مصر.. رحلت "فؤادة" وتركت "الدهاشنة" في مواجهة "عتريس"

الفنانة المصرية الراحلة شادية

الفنانة المصرية الراحلة شادية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 29-11-2017 الساعة 17:35


"جواز عتريس من فؤادة باطل"، جملة إذا سمعها المصريون تذكّروا الفنانة شادية، التي توفيت بعد 33 عاماً قضتها محتجبة ومتحجّبة، مكتفية برعاية الأيتام، بعد أن غادرت حقل الفن والشهرة طوعاً، وهي في أوج مجدها.

ولدت شادية، أو فاطمة أحمد كمال، في الثامن من فبراير 1931، بمنطقة الحلمية الجديدة في حي عابدين، شرقي القاهرة، وكان والدها مهندساً زراعياً مسؤولاً عن أرض "الخاصة الملكية"، وهو منصب رفيع في وقته، فقد كانت مصر تخضع لحكم الأسرة العلوية آنذاك.

دخلت الفنانة الراحلة عالم الفن في العام 1947، وظلّت فيه حتى اعتزالها عام 1984، وقد قدمت خلال هذه السنوات السبع والثلاثين 112 فيلماً، وعشر مسلسلات إذاعية، ومسرحية واحدة ملأ نجاحها الآفاق، هي مسرحية "ريّا وسكينة"، لتنال عن جدارة لقب "معبودة الجماهير"، الذي أُطلق عليها بعد بطولتها لفيلم حمل الاسم نفسه، مع المطرب الراحل عبد الحليم حافظ.

- اعتزال طويل

قبل 33 عاماً، أعلنت شادية اعتزال الفن، وقرّرت أن ترتدي الحجاب وتبتعد عن الأضواء والاكتفاء برعاية الأطفال الأيتام، خاصة أنها لم ترزق من ثلاث زيجات بأي أطفال، وقد أعربت صراحة عن أنها كانت تتوق لسماع كلمة "ماما".

قيل إن العلامة والمفسّر المصري الراحل، الشيخ محمد متولي الشعراوي، كان السبب في اعتزالها الفن، وهو قول له ما يعززه؛ خاصة أن "إمام الدعاة"، كما يلقّبه المصريون، ساعد كثيراتٍ من أمثالها على اتخاذ القرار نفسه، وإن ظلّت الراحلة شادية هي أكثر المعتزلات قدرة على تنفيذ قرارها بصرامة؛ فقد انزوت تماماً وكانت ترفض حتى إجراء مقابلة صحفية ولو عابرة. وقد قيل أيضاً إنها عرضت على الحكومة دفع ثروتها مقابل الحصول على أعمالها أو منعها من العرض، دون جدوى.

عندما اعتزلت شادية عالم الفن قالت صراحة إنّها قرّرت أن تهجر الأضواء وهي على قمة النجاح قبل أن تهجرها الأضواء وتبتعد عنها عيون المعجبين إن فعل بها الزمن ما يفعله بكل من أدركه الكِبر من البشر، وكانت في الخمسين من عمرها وقتذاك، وأحدث قرارها صخباً، وحاول كثيرون ثنيها عنه، لكنه كانت بالفعل قد عزمت، وحزمت حقائب الرحيل بلا عودة.

ورغم عشرات الأفلام وعشرات الأغاني التي ما تزال حاضرة في الذاكرة المصرية، فإن اللافت أن أشهر ما تركته شادية من الأفلام كان فيلم "شيء من الخوف"، كما أن أشهر ما تركت من الأغنيات كانت أغنية "يا حبيبتي يا مصر"، وهما عملان غاية في الإبداع والوطنية، برأي كثيرين.

اقرأ أيضاً :

"شادية" تغادر الحياة بعد تركها الفن في عز مجدها

- شيء من الخوف

وبالنظر إلى ما تعيشه من قمع واستبداد، قد يكون الأبشع في تاريخها الحديث، فإنه لا يمكن ذكر شادية دون ذكر دورها الرائع والمعبّر عن حال مصر في فيلم "شيء من الخوف"، الذي أُنتج عام 1969، وكان من تأليف الراحل ثروت أباظة، وإخراج الراحل الكبير حسين كمال.

في "شيء من الخوف" أدّت شادية دور "فؤادة"، التي قال نقّاد كثيرون إنها كانت ترمز إلى مصر، في حين أدّى الفنان الراحل الكبير، محمود مرسي، دور "عتريس"، الذي قال البعض إنه يرمز للرئيس الراحل، جمال عبد الناصر، وقال آخرون إنه يرمز للحاكم المستبدّ بغضّ النظر عن اسمه، في حين دارت الأحداث في قرية "الدهاشنة"، التي كانت ترمز في عمومها للمصريين كشعب.

1

إنتاج الفيلم عقب هزيمة يونيو 1967، جعل المحيطين بعبد الناصر يستشعرون فيه اتهاماً للرجل بظلم شعبه، وربما لمسوا فيه أيضاً دعوة للخروج عليه ومناداة بعدم شرعية حكمه، وقد تجلّى هذان المعنيان في مشهد خروج "الدهاشنة" بشعلات النار متجهين لإحراق بيت "عتريس"، وهم يردّدون جميعاً المقولة الشهيرة جداً في مصر: "جواز (زواج) عتريس من فؤادة باطل".

الفيلم، كما قال المراقبون، كان فيه كثير من الرمزية؛ فعتريس يرمز للحاكم الديكتاتور، وأهل الدهاشنة يرمزون للشعب الذي يقع تحت وطأة الطاغية، في حين أن فؤادة ترمز لمصر التي لا يستطيع الديكتاتور أن يهنأ بها.

وبينما قال بعض النقّاد إن هذا الفيلم قد يرمز لفترة حكم جمال عبد الناصر، قال بعض آخر إنه يرمز لفترة حكم الملك فاروق، في حين قال آخرون إنه يرمز للحكم الديكتاتوري في العموم.

مخرج الفيلم، حسين كمال، قال تعليقاً على هذه التناولات: "لقد أطلق أعداء النجاح إشاعة مؤداها أننا نقصد بشخصية عتريس الرئيس جمال عبد الناصر". وكان ذلك رداً على الزوبعة التي أثارها الفيلم وقت أن كان جاهزاً للعرض، وكانت إعلاناته تملأ الشوارع.

وبحسب مؤرّخي السينما المصرية، فقد شاهد الرئيس جمال عبد الناصر الفيلم بشكل منفرد، ثم شاهده مرة أخرى بصحبة الرئيس الراحل أنور السادات (كان نائب عبد الناصر آنذاك)، وبعد هذه المشاهدة الثانية اقتنع عبد الناصر بأنه لا يمكن أن يكون المقصود بشخصية عتريس، ليسمح بعدها بعرض الفيلم.

ويمكن اختصار الرمزية السياسية في الفليم بالقول إن العمل أراد، ولو من وجهة نظر البعض، أن يقول إن عتريس (عبد الناصر) حكم مصر دون رغبة أهلها، وإنه كان يفتك بكل مخالف له من الدهاشنة "المصريين"، تاركاً لرجاله (أصحاب السلاح) العنان في التنكيل بكل من يعترض عليه أو عليهم، بل وبمن لا يعترض أيضاً.

الجانب الآخر شديد الرمزية هو أن فؤادة (مصر) رفضت الزواج من عتريس، لكنه تزوّجها بشهادة باطلة من شهود زور، وعندما لم تنهض بواجباتها كـ "زوجة" له، قرر عتريس فرض عقاب جماعي على كل من يعيش على أرض الدهاشنة؛ بأن أغلق هويس المياه (مصدر الري) حتى تشقّقت أرضهم وترنّح زرعهم، بينما هم ينظرون في عجز قاتل للهويس الماثل أمامه دون القدرة على الاقتراب منه وفتحه لإنقاذ أرضهم من البوار.

في هذه اللحظة، لحظة العجز عن مواجهة السلاح، قرّرت فؤداة أن تتولى المسؤولية بنفسها، فتخرج من بيت عتريس وتفتح الهويس لتجري المياه غامرة شقوق الأرض التي أوشكت على الموات، فيما راح الدهاشنة يتراقصون على وقع اللحظة، قبل أن يبدأ عتريس ورجاله عملية انتقام كاسحة، حتى لا تسقط الهيبة فيسقط الرجل ومن معه.

هناك إشارات سياسية أخرى في الفيلم، ولعل من أهمها انتقام عتريس من الشيخ إبراهيم، الذي دعا الناس لرفض الزيجة الباطلة؛ بأن قتل له ابنه في يوم عرسه، وهو مشهد تعيشه مصر حالياً بكل ما فيه من قسوة.

كما أن الفيلم أشار أيضاً إلى أن عتريس لم يكن قاتلاً ولا محبّاً للعنف، بل إنه كان مسالماً يعشق مصادقة طير الحمام (رمز السلام)، والسواقي (رمز النماء)، ومن قبلهما كان يهيم عشقاً بـ "فؤادة"، التي كانت تهيم به هي الأخرى.

ويعرض الفيلم كيفية تحوّل الفتى المسالم المحبوب الرافض للعنف إلى سفّاح يتحسّس مسدسه مع كل كلمة اعتراض، بعدما أوصاه جدّه (الحاكم السابق) بوصيتين تاريخيتين؛ أولاهما عندما كان عتريس شاباً، وفيها قال له جده: "أنت من سيرثني في الدهاشنة. أريدك وحشاً. إن لم تكن صقراً فسيحيطونك كالذئاب".

أما الثانية فكانت لحظة لفظ جدّه أنفاسه بعدما تلقى في صدره رصاصة "غاضب" من "الدهاشنة"، ليفتدي نجله، وفيها قال له: "لقد فديتك بنفسي. لقد جاء دورك. إياك أن تنسى ما حدث لي. لو غفلت دقيقة واحدة سيصطادونك كالعصفور. عتريس الكبير لن يموت ما دمت أنت حيّاً. أقسم أنك ستثأر لي من الدهاشنة كلها كبيراً وصغيراً".

بعدها بدأ عتريس في الدهاشنة قتلاً، بعدما صاح قاصداً الدهاشنة: "كل ما عندكم ملكي. حياتكم رهن كلمة مني"، قبل أن يأمر رجاله بأن يجعلوا "الإتاوة" مضاعفة مرتين.

في هذه اللحظة المفصلية أقسم عتريس "الوريث" لجدّه الواقف على عتبة الرحيل، بأن "الكلاب" لن يناموا الليل، وذلك قبل أن يمسك سلاحه ويبدأ مسلسل قتل لم يتوقف إلا عندما حاصر أهل الدهاشنة قصره وأحرقوه بالنار، بعدما تخلّى عنه رجاله خوفاً من الناس، وكانوا قد أحكموا إغلاق أبواب القصر عليه حتى لا ينجو.

اقرأ أيضاً :

القاهرة السينمائي يهدي دورته للفنانة شادية التي تصارع المرض

- واقع مماثل

هذا المشهد الأخير من الفيلم، مشهد الوصية، استخدمه نشطاء كثيرون على مواقع التواصل باعتباره تجسيداً للواقع، بعدما اعتبروا أن ما يفعله عبد الفتاح السيسي حالياً بالمصريين عموماً ليس إلا انتقاماً لسلفه المخلوع حسني مبارك، وإنفاذاً لوصيته.

غير أن خلافاً كبيراً بين ما فعله الدهاشنة يومئذ وبين ما يفعلونه اليوم؛ فقد اجتمع الدهاشنة على عتريس فأجبروا رجاله على بيعه، بعدما فتحت لهم فؤادة الهويس وأثبتت لهم أن مواجهة عتريس لا تحتاج أكثر من قرار.

ومساء الثلاثاء 28 نوفمبر 2017، رحلت فؤادة (شادية) عن 68 عاماً، بعد صراع مع المرض، تاركة خلفها الدهاشنة في مواجهة تاريخية مع عتريس، الذي يقتل كلّ من يفكّر في فتح الهويس بلا تردّد، بينما يتابع "رجال عتريس" المشهد في صمت مريب ومفتوح على كل الاحتمالات.

وتبقى الإشارة إلى أغنية الفيلم شديدة التعبير التي كتبها شاعر مصر الكبير، الراحل عبد الرحمن الأبنودي، وهو من كتب سيناريو الفيلم وأدخل عليه كثيراً من الإسقاطات، والتي تقول:

"كِبِر وشبّ الولد/ وما عادش يهوى السواقي

وبشبهك يا بلد/ بتاريخ بيملا الملاقي (الأراضي الزراعية)

في الكَفر (البلد) طايح بسيفه/ زي الرياح والرمال

الندل يحكم بكيفه/ ويشدها بالحبال

فؤادة فين من فؤداه/ ده زي ما يكون ضنايا

غريب وطارح بلاده/ بيمدها (يضربها) بالعصاية

هو الولد ولا ما هو؟/ ولا احنا مش احنا ولّا

عيونه في الظُلمة تاهوا/ داس ع اللي قبله ما خلّى".

مكة المكرمة