مكتبات بلاد الرافدين.. عندما كان العراق مهداً للحضارات

طور السومريون الكتابة التصويرية ثم الكتابة المسمارية لدوافع عملية

طور السومريون الكتابة التصويرية ثم الكتابة المسمارية لدوافع عملية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 05-05-2016 الساعة 14:27


عرف العراق القديم الذي كان يطلق عليه بلاد الرافدين، مهداً للحضارات الإنسانية الأولى، التي أسهمت بفاعلية في نهوض الحضارات الإنسانية، لعل من أهمها الكتابة التي ظهرت على يد السومريين.

وكان للإنتاج الفكري الغزير في بلاد الرافدين الأثر المباشر في إنشاء العديد من المكتبات التي تجمع وتنظم وتيسر الإفادة من هذا الإنتاج، ووصل إلينا عدد كبير من مكتبات الحقب القديمة، وتحوي آلاف الرقم الطينية، منها مكتبة آشوربانيبال الموجودة محتوياتها من الألواح الطينية كاملة حتى الآن، معطية معلومات وافية عن تاريخ المكتبات في العراق القديم.

وأولى المكتبات كانت في سومر، حيث تم العثور على مئات من الرقم الطينية التي نقشت عليها الكتابة التصويرية، وهي الأقدم، التي طورها السومريون، في مدينة أوروك، وتعود إلى منتصف الألف الرابع قبل الميلاد.

وطور السومريون الكتابة لدوافع عملية؛ لكي يسجلوا بها الاتفاقيات التجارية والمعاهدات مع الدول الأخرى، ويدونوا بها البضائع والمواشي التي يدين بها الأفراد إلى المعابد، أو المسؤولين المحلين.

وفيما يتعلق بالتاريخ الحضاري فإن هناك نصوصاً أخرى تضمنت الأدب، والقوانين، والميثولوجيا، والفلك، والبيطرة، والتاريخ.

وسادت الثقافة السومرية في بلاد الرافدين فترة طويلة تزيد على 1500 سنة، تمكن خلالها الكتاب السومريون من تدوين عدد كبير من النصوص في موضوعات مختلفة، وفي نسخ متعددة، فبعض الحكايات الشائعة -كما هو الأمر مع البطل جلجامش- حفظت في نسخ كثيرة وروايات متعددة.

وبعد السومريين حمل البابليون شعلة الحضارة في بلاد الرافدين، حيث طوروا كل ما خلفه السومريون من مظاهر الحضارة، ولكي يفهموا النصوص التي ورثوها عن السومريين، كان عليهم أن يضعوا القواميس العديدة، وأن يترجموا النصوص المختلفة؛ ليتابعوا تطوير المعارف حيث توقف السومريون.

وفي عهد حمورابي، في القرن 18 ق. م، توصل البابليون إلى إنتاج كتابي ضخم، ما دفع عالم الآثار الألماني غولدوي إلى أن يطلق على البابليين "أحباء الكتابة"، وفي الواقع أن عدد الرقم الطينية البابلية التي اكتشفت حتى الآن تجاوز 600 ألف رقم، تتضمن مختلف الموضوعات.

وكما في العصر السومري، فقد كان البابليون يدونون، وينسخون الرقم الطينية في ورشات خاصة، ويحفظونها في المكتبات، أو مراكز الوثائق التي كانت تنتشر في المعابد، وفي قصور الحكام.

- عمود حمورابي

ابتكر البابليون طريقة جديدة لنشر المعلومات وحفظها، وكانت بمثابة مركز للمعلومات، وصحيفة لنشر المعلومات، وهي الأعمدة، ومن أمثلتها عمود حمورابي، وهو عبارة عن عمود مصنوع من الطوب الأحمر المحروق، وكتبت عليه نقوش من الوجه والظهر، وكان هذا العمود يقام في الميادين والأسواق العامة بجميع المدن في البلاد، وقصد به أن يكون بمثابة جريدة، تسجل عليه الانتصارات الحربية، والقرارات الملكية، كما كانت تسجل عليه أخبار الكوارث الطبيعية، والصلوات للآلهة.

في سجلات إحدى مكتبات المعابد عثر على اسم أمين المكتبة، وهو "أميت آنو"، ومن هنا يمكننا القول مطمئنين بوجود مكتبات بابلية متقدمة في عهدة أمين مكتبة متخصص.

وبعد الإبداع البابلي الحضاري جاء الآشوريون لاستكمال هذه المسيرة الثقافية على يد أقوى ملوكها، وهو آشوربانيبال (668 – 626 ق. م)، الذي حرص على إنشاء أعظم المكتبات العراقية على الإطلاق.

- مكتبة آشوربانيبال

اكتشفت مكتبة آشوربانيبال في بداية التنقيبات الأثرية في بلاد ما بين النهرين، بين عامي 1845 – 1851 على يد الإنجليزي أ.هـ لايرد، في تل كيونجيك، بالقرب من الموصل، حيث تم اكتشاف بقايا العاصمة الآشورية نينوى.

وفي عام 1850 اكتشف لايرد البلاط الملكي للملك سنحاريب (705 – 681 ق. م)، ووجد فيه ما سماه (غرفة السجلات)، وقد تابع عمله بعد ذلك، حيث اكتشف بقايا قصر الملك آشوربانيبال، ومكتبته التي تحتوي على أكثر من 20 ألف رقم طيني.

وأثارت تلك الرقم التي انتقلت إلى المتحف البريطاني في لندن ضجة كبيرة، سواء في وسط الخبراء في ذلك الوقت أم في وسط المهتمين بالثقافات القديمة للشرق الأوسط.

واستطاع آشوربانيبال أن يجمع نحو 25 ألف لوح في حجرات مكتبة قصره الذي كان يحتوي على حجرة لكتب التاريخ، وأخرى للاتفاقيات والمعاهدات، وقاعة لكتب الجغرافيا، حيث جمعت كتب كثيرة تصف الأرض المعروفة والأقطار والمدن والأنهار والجبال، كما كانت هناك قاعة لكتب الأدب من شعر وقصص وأساطير، وكان ثمة قاعة للقوانين والتشريعات، أضف إلى ذلك قاعة الأرشيف الذي ينظم السجلات الضريبية والمراسلات، وقاعة يقرأ فيها الملك.

وكانت هناك قوائم وفهارس تحصر وتسجل وتصف الكتب الموجودة في المكتبة، ولتلك الفهارس مداخلها بالعنوان، وتوصف الكتب بعد العنوان بعدد السطور في كل كتاب، ومحتويات الكتاب في الكلمات الاستهلالية، أو كلمات البداية، التي كانت في بعض الأحيان تمثل عنوان العمل، وربما العناوين الفرعية، وعناوين الفصول، إن وجدت، وربما كان معدو الفهارس يضعون لوحات إرشادية على الرفوف والصناديق والجرار؛ لبيان ما بها من كتب.

وكان كل لوح يختم بخاتم الملكية، وهو "آشوربانيبال – ملك العالم"، وربما كان ذلك أول خاتم ملكي كتب في التاريخ.

مكة المكرمة