"موسوعة الاستغراب".. محاولة قطرية لحل إشكالية صراع الشرق والغرب

الإعلان عن "موسوعة الاستغراب" جاء في توقيت مهم للعرب والمسلمين

الإعلان عن "موسوعة الاستغراب" جاء في توقيت مهم للعرب والمسلمين

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 23-03-2017 الساعة 13:51


تعد قضية دراسة "الاستغراب"، من القضايا الشائكة في العالم العربي، ويشوبها الكثير من النقص، بسبب عدم الاهتمام، وعدم وجود منهجية علمية في معالجة الأمر.

فعلى الرغم من الهيمنة الغربية على العالم، وترويج ثقافاته، وظهور نظريات صامويل هنتنغتون، وبرنار لويس، التي تبنت حتمية الصراع بين الشرق والغرب على أسس ثقافية، مستندين إلى افتراء كبير يعد الحضارة الغربية قائمة على العقل، والحضارات الشرقية، وفي مقدمتها الإسلامية، قائمة على الخرافة والغيب، ما يزال الشرق يفتقد إلى جهة أو مؤسسات تقوم بدراسات تواجه ما يُعرف بـ"الاستشراق" لدى الغرب.

- مشروع للتصحيح

الحديث، وإن بدا في ظاهره كلاماً في الفكر والثقافة، هو في جوهره وفعله على الأرض يترجم على شكل ممارسة بنهج سياسي، يعتمد على ازدواجية المعايير التي نعاني من آثارها في الشرق اليوم، بسبب الغطرسة الأمريكية والأوروبية في تعاملها مع قضايا الشرق، وتحويل الإسلام إلى عدو افتراضي، من خلال تغذية "الإسلاموفوبيا" بكل ما من شأنه ترسيخ نظرية الصراع، التي يتبناها اليمين السياسي المتطرف الصاعد في الغرب اليوم.

من هنا كان لا بد للعالم الإسلامي من مبادرة للتصحيح والفهم والمراجعة، لتقديم الصورة الحقيقية عن المسلمين، وإعلاء لغة الحوار على لغة الصراع، التي هي من صلب الإيديولوجية الإسلامية، وليتحقق ذلك لا بد من فهم الغرب فهماً دقيقاً وعميقاً كي تتمكن الأجيال من ممارسة الفعل الثقافي في مواجهة دعاة الصراع، فجاءت مبادرة إنشاء "موسوعة الاستغراب" التي أعلنت عنها كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة قطر، في شهر مارس/ آذار 2017.

حيث أطلقت مشروعها الرائد؛ وهي أول موسوعة علمياً، وأضخم الموسوعات في العالم الإسلامي، تعالج مختلف الموضوعات ذات الصلة بالعالم الغربي.

القائمون على الموسوعة قالوا: "هذا المشروع الضخم يهدف إلى تحقيق أهداف عدة؛ منها تقديم مشروع عملاق للأجيال تنهل منه في مختلف دراساتها المتعلقة بالغرب، وتُسهم في فهم بنيته الفكرية والدينية والاجتماعية"، بحسب وكالة الأنباء القطرية.

كما لفتوا إلى أن "الموسوعة تسهم في رسم صورة شاملة ودقيقة عن قضايا الدين والعلم والفكر والحياة والاجتماع والتقاليد في العالم الغربي، بإرادة وإدارة إسلامية من جميع النواحي".

عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة قطر، أ.د يوسف الصديقي، وصف العمل بأنه: "يسهم بتعزيز مسار العلاقات الدولية، وبناء علاقات متوازنة بين العالم الإسلامي والغربي؛ من خلال إزالة الصور المركزية والمتعالية التي رسّخها الاستشراق"، مؤكداً أن الموسوعة هدفها "تفعيل حوار وتحالف الحضارات من خلال أسس علمية وفكرية ومعرفة عميقة".

وأشار الصديقي إلى أن "عدداً من الجامعات المنضوية تحت مظلة اتحاد جامعات العالم الإسلامي التابع لمنظمة الإيسيسكو، ومنظمة التعاون الإسلامي بقيادة جامعة قطر، ستسهم في المشروع إضافة إلى مختلف المؤسسات الثقافية والفكرية والمالية الدولية والوطنية في العالم العربي والإسلامي".

وأشار إلى أن "الموسوعة تهدف إلى تجاوز الجهود السابقة في مجال الموسوعات؛ نزاهة وتوثيقاً وخدمة للأمة، وتفعيلاً لحوار وتحالف الحضارات من خلال أسس علمية وفكرية ومعرفة عميقة".

اقرأ أيضاً:

"رغم "الإسلاموفوبيا" وصعود اليمين.. إقبال غربي على معرفة الإسلام

المدير التنفيذي للموسوعة، عز الدين معميش، قال: إن "المشروع يأتي من منطلق فهم الآخر، من خلال بنيته المعرفية والثقافية بوسائل علمية موضوعية في شتّى المجالات الحضارية".

وأشار إلى أن "الموسوعة الشاملة سترصد الحضارة الغربية فكرياً وعلمياً، على غرار ما فعله الغرب نفسه فيما يعرف بالاستشراق، في دراسته الواسعة حول العالم الإسلامي".

هذا المشروع الرائد يأتي في إطار مذكرة تفاهم مع المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، التي وقعتها مع جامعة قطر في أبريل/ نيسان 2016، لإطلاق "كرسي الإيسيسكو" لتحالف الحضارات في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بالجامعة.

وتهدف هذه المبادرة إلى تفعيل الحوار بين أتباع الأديان والحضارات والثقافات، وتجسيده في برامج علمية، ومشاريع عملية بحثية، لتعالج بها فهم الآخر، إضافة لتصحيح الصور السلبية الرائجة عن الإسلام في البيئة الغربية.

- دراسة الاستغراب

يمكن اعتبار إدوارد سعيد، الأديب والمفكر الفلسطيني، وأستاذ اللغة الإنكليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة، من الشخصيات التي دعت مبكراً إلى سد هذا النقص في دراسات الاستغراب، وقد نال شهرة واسعة في كتابه "الاستشراق" المنشور عام 1978.

حيث قدم كتابه أفكاراً مهمة عن دراسات الاستشراق الغربية المتخصصة في دراسة ثقافة الشرقيين، وفي نهاية الكتاب، يعيب المؤلّف على العالم العربي قصوره في دراسة الغرب، قائلاً: "الغرب يقيم مع الفرد العربي، قسراً، على مدار الساعة، ويشغل تفكيرنا وهمّنا وغضبنا وأحاسيسنا، وهو يقرّر عنّا، وتصل قنابله وصواريخه إلينا، فيما نحن نهمل وأهملنا دراسة هذا الغرب".

الباحث في التاريخ والحضارة الإسلامية، محمد إلهامي، قال في مقال نشره موقع "نون بوست": "لم ينضج "الاستغراب" في بلادنا، رغم هذا الغرب الحاضر دائماً، فالمجهودات التي حظيت بالإخلاص كانت مجهودات فردية، وموضوع الاستغراب أوسع من طاقة الأفراد مهما كانوا أفذاذاً، ومهما بذلوا من جهود، وأما المجهودات الجماعية فقد وقفت أمامها الظروف السياسية والاقتصادية، ولم تحظ كثير من هذه المجهودات بإخلاص جهات تقف وراءها، فظلت على حال الجمود، وبعضها لم يبلغ مرحلة البدء وظل في عالم الأماني".

ويأتي الإعلان عن "موسوعة الاستغراب" من قبل جامعة قطر، في توقيت مهم للعرب والمسلمين، وهم يحاولون أن يجدوا موضعاً لهم في عالم مجنون بالصراعات، يصعب فيه إيجاد موضع بين المتصارعين دون أن تملك أدوات الفهم التي تؤهل لأخذ الخطوات الصحيحة.

مكة المكرمة