آخر محطاته كابل - واشنطن.. "الدوحة" قطار دبلوماسية لا يهدأ

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/bx5Nnj

نجحت قطر في حل العديد من النزاعات آخرها إنهاء حرب أفغانستان

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 29-02-2020 الساعة 12:25

لا تهدأ دبلوماسية قطر في تبني حل النزاعات والصراعات الدولية، مؤكدة من خلال نجاحاتها السابقة في هذا التوجه علو كعبها، مسجلة مواقف تشيد بها الدول.

وبدا واضحاً في السنوات القليلة الماضية أن قطر أصبحت أحد أبرز الوسطاء المؤثرين بين دول العالم لحل الخلافات والنزاعات والصراعات الدولية، وأثبتت أنها وسيط نزيه وموثوق به لا يسعى من خلال وساطاته لأي نفوذ أو مصالح ذاتية أو هيمنة من أي نوع، مثلما تفعل دول أخرى.

آخر نجاحاتها في الوساطات جمعت بين طرفين أحدهما أمريكا، أقوى بلدان العالم، وحركة طالبان التي تسببت بوجود أطول حرب تشهدها أفغانستان مع الولايات المتحدة.

ولأشهر طويلة يتحرك قطار الدوحة الدبلوماسي على خط كابل واشنطن؛ لإنهاء صراع طويل في أفغانستان تسبب بخسائر كبيرة لأطراف الصراع.

الولايات المتحدة بدورها وجهت شكرها لقطر على ما بذلته من جهود طويلة لإرساء السلام في أفغانستان، بما يساهم بتقليل الوجود العسكري الأمريكي الذي تكبد خسائر في هذا البلد، حيث يبلغ تعداد القوات الأمريكية هناك 13 ألف جندي.

وأيضاً وجهت حركة طالبان شكرها لهذا البلد الخليجي الذي لم يكف عن السعي من أجل إرساء السلام في أفغانستان التي تشهد، منذ الغزو الأمريكي عام 2001، صراعاً بين طالبان من جهة، والقوات الحكومية والدولية بقيادة الولايات المتحدة من جهة أخرى؛ ما تسبب في سقوط آلاف الضحايا المدنيين.

قطار الدبلوماسية القطري يبدو أنه وصل إلى محطته الأخيرة على سكة كابل- واشنطن؛ حيث تشهد العاصمة الدوحة، السبت (29 فبراير الجاري)، توقيع الولايات المتحدة وحركة طالبان اتفاقاً لإنهاء الحرب في أفغانستان.

وساطات قديمة

لا يعد توقيع اتفاق إنهاء الحرب في أفغانستان الأول بين الوساطات التي خاضتها قطر في هذا البلد، فقد سبقتها بإبرام صفقة لتبادل الأسرى بين "طالبان" والولايات المتحدة، في يونيو 2014.

تلك الصفقة التي تبنتها قطر أسفرت عن إطلاق سراح الرقيب بالجيش الأمريكي باو برغدال، وتسليمه إلى القوات الخاصة الأمريكية في أفغانستان، مقابل فك أسر خمسة من كبار قادة حركة طالبان، بعد الإفراج عنهم من معتقل غوانتنامو.

ورحب الرئيس الأمريكي -آنذاك- باراك أوباما، بإطلاق سراح برغدال، مؤكداً في خطاب له أن الحكومة القطرية قدمت ضمانات أمنية لواشنطن بشأن المفرج عنهم.

وأيضاً وجَّه أوباما شكراً لأمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني؛ وذلك لجهود الدوحة في تسهيل عملية إطلاق الأمريكي كيفن كينغ، والأسترالي تيموثي ويكس، اللذين كانا محتجزَين لدى حركة طالبان، لأكثر من ثلاثة أعوام.

وساطة لا تهدأ

دور قطر في الوساطات الدولية لحل الصراعات تعود لسنين طويلة؛ من أبرزها استضافة الدوحة جولات للوساطة بين الحكومة اليمنية ومليشيا الحوثي، في 2007 و2008؛ للتخفيف من حدَّة التصعيد ووقف أي حرب مستقبلية.

ونجحت الدبلوماسية القطرية في وقف العنف والقتال بدارفور جنوب السودان، إذ احتفلت الدوحة، في مايو 2011، باتفاقية سلام دارفور التي أرست دعائم الأمن والاستقرار هناك.

وكانت المبادرة القطرية أكثر الأساليب فاعلية واصطباراً على التفاوض الصعب، فقد استضافت الدوحة المتحاورين أكثر من عامين، إلى أن تكللت جهودها بالاتفاقية المسماة "وثيقة الدوحة للسلام"، وكانت نتاج حوار شارك فيه مئات من أهل المصلحة.

وفي حينها أشاد والي ولاية شرق دارفور بقطر، وقال إنها أدت دوراً حيوياً مهماً في استدامة الاستقرار الشامل ببلاده؛ من خلال جهود محلية وإقليمية ودولية متواصلة، أثمرت دعماً غير مسبوق لملفات السودان في هذه المحافل، وهو ما مكَّنه من تخطي العقبات والصعاب التي كانت تحول دون إحداث الاستقرار وتحقيق الانفراج الكامل في علاقاته الدولية.

حضور في القضية الفلسطينية

في الشأن الفلسطيني كان الدور القطري حاضراً لإنهاء الانقسام السياسي الداخلي بين حركتي "فتح" و"حماس".

واستقبلت الدوحة وفوداً من الطرفين خلال 2012، نتج عنها توقيع الحركتين، في 6 فبراير 2012، اتفاقاً يهدف إلى تسريع وتيرة المصالحة الوطنية بينهما.

وخلال الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة، كان للدوحة دور بارز في التوصل إلى تهدئة بين الفصائل الفلسطينية و"إسرائيل".

وفي أفريقيا كان الثقل السياسي القطري حاضراً من خلال التوسط لإطلاق أسرى جيبوتيين، ضمن وساطة بين جيبوتي وإرتريا، ليعود الأسرى إلى بلدهم برفقة وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، على متن طائرة خاصة، في مارس 2016.

ورحب مجلس حقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة، حينها، بوساطة دولة قطر التي تُوِّجت بالإفراج عن عدد من الأسرى الجيبوتيين لدى إرتريا.

وأشاد حينها الرئيس الجيبوتي، إسماعيل عمر جيله، بالوساطة القطرية، ودور أمير قطر في إطلاق سراح الأسرى، مشيراً إلى أن علاقات بلاده مع قطر تشهد تطوراً في المجالات كافة.

وعند إتمام الصفقة وجَّه رئيس الحكومة اللبنانية في حينها، تمام سلام، لدى استقباله الجنود المفرج عنهم، الشكر إلى دولة قطر وأميرها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، على الجهود التي بذلتها من أجل التوصل إلى هذا الاتفاق.

وسائط في سوريا ولبنان

في مارس 2014، أسفرت جهود الوساطة القطرية عن الإفراج عن 13 راهبة كنَّ محتجزات في شمالي سوريا، مقابل إطلاق سراح أكثر من 153 معتقلة سورية من سجون النظام السوري.

وقالت وكالة الأنباء القطرية الرسمية في حينها: إنه "بتوجيهات من أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، قامت الأجهزة المعنية في الدولة بجهود حثيثة، منذ شهر ديسمبر 2013، للتوسط من أجل إطلاق سراح راهبات معلولا؛ إيماناً منه بمبادئ الإنسانية وحرصه على حياة الأفراد وحقهم في الحرية والكرامة".

وأعلن وزير الخارجية القطري في حينها، خالد العطية، نجاح الوساطة القطرية في إطلاق سراح الراهبات، لافتاً إلى أن جهود قطر لإطلاقهن أسفرت عن إطلاق سراح أكثر من 153 معتقلة سورية من سجون النظام السوري.

وفي لبنان كانت قطر حاضرة بقوة من خلال تحقيق صفقة تبادل بين الجيش اللبناني و"جبهة النصرة" في سوريا، إذ عملت الدوحة على تنفيذ صفقة أسرى أسفرت عن الإفراج عن 16 جندياً لبنانياً، في ديسمبر 2015، مقابل إفراج الحكومة اللبنانية عن 25 سجيناً، طالبت "النصرة" بإطلاق سراحهم، بينهم 17 امرأة.

ساركوزي يشيد بقطر

وفي صحراء ليبيا تمكنت قطر من أداء دور وساطة ناجحة بين قبائل التبو والطوارق، ففي 23 نوفمبر 2015، تم في الدوحة توقيع اتفاق سلام بين القبيلتين، بعد مفاوضات استمرت أربعة أيام برعاية قطرية.

ونص الاتفاق على وقف نهائي لإطلاق النار بين الطرفين، وعودة النازحين والمهجَّرين من أهالي مدينة "أوباري" إلى ديارهم، وفتح الطريق العام إلى "أوباري"، وإنهاء المظاهر المسلحة كافة في المدينة.

وأكد الطرفان، في بيان مشترك، ترحيبهما بالجهود المتواصلة لدولة قطر في ظل قيادة أميرها لتحقيق المصالحة بين الطوارق والتبو، والتي حظيت بموافقة القبائل كافة ومساندة دول الجوار.

ولم تكن تلك الوساطة هي الوحيدة لقطر في ليبيا، إذ أسهمت جهود الدوحة في إنهاء أزمة الطبيب الفلسطيني والممرضات البلغاريات في ليبيا، عقب صفقة أُفرج بموجبها عن هؤلاء، بعد ثماني سنوات قضوها بالسجن، في 2007.

وأكد الرئيس الفرنسي في وقتها، نيكولا ساركوزي، أهمية الوساطة القطرية والمساعدات التي قدمتها حكومة قطر في هذه القضية.

بين واشنطن وطهران

في أخطر الأزمات التي مر بها الشرق الأوسط مؤخراً؛ نتيجة التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، الذي تفاقم باغتيال قائد فيلق القدس بـ"الحرس الثوري"، قاسم سليماني، مطلع يناير 2020، وردِّ الإيرانيين بقصف مقار أمريكية في العراق، برزت قطر بدور الوسيط من أجل تخفيف حدة التوتر والوصول إلى الهدوء وإنهاء الخلافات.

وشهدت المنطقة نشاطاً دبلوماسياً قطرياً تمثل بأول زيارة يجريها أمير قطر لإيران منذ توليه منصبه في عام 2013، وسط استقبال رسمي كامل، كان على رأسه الرئيس الإيراني حسن روحاني، وفقاً لتقارير نقلتها وكالتا الأنباء الرسميتان في الدوحة وطهران.

وجاء ضمن دور الوساطة هذا اجتماع وزير الخارجية، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، مع مسؤولين عراقيين، الأربعاء (15 يناير الماضي)؛ "لبحث العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين ومستجدات الأوضاع في المنطقة"، وفقاً لتغريدةٍ نشرها الوزير القطري على صفحته الرسمية بـ"تويتر".

ووفق مدير المكتب الإعلامي في وزارة الخارجية القطرية، أحمد بن سعيد الرميحي، الذي تحدث عن دور بلاده في التحرك لتدارك تفاقم الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران.

وقال الرميحي لصحيفة "القبس" الكويتية، الخميس (16 يناير الماضي): إن "تحرُّك الدوحة جرى مباشرة بعد مقتل سليماني؛ لأنها كانت تحذِّر من أن توالي مظاهر التصعيد يمكن أن يقود المنطقة إلى نتائج لا تُحمد عقباها".

وأشار المسؤول القطري إلى "اتصالات دولية مكثّفة أجراها أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، مع أطراف الأزمة، والزيارة التي أجراها لطهران أكد خلالها أن الحوار هو الحل الوحيد لأزمات المنطقة".

وبحسب ما ذكره الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني، شقيق أمير قطر، في تغريدة على "تويتر" فإن بلاده تؤدي دور "الوساطة لقيادة المنطقة إلى السلام".

احترام دولي لدبلوماسية قطر

دبلوماسية قطر وتبنيها سياسة حل النزاعات وإنهاء الصراعات والخلافات في مختلف مناطق العالم حظي باحترام دولي وإشادات عديدة، لا سيما تحركها حول منع حصول حرب بين واشنطن وطهران.

حيث ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن الإدارة الأمريكية تفاعلت مع الجهود الدبلوماسية القطرية لخفض التوتر مع إيران، واصفةً الدوحة بأنها "أفضل لاعب للوساطة في الخلاف الأمريكي-الإيراني"، مضيفة: "إذا تم حل الخلاف بين طهران وواشنطن فسيتم فتح صفحة جديدة بالشرق الأوسط وتعزيز دور قطر في الساحة الدولية".

بدوره أكد مركز "يونايتد وورلد إنترناشنال" الأمريكي في دراسة له أن دولة قطر أدت دوراً مهماً في المنطقة، تجلى في حل النزاعات وتقريب وجهات النظر بعدد من الأزمات والقضايا الدولية، لا سيما في التصعيد الأخير بين الولايات المتحدة وإيران.

وأوضحت الدراسة، التي نُشرت الأحد 26 يناير الماضي، أن الدوحة بذلت جهوداً كبيرة للحد من التوتر، وإعلاء صوت الحوار؛ لتجنيب المنطقة مزيداً من العنف والتخريب. 

وتعمل قطر، وفق التقرير، على تطوير حضورها على المستويَين الإقليمي والدولي من خلال علاقاتها الاقتصادية وشراكاتها المالية، لتتصدر مكانة مهمة في العالم العربي، من خلال توطيد علاقاتها بالدول الكبرى وتوسيع شراكاتها بما يتماشى مع خططها الاستراتيجية.

وأبرزت الدراسة دور الدبلوماسية القطرية في تخفيف التصعيد الأخير بين واشنطن وطهران، حيث عرف المشهد السياسي مجموعة من الاجتماعات المنتظمة بين المسؤولين القطريين والإيرانيين لنزع فتيل التوتر، خاصة مع النظر إلى أن الخلافات بين الولايات المتحدة وإيران قد وصلت إلى ذروتها.

مكة المكرمة