يهدد حياة رساميه بالقتل.. كيف يُغضب الكاريكاتير الحكومات والشعوب؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/vAnKkQ

بعض الرسومات الكاريكاتيرية تثير غضباً شعبياً كبيراً

Linkedin
whatsapp
الثلاثاء، 15-09-2020 الساعة 11:30

لا تزال الرسوم الكاريكاتيرية الناقدة تواصل تأثيرها في المجتمعات والحكومات الخليجية، جاعلة في أحيان كثيرة صاحبها في موقف صعب قد يصل به إلى المحاسبة القانونية.

ومنذ عقود ونسبة كبيرة من العرب يتصفحون جريدتهم المفضلة من الصفحة التي ينشر فيها الرسم الكاريكاتيري اليومي، وغالباً ما كانت الصفحة الأخيرة، حيث تخصص بعض الصحف زاوية الكاريكاتير في هذه الصفحة.

وزاد ناجي العلي، رسام الكاريكاتير الأشهر عربياً، من تلك العادة؛ فرسوماته التي لا تقل قوة وتأثيراً عن الرصاص وربما أزيد؛ فكانت نهايته القتل، لكنه ترك خلفه رسومات تتناقلها الأجيال تحكي المأساة الفلسطينية في الشتات والمخيمات وفي كل مكان.

وجعل "العلي" شخصية الطفل الفلسطيني "حنظلة" التي ابتدعها تعبيراً مستمراً عن رفض كل تنازل أو استخفاف بأي حق فلسطيني.

على خُطا العلي

على خُطا رسام الكاريكاتير الأشهر صاحب حنظلة سار كثيرون جاؤوا بعده؛ يواجهون سياسات حكومات عربية يرونها منحرفة عن المبادئ القومية والعربية والدينية والأخلاقية برسومات كاريكاتيرية موجعة في تأثيرها.

هذا الوصف لمسه الجميع حين وصف رسام الكاريكاتير الأردني عماد حجاج، تطبيع الإمارات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، برسمة أظهر فيها تعامل "إسرائيل" مع الإمارات بأسلوب يحمل إساءة على الرغم من فتح أبوظبي ذراعيها لبناء علاقات متينة مع الإسرائيليين في جميع المجالات.

والكاريكاتير سخر فيه حجاج -المعروف بشخصية "أبو محجوب"، الذي يعمل في صحيفة وموقع "العربي الجديد"- من موقف الإمارات وولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد؛ بعد رفض "إسرائيل" بيع واشنطن طائرات "إف-35" لأبوظبي بعد أسبوعين على تطبيع العلاقات بين الأخيرة و"تل أبيب".

وبعد ساعات من نشره الكاريكاتير اعتقلت السلطات الأردنية، في 26 أغسطس 2020، حجاج، ثم أفرج عنه في الـ30 من نفس الشهر.

يقول رسام الكاريكاتير العراقي أحمد خليل لـ"الخليج أونلاين": إن "قضية عماد حجاج أصبحت قضية رأي عام، وكانت في صالح الفنان عماد حجاج".

وأضاف أن موضوع التطبيع الذي تناوله حجاج تناوله العديد من الرسامين لكونه قضية مهمة تمس العرب والمسلمين، مشيراً إلى أنه أيضاً تناول التطبيع في رسوماته الكاريكاتيرية؛ "لأن الهدف واحد والفكر واحد ضد فكرة التطبيع".

                                                                                       (من رسومات أحمد خليل عن التطبيع)

قضايا سياسية

يقتنص رسامو الكاريكاتير من الأحداث أفكاراً يكون تأثيرها كضربة صاروخية تستهدف معلماً وطنياً، المثال الأقرب والأحدث زمناً وقع خليجياً؛ وهو رسم كاريكاتيري نشر في أبريل الماضي.

الرسم الكاريكاتيري تناول موضوع الهبوط الحاد بأسعار النفط العالمية وتأثيرها على المنطقة، وقد أثار جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، تصدرته تعليقات غاضبة لمغردين في المملكة العربية السعودية.

الكاريكاتير يعود للرسام الفلسطيني محمود عباس، يظهر انحدار برميل نفط خلف شخص يرتدي الزي العربي، في توقيت تشهد به أسواق النفط العالمية هبوطاً يؤثر على جميع منتجي النفط بالعالم.

الكاريكاتير لقي ردود فعل غاضبة من قبل السعوديين؛ حيث اعتبر كثيرون أنه يرمز إلى السعودية، على الرغم من أن الرسام أكد أنه لا يقصد دولة بعينها "بل إن المواطن العربي من أكثر المتضررين جراء انهيار أسعار النفط".

رسام الكاريكاتير الفلسطيني محمود عباس، قال لـ"الخليج أونلاين" إنه كان مستغرباً من ردود الفعل السلبية تجاه هذا الرسم الكاريكاتيري.

وقال: "حرية التعبير حق كفلته كل القوانين التي يتغنون بها، كما أن الزج بالقضية الفلسطينية وتدشين وسم #فلسطين_ليست_قضيتي أثار استغرابي جداً".

وتابع: "عندما أقوم بعمل معين أقوم به كفرد، فإن أخطأت فأنا أتحمل المسؤولية الكاملة ولا دخل للقضية الفلسطينية بهذا الأمر".

وأكد رسام الكاريكاتير الفلسطيني قائلاً: "تعرضت للتهديد بشكل مباشر وغير مباشر (على خلفية نشر هذا الكاريكاتير)، كما أن السلطات السويدية تابعت الأمر وباشرت التحقيقات فور وقوع الحدث".

وأضاف: "الكاريكاتير هو شكل من أشكال التعبير عن الرأي التي كفلتها كل القوانين الدولية، فإن كانت دولة ما تتغنى بالديمقراطية فعليها تقبل هذا الأمر لا أن تهاجمه، وأن يحاولوا فهمه بدلاً من أن يحاربوه".

وزاد: "على كل الأنظمة القمعية والديكتاتورية أن تعلم يقيناً أن محاربة وملاحقة إنسان على أساس حرية التعبير عن الرأي لن يزيده إلا إصراراً على مواصلة طريقه".

رسوم محلية

الرسوم التي تنشر في الصحف المحلية وتوجه رسالة لفئة أو جهة أو مجموعة او شخصية محلية أحد أبرز المواضيع التي يتناولها رسامو الكاريكاتير.

لكن هذه المواضيع أيضاً لا يسلم رساموها من الانتقادات والتهديدات بالمحاسبة قضائياً.

آخر ما يمكن الاستشهاد به من رسوم كاريكاتيرية نُشر في إحدى الصحف السعودية المحلية أخيراً، حول استياء المحامين السعوديين.

وكانت صحيفة "مكة" نشرت الرسم في عددها الصادر في 10 سبتمبر 2020، ويتضمن صورتين بتعليقين مختلفين، كُتب في الأولى تعليق لمحامٍ يقول بعد صدور حكم قضائي لصالح موكله: "قضاؤنا عادل ومتطور"، فيما يقول في الصورة الثانية بعد صدور حكم ضد موكله: "قضاؤنا مؤدلج وغير عادل".

وتسبب نشر الكاريكاتير بردود فعل غاضبة من قبل محامين ومحاميات في المملكة، بينهم أسماء معروفة، وطالبوا هيئة المحامين بالتدخل للدفاع عنهم وعن مهنتهم من الإساءة التي تضمنها الكاريكاتير، على حد وصف البعض.

لكن رسام الكاريكاتير السعودي عبد الله جابر دافع عن رسمه، ورد على الانتقادات التي طالته.

وقال جابر: "لأني انتقدت سلوك بعض المحامين في رسم اليوم طالب البعض بمحاسبتي.. مبررين أنني أسأت لمهنتهم، وقطعاً هذا غير صحيح، انتقاد محامٍ ما لا يعني الإساءة لمهنة المحاماة، سبق أن انتقدت المعلم والوزير والعقاري وغيرهم، فهل أسأت لكل هذه المهن؟ بلاش حساسية".

خلافات دولية

لا يستبعد أن يتسبب رسم كاريكاتيري بخلاف دولي أو حتى حرب بين بلدين أو أكثر؛ فشدة تأثير بعض الرسوم كبيرة للغاية.

ولطالما تسببت رسومات كاريكاتير بخلافات بين دول، وكان ما نشر في الصحيفة الدنماركية "يولاندس بوستن" أحدث دليل في هذا الموضوع.

فقد أغضب الكاريكاتير الصين التي طلبت اعتذاراً رسمياً؛ بعدما نشرت الصحيفة الدنماركية كاريكاتيراً استبدل نجوم العلم الصيني بنماذج لشكل فيروس كورونا.

الكاريكاتير نُشر مطلع العام الجاري، وتضامنت مع صحيفة "يولاندس بوستن صحيفة "بوليتيكن" بنشر الرسم نفسه على الغلاف، مع انتقادات لاذعة للصين بقلم رئيس تحريرها.

وأصدرت السفارة الصينية في كوبنهاغن بيانات غاضبة، فيما ردت الصحافة باستعادة سجل الصين في التدخل في دول أوروبية لفرض معادلة أخرى عن حرية التعبير بالتهديد والترهيب التجاري.

تهديدات بالقتل

يقول رسام الكاريكاتير محمود عباس لـ"الخليج أونلاين": "أرسم ما يمليه علي ضميري وما أراه صائباً، وأحاول دائماً أن أركز على القضايا الهامة بغض النظر إن أعجب البعض أم لم يعجبهم".

ويؤكد أن جميع التعليقات التي ترد على رسوماته هي مهمة بالنسبة له، مشيراً إلى أنه يتوقع أحياناً حدوث ردود أفعال، "خصوصاً عندما يتعلق الأمر ببعض الدول الديكتاتورية"، وفق قوله.

ويتعرض رسامو كاريكاتير لتهديدات مختلفة قد تصل إلى القتل، لكن عباس يقول: "لا يهم كثيراً كيف أحمي نفسي بقدر ما يهمني أن أقوم بما يمليه علي ضميري"، مشدداً القول: إن "هذه ضريبة العمل لفلسطين وغيرها من القضايا التي أرى أنها على حق".

عباس الذي يعيش في السويد ويحمل جنسيتها يعتبر أن هذه "ميزة"، بالإضافة إلى كونه عضواً بعدة نقابات صحفية دولية"، مفيداً بأن "السويد دولة حريات، والقانون السويدي لا يعاقب على حرية الرأي فهو حق وليس جريمة".

ويعتبر عباس ردود الفعل السلبية على رسم له ينشر على وسائل الإعلام"انتصاراً"، مبيناً أن "استفزاز الديكتاتور أو تأليب الذباب الإلكتروني ضد فكرة معينة معناه أنها قد نجحت، فتكون بمنزلة دافع لمواصلة مشواري".

متاعب مستمرة

بدوره يتفق رسام الكاريكاتير العراقي أحمد خليل بالرأي مع ما ذهب إليه محمود عباس، مؤكداً أن فنان الكاريكاتير يواجه المتاعب بشكل مستمر.

وسبب تلك المشاكل، وفق حديث خليل لـ"الخليج أونلاين"، هو أن "الكاريكاتير فن صحفي أكثر منه عملاً فنياً".

وأضاف: "دائماً ما يتناول الفنان القضايا الحساسة التي تكون على تماس مع الشارع أو الجمهور، وعلى الأغلب يتعاطف الجمهور مع الفنان عكس ما نراه مع السياسي".

أحمد خليل، الذي يعتبر من أبرز رسامي الكاريكاتير في العراق، وتنشر رسوماته الكاريكاتيرية في صحيفة "الصباح" الرسمية بالعراق، يقول إنه واجه بسبب رسوماته "المتاعب والتهديدات بطرق مباشرة وغير مباشرة".

تلك التهديدات تلقاها بسبب "رسوم جريئة مباشرة"، مشيراً إلى أن "آخر مشكلة واجهتها كانت مع وزيرة الصحة السابقة عديلة حمود، حيث قدمت شكوى على صحيفة الصباح وعلى مدير الصفحة وعلى فنان الكاريكاتير الذي هو أنا".

وأوضح: "بعد شهور من المماطلة كسبنا القضية".

ولا يختلف رسام الكاريكاتير في العراق عن بقية الصحفيين والناشطين الذين يتعرضون لتهديدات بالتصفية، أو يقتلون؛ نتيجة تناولهم قضايا حساسة.

ووفق هذا يقول خليل: "خسرنا فنانين مهمين بسبب رسمة جريئة أمثال المرحوم مؤيد نعمة والمرحوم أحمد الربيعي".

مكة المكرمة