراق "المقام"، ولخصوصيته التي تُميّزه عن غيره، سُمِّي "المقام العراقي".

ولـ"المقام العراقي" أصول يحرص مغنُّوه على التزامها، ودأبوا على نبذ من يخالفها واستهجانه؛ وهو ما دعا من خبروا هذا الفن وأجادوا غناءه إلى عدم المجازفة بالحياد عن أصوله، أو إضافة لمسة على شكله وقوالبه.

كاسر قيود المقام العراقي

لكن الأمر لم يبقَ على هذا النحو طويلاً؛ ففي منتصف القرن العشرين ظهر من يكسر هذه القيود والممنوعات، ليفاجأ الجمهور العربي بنغم جميل لم يتعرفوا عليه من قبل، وهو الغناء العراقي.

كاسر قيود "المقام العراقي" هذا هو الفنان ناظم الغزالي، الذي أوصل إلى الجمهور العربي موسيقى بلده، بصورة سهلة مستساغة، معتمداً في أغانيه الكلمة المحلية المفهومة عربياً، بالإضافة إلى القصائد الفصيحة، فطافت أغانيه بلدان العرب من المحيط إلى الخليج.

من هو ناظم الغزالي؟

وُلِد ناظم أحمد خضير الجبوري عام 1921، في منطقة الحيدرخانة وسط العاصمة بغداد، يتيماً لأم ضريرة كان والدها يلقَّب بـ"الغزال"، ومنه أخذ ناظم، لقبه "الغزالي".

استطاع ناظم، بصعوبة بالغة، استكمال دراسته الابتدائية والمتوسطة، في المدرسة المأمونية. وبعد تردُّد طويل التحق بمعهد الفنون الجميلة بقسم المسرح، ليحتضنه فيه حقي الشبلي، نجم المسرح وقتها، بعدما رأى فيه ممثلاً واعداً يمتلك القدرة على أن يكون نجماً مسرحياً.

الظروف المادية الصعبة أبعدته عن المعهد، لكنها لم تمنعه من الاستمرار في قراءة كل ما تقع عليه يداه، والاستماع إلى المقام العراقي المعروف بسُلَّمه الموسيقي العربي الأصيل.

لكن حبَّه للغناء أعاده إلى المعهد رغم الصعاب المالية والنفسية التي واجهته، وجعلته يبذل قصارى جهده لينال أعلى الدرجات بعد العودة.

ومرة أخرى أخذ حقي الشبلي بيده وضمَّه إلى فرقة "الزبانية"، وكان يتميز بحفظه السريع وتقليده كل الأصوات والشخصيات، فضلاً عن بديهته الحاضرة ونكتته السريعة، وأناقته الشديدة حتى في الأيام التي كان يعاني فيها الفقر المدقع.

شارك الغزالي في مسرحية "مجنون ليلى"، لأمير الشعراء أحمد شوقي، في عام 1942، وغنّى فيها أنشودة الحادي (مَن يقود الجِمال في القافلة) من ألحانه، ليترجم من خلالها نبوغاً مبكراً في إدراك معاني الشعر وارتباط الغناء بالمشهد الدرامي.

حوَّل ناظم بعد هذه الأغنية اتجاهه، تاركاً التمثيل المسرحي ليتفرغ للغناء، وسط دهشة المحيطين به الذين لم يروا ما يسوغ هذا القرار، خاصة أن ناظم كان يغني في أدواره المسرحية، لكنه رأى أنه لكي يُثبت وجوده كمطرب لا بدَّ أن يتفرغ تماماً للغناء.

اتجه ناظم نحو صقل قدرته الصوتية بغناء المقام، وأخذ يستمد منه ما هو مناسب مع صوته، وأخذ يتابع وصلات المولد النبوي الشريف بصوت محمد القبانجي ويوسف عمر؛ وهو ما أكسبه مهارة في قوة الأداء، بخصوصية تختلف عما قدَّمه السالفون من المطربين؛ فقد أتقن المقامات الفرعية كالراشدي والحديدي والأورفة.  

تقدَّم إلى اختبار الإذاعة والتلفزيون، وبين عامَي 1947 و1948 انضم إلى فرقة الموشحات التي كان يديرها ويشرف عليها الموسيقار الشيخ علي الدرويش والتي ضمت عدداً كبيراً من المطربين والمطربات.

كان صوتُ ناظم من الأصوات الرجولية الحادة (التينور) الدرامي؛ وهو الصوت الرجالي الأول في التصنيفات الغربية. أمَّا مجاله الصوتي فيراوح بين أوكتاف ونصف الأوكتاف إلى أوكتافين، والأوكتاف أو "الديوان" بالعربية، يتضمن ثماني نوتات أو درجات، وتنحصر حلاوة الأماكن في صوت الغزالي بين النصف الأول والثاني من الأوكتافين.

بهذا الشكل تكون مساحة صوتُ ناظم قد زادت على أربع عشرة درجة في السُّلَّم الموسيقيّ، ومع انفتاح حنجرته كانت قدرته غير عادية على إجادة الموال وتوصيل النوتات بوضوح؛ بجوابه المتين وقراره الجيد في مختلف ألوان المقامات وأنواعها.

أجاد الغزالي الموال باعتراف النقاد وكبار الموسيقيين الذين عاصروه، وما كان يميّزه في ذلك معرفته بالمقامات العراقية أصولها وتعمُّقه فيها، إضافة إلى انفتاح حنجرته وصفائها.

مُجدِّد "المقام العراقي"

لم يعتمد الغزالي على الشعر المتوارث أكثر من ألف عام من عمْر المقامات العراقية، بل فور ظهوره كان قد حسم أمر تجديد مفاصل المقام، فأخذ منه خلاصته، وأظهره قريباً من المستمع في كل الوطن العربي.

ولم يأبه لكل منتقديه المحافظين على شكل المقام التقليدي وعدم المساس به، فاختصر كثيراً في المقام.

واختار قصائد عربية جميلة لأهم الشعراء الكبار، وفرقة موسيقية جديدة، وملحنين كباراً، وشعراء معاصرين أيضاً لكتابة الأغاني التي تُغنَّى بعد موال بالمقام العراقي، ولأول مرة أيضاً تصاحب مغني المقام مجموعة كورال.

اهتم الغزالي بصورة الفرقة وديكور الاستوديو والمسرح الذي يظهر عليه، وكان يدفع تكاليف كل ذلك، لحرصه الشديد وحبه لعمله.

غنى الغزالي أول أغنية إذاعية جرى فيها التوزيع الهارموني موسيقياً، هي أغنية "مروا عليّ الحلوين ما ودعوني".

الغزالي والسينما

في الفترة من أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات شهدت بغداد محاولات للإنتاج السينمائي، تكللت بالنجاح فيما بعد بإنتاج عدة أفلام، وكان منتجو الأفلام يجدون في ناظم الغزالي الشخصية المناسبة لأفلامهم؛ إذ يجمع موهبتي التمثيل والغناء.

فاستجاب الغزالي وانتقل إلى السينما، ومثَّل وغنَّى في أفلام عراقية وعربية.

أول سفير للأغنية العراقية

منذ بداية الخمسينيات بدأت أغنيات الغزالي تعبر الحدود، فسافر إلى عدة دول، وأقام عدة حفلات في كثير من الدول العربية، وأصبح أول سفير للأغنية العراقية.

وفي العراق بدأت بوادر الأغنية المتكاملة تظهر مع أغنيات ناظم، التي نفاجأ اليوم حين نسمعها بوجود لوازم موسيقية ضمن توزيع موسيقي تتعدد فيه الآلات الغربية.

غنى الغزالي لأشهر الشعراء العرب مثل إيليا أبو ماضي، وأحمد شوقي، وأبو فراس الحمداني، والبهاء زهير، والمتنبي وغيرهم من كبار شعراء العربية، فضلاً عن غنائه أشعاراً من التراث العراقي.

تميَّز الغزالي باختياراته الدقيقة لأغانيه ولأعضاء فرقته الموسيقية وفرقة الكورس منسجمة الأصوات، إلى جانب تعامله مع الملحنين والشعراء في الساحة الفنية العراقية.

وظهرت أول مجموعة من هذه الأغاني في أسطوانات، ولقيت نجاحاً عربياً، حيث تغنَّى بها الجمهور العربي حتى اليوم، ومنها "طالعة من بيت أبوها" و"يا أم العيون السود" و"ما أريده غلوبي".  

بهذه الأعمال وغيرها من المقامات العراقية التي اشتهر بها ناظم الغزالي، بلغت شهرته الآفاق العربية، وقدَّمت شهادات بقدرته الغنائية والأدائية من قِبل عمالقة الغناء.

ولم يتوانَ موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب عن الإعراب عن رغبته في التلحين لناظم الغزالي، وتم الاتفاق على ذلك في صيف 1961، غير أن فرحة ناظم لم تكتمل؛ حيث وافاه الأجل في 23 أكتوبر 1963، قبل أن يتم هذا المشروع الكبير.

بذلك، يكون الغزالي، رغم عمره القصير، قد فتح لمطربي بلده من بعده، الباب واسعاً على مصراعيه؛ ليوصلوا أصواتهم وفنهم إلى الجمهور العربي، بعد أن عبَّد لهم طريقاً لم يسلكه قبله من أحد.

 

مكة المكرمة