"من الصدور إلى الكراس".. مبادرة قطرية تستقصي تاريخ الدولة

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/YNDnye

مريم آل ثاني

Linkedin
whatsapp
الخميس، 03-06-2021 الساعة 09:00

ما هي المبادرة التي أطلقتها قطر لجمع التراث؟

مبادرة تقوم على جمع الوثائق والمرويات التي تؤرخ لواقع المجتمع القطري خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

ما هي أهداف المبادرة؟

معرفة واقع المجتمع القطري وفنونه واهتماماته، وشكل حياته في تلك الفترة.

ما هي المؤسسات التي تشرف على المبادرة؟

جامعة قطر، قسم التاريخ في كلية الآداب والعلوم بالجامعة.

في أعرق المؤسسات التعليمية القطرية لاحظ القائمون على السجلات التاريخية نقصاً في التسجيل والتوثيق والرصد لواحدة من أهم الفترات الزمنية في عمر الدولة الخليجية، حيث إن الوثائق التي تؤرخ لفترة الخمسينيات والستينيات تعدُّ قليلة للغاية، رغم أن الحقبتين الزمنيتين تشكلان بداية للتحولات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي مرت بها دولة قطر.

وفي خطوة هدفها تتبع تاريخ قطر المحكي غير المدون وتوثيقه، شُكِّلت لجنة مشتركة بين مكتبة جامعة قطر وقسم التاريخ في كلية الآداب والعلوم؛ للعمل على جمع تلك القصص والتجارب الحياتية خلال الفترة المذكورة.

"يا أهل أول تعالوا نحازيكم حكاية تنتقل من فرية لين فرية، تحجي قصص البيوت وأهل لوَل"، بهذه العبارة اختارت جامعة قطر شعاراً مستمداً من صميم الثقافة المحلية، لتدشن بها حملة رائدة لرصد الواقع المعاش، وجمع تجارب وقصص الحياة اليومية للمجتمع القطري خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

وتهدف المبادرة إلى تدارك رواة تلك الحقبة، حفظاً للماضي وضماناً لنقل الموروث إلى الأجيال المقبلة. وذلك من خلال تسجيل الحكايات الشعبية والسير والأحداث والقصص المروية.

إضافة إلى اللهجة القطرية المستخدمة في الإعلان، كان هناك اهتمام لافت بالعنصر الأجنبي الشاهد على سنوات الخمسينيات والستينيات؛ فقد اتجهت الحملة إلى مخاطبة غير القطريين بوصفهم شركاء في تاريخ الدولة الحديث.

ويظهر ذلك في استخدامها للغة إنجليزية رشيقة في منشورها الداعي إلى تدوين الماضي القطري، ما يعكس صداقة الدوحة وشعبها تاريخياً مع شعوب العالم.

وبهذا التصور "تكون المبادرة بالدرجة الأولى منبراً لمعاصري تلك الحقبة في تاريخ قطر لنقل تجاربهم وذكرياتهم وما عايشوه من تغيرات وتحولات أثرت فيهم وتأثروا بها".

حفرٌ في الذاكرة

في حوار خاص مع "الخليج أونلاين" تقول رئيسة قسم الخدمة المرجعية والمعلوماتية في مكتبة جامعة قطر، الشيخة مريم آل ثاني، إن المبادرة "تعد رصداً للواقع المعيش للمجتمع القطري خلال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وغربلة للقصص والحكايات المتنوعة في التاريخ والاجتماع والاقتصاد والسياسة، والفرح والخيبة، بحثاً عن التفاعل البشري مع المتغيرات المختلفة التي طرأت على حياتهم".

ومع أن المشروع لا يزال في بدايته، فوفق آل ثاني، "اختيرت هذه الفترة التاريخية نظراً لارتباطها الوثيق بالطفرة الاقتصادية لدولة قطر، وما نتج عن ذلك من تغيرات اجتماعية واقتصادية في جميع مناحي الحياة، ومحاولة رصد أثر تلك التغيرات على الأفراد وتعاملهم معها على مختلف المستويات".

وتتنوع مواضيع المبادرة لتشمل الجوانب الاقتصادية من خلال التركيز على الطفرة النفطية للدولة ودخول القطريين في مجال العمل ذي العلاقة بحقول النفط، ليكون ذلك فرصة للوقوف على روتين العمل وأسلوب حياة المجتمع المحلي في هذه الفترة الزمنية وما طرأ عليه من تغيرات سلوكية، وثقافية واقتصادية.

ورغم أن بشائر النفط بدأت في نهاية عام 1939 فإن عمليات التنقيب توقفت في سنوات الحرب العالمية الثانية، وتزامن ذلك مع تدهور مهنة الغوص وبوار سوق اللؤلؤ الطبيعي الذي كان من أهم مصادر الدخل في المنطقة قبل النفط. واستمر ذلك حتى بداية الخمسينيات حينما بدأ تأثير تصدير النفط يظهر على الحياة الاجتماعية في قطر.

واكتشاف البترول بحد ذاته يعد نقطة تحول مهمة امتازت بها سنوات الخمسينيات والستينيات، حيث أظهرت أدواراً كبيرة للشركات الأجنبية والشركاء من الوافدين العاملين في قطاعات النفط.

فقد كان لزاماً على المبادرة العناية بتسليط الضوء على ما تبقى في ذاكرة شركاء تلك المرحلة وسبر أغوار بواكير التحولات في مختلف مناحي الحياة في الدولة الخليجية.

فضلاً عن ذلك، تهتم المبادرة بتسليط الضوء على الجوانب الاجتماعية، من خلال إبراز ظاهرة تغير أنواع اللبس لدى المجتمع القطري، وكذلك تناول تعليم المرأة، ودخولها إلى سوق العمل وإدارتها لشؤون الأسرة والتعريف بموقعها في خريطة الأسرة القطرية في تلك الحقبة الزمنية.

وتهتم المبادرة أيضاً ببداية التعليم المؤسسي، وتطور المناهج الدراسية، واستقطاب المهارات الأجنبية في قطاع التعليم.

وتخوض المبادرة غمار مجالات تكاد تكون غائبة عن المهتمين والمنشغلين بالشأن التاريخي لقطر. ومن ذلك ظهور مفهوم الوظيفة الذي لم يكن موجوداً قبل الخمسينيات والستينيات.

كما تتناول التفاعل الاجتماعي مع الخدمات الحكومية مثل استخراج الأوراق الرسمية، وتعامل الأفراد مع فواتير الماء والكهرباء، وتعاطيهم مع الدوائر الحكومية.

حفظ التراث بين الدوافع والمبررات

وعبرت مريم آل ثاني لـ"الخليج أونلاين" عن دوافع الاهتمام بهذه الفترة الزمنية من التاريخ القطري قائلة: "بالرغم من اهتمام المتخصصين في الشأن القطري بتدوين مختلف فتراته الزمنية فإن الحكاية من أفواه من عايشوها أو من ذويهم تكاد تكون معدومة".

وأوضحت أن المهمتين بتدوين التراث القطري يغلب عليهم الطابع الأكاديمي، وفي خضم المشاغل البحثية والأدوات العلمية المحكمة، وسيطرة المادة المكتوبة، تنزوي الرواية الشعبية، وتغيب القصة، ويستدرج الزمن رواتها وذويهم.

ومن هنا، تضيف آل ثاني، "تكمن أهمية هذه المبادرة لتجمع تفاصيل التاريخ الموزع في كل بقعة من جغرافيا دولة قطر في سجل واحد وحكاية واحدة تسرد إحدى أهم المحطات التاريخية التي مرت بها البلاد".

وترجع مريم آل ثاني الاهتمام برصد وتدوين فترات زمنية على حساب أخرى من التاريخ القطري إلى عدة اعتبارات؛ منها الطبيعة الاجتماعية لسكان قطر قبل الخمسينيات؛ حيث ينقسم المجتمع القطري إلى قسمين؛ أهل بادية وأهل بحر، والروايات التاريخية عن تلك الفترات الزمنية حاضرة في أذهاننا إلى اليوم، لأن المصادر التاريخية عنها متوفرة ومتاحة للجميع.

وتتابع: "لعل الاهتمام الذي نجده اليوم، والارتباط الوثيق بتاريخنا البحري والبري، سببه الرئيسي هو وصول الرواية التاريخية إلينا من خلال مصادرها الرئيسية وأشخاصها الحقيقيين، والفضل في ذلك يرجع إلى جهود البحث والتحقق التي طبعت تلك الفترات الزمنية. في حين أن حقبة الخمسينيات والستينيات، لم تحظ بالبحث الكافي، ولم يتم تسجيل شهادات أهل قطر ومقيميها حول تلك الفترة الزمنية بصورة وافية.

وأشارت آل ثاني إلى أن الفترة الذهبية لتسجيل التراث القطري كانت مع فترة السبعينات التي رافقت استقلال الدولة القطرية، وذلك بفضل الإذاعة والتلفزيون وظهور التقنيات الحديثة التي سجلت جزءاً من التاريخ القطري.

وحول اهتمام طلبة جامعة قطر بحقبة الخمسينيات والستينيات، ذكرت مريم آل ثاني أن الطلبة عبروا في أكثر من مناسبة عن تلهفهم لسماع الرواية التاريخية أو قراءتها من أولئك الذين عاشوها مباشرة أو عن طريق ذويهم.

وأضافت: "الرواية التاريخية من مصادرها المباشرة تكون أكثر ارتباطاً بمستمعيها، ولها دور أساسي في ترسيخ المعلومة وتثبيتها في ذهن متلقيها".

وأشارت آل ثاني إلى وجود عدد من المشاريع الثقافية لصيانة وحماية التراث اللامادي في دولة قطر تقوم بها عدد من المؤسسات في الدولة، إلا أن مبادرة رصد الواقع المعيش خلال الخمسينيات والستينيات تتميز بخصوصية الفترة الزمنية التي تتناولها، وتطرح أهدافاً محددة لتحقيق رؤيتها في التدوين بشكل أوسع حول الفترة المرصودة.

ويسعى المشروع، وفق المسؤولة القطرية، إلى توفير أرشيف لدولة قطر عن هذه الحقبة الزمنية، سواء عن طريق تسجيلها بطريقة شفوية أو مكتوبة بهدف إثراء معلومات المجتمع القطري أو المتخصصين والمهتمين بالثقافة القطرية من داخل الدولة وخارجها.

استراتيجية الحملة

تقوم الخطة التي تعمل وفقها اللجنة المشتركة بين مكتبة الجامعة وكلية الآداب والعلوم في جامعة قطر، على جمع القصص والتجارب الحياتية خلال الخمسينيات والستينيات.

وتتبنى الخطة خيارات متنوعة؛ منها: حث الراغبين على المشاركة في إرسال تجاربهم الإيجابية والسلبية عن الفترة المذكورة بالبريد الإلكتروني أو وسائل التواصل الاجتماعي، أو توثيق تلك الشهادات بالتسجيل المرئي في حالة رغبة الرواة في ذلك.

وتؤكد مريم آل ثاني أن "اللجنة ملتزمة باحترام خصوصية الأفراد إذا رغبوا بمشاركة بعض القصص من دون ذكر أسمائهم".

وعن موعد اطلاع الجمهور على تلك القصص والروايات تقول آل ثاني إن هناك لجنة مختصة وظيفتها التحقق والتأكد من المعلومات التي يقدمها الأفراد، ومدى مطابقتها للواقع بأدوات التحقق العلمي المطبقة في مجالات التاريخ أو الأرشيف الشفوي. حيث سيكون هناك مراحل من التدقيق والمراجعة قبل خروج الشهادات والقصص للعلن.

خزائن التاريخ

تتعاون جامعة قطر مع العديد من المؤسسات في الدولة من أجل جمع نفائس التاريخ القطري، ولعل قاعة "قطرنا" التي تضم فصولاً متنوعة من التاريخ القطري تأتي في سياق التعاون والتواصل المثمر ما بين مكتبة جامعة قطر ومختلف المؤسسات الحكومية مثل وزارة الثقافة وكذلك مؤسسات النشر ذات الاهتمام بالتاريخ القطري.

وفي هذا الصدد ترى مريم أن الاهتمام بالتاريخ القطري دائماً موجود وحاضر في الأذهان لدى القائمين على مكتبة جامعة قطر، ويفسر ذلك تخصيص قاعة للزوار في مكتبة الجامعة تسمى قاعة "قطرنا".

وتضم القاعة أهم المطبوعات والمصادر والمخطوطات التاريخية والثقافية لدولة قطر، ويتوفر في قاعة "قطرنا" ما يُقارب 3000 مصدر معلوماتي باللغة العربية و900 مصدر باللغة الإنجليزية.

وتهدف القاعة إلى ضمان الفائدة للطلبة والباحثين والمهمتين بالشؤون التاريخية لدولة قطر، تشمل القاعة العديد من المجالات المعرفية المتنوعة؛ منها السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي والصحي، وكذلك التراث والتقاليد والفنون الشعبية.

مكة المكرمة