"إسرائيل" تفخخ الميزانية الفلسطينية .. وعباس يتحصّن بـ"التقشف"

محمود عباس مع مسؤولين من حكومته

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 04-07-2018 الساعة 09:45

يفقد الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، تدريجياً، أدوات السيطرة على سلطته ومؤسساتها المختلفة، بعد أن اشتدت عليه حلقات الخناق السياسي والمالي، وأوصلت سلطته نحو حافة الانهيار، في ظل الأزمات الكبيرة التي تعصف بها من كل جانب.

السلطة تعاني فعلياً، منذ سنوات طويلة، أزمات مالية طاحنة، رفعت نسبة العجز في الموازنة السنوية بمئات الملايين من الدولارات، ولكن هذه المرحلة هي الأصعب، وقد تجبر عباس على اتخاذ قرارات هي الأولى من نوعها على الساحة الداخلية، سيكون عنوانها الأبرز "التقشف"، الذي تمس نيرانه جميع الفلسطينيين.

رفعت الدول العربية يدها عن تمويل سلطة عباس؛ بسبب خلافات سياسية، والعقوبات الأمريكية وقطع المساعدات والمعونات عنها بنسبة 80%، إضافة إلى حجز "إسرائيل" أموال الضرائب الفلسطينية (المقاصة)، واستخدامها باعتبارها ورقة للمساومة والضغط، وآخر هذه الإجراءات قرار "الكنيست" اقتطاع الأموال التي تُصرف كرواتب للأسرى والشهداء من موازنة السلطة، وكلها مؤشرات تؤكد أن القادم على السلطة سيكون قاسياً وسيُدخلها بسنوات "عجاف"، وفق مراقبين ومحللين.

وسنَّ الكنيست الإسرائيلي، الاثنين (2 يوليو 2018)، قانوناً لمعاقبة السلطة الفلسطينية مالياً؛ بسبب دفعها رواتب للفلسطينيين المحتجزين في سجون الاحتلال وأُسرهم وأُسر الشهداء.

ويأمر التشريع بحجز جزء من نحو 130 مليون دولار، هي حجم عائدات الضرائب التي تحصلها "إسرائيل" نيابة عن الفلسطينيين كل شهر بموجب اتفاقات السلام الانتقالية، الأمر الذي خلق ردود فعل فلسطينية غاضبة، وسط تحذيرات من اتخاذ عباس هذا القرار ذريعة لفرض عقوبات جديدة على قطاع غزة وموظفي السلطة وتعطيل بعض المؤسسات الحيوية.

انهيار سلطة عباس

عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أحمد مجدلاني، أكد أن الأوضاع المالية للسلطة الفلسطينية سيئة للغاية منذ سنوات طويلة، ولكن القرارات الأخيرة التي تتخذها الإدارة الأمريكية وكذلك حكومة الاحتلال الإسرائيلي أدخلتها بمرحلة حرجة.

مجدلاني قال في تصريحات خاصة لـ"الخليج أونلاين": إن "الاحتلال يستخدم الضرائب الفلسطينية المحتجزة عنده ورقة للمساومة والضغط، وتصديق الكنيست رسمياً على قانون خصم مخصصات الشهداء والأسرى من أموال المقاصة الفلسطينية يأتي ضمن سياق الخناق السياسي والمالي على الفلسطينيين".

وذكر أن هذه الخطوة بمثابة "بلطجة" و"قرصنة" غير مقبولة من قِبل الاحتلال، وتجاوُز للخطوط الحمراء، وحرق لاتفاق أوسلو وجميع الاتفاقيات السياسية والاقتصادية التي ترتبت عليها، وستكون لها نتائج عكسية وسلبية على موازنة السلطة المالية، وقد يدخلها في مرحلة حرجة تصيب مؤسسات السلطة بأكملها.

ولفت عضو اللجنة التنفيذية إلى أن "إسرائيل" بهذا القرار الظالم قد أعلنت الحرب على الشعب الفلسطيني ومناضليه وأَسراه وشهدائه، مؤكداً أن القرار سيخلق عجزاً كبيراً في الموازنة، خاصة في ظل الأزمات المالية التي تعانيها منذ سنوات طويلة.

وفي السياق ذاته، اعتبر النائب العربي في "الكنيست" جمال زحالقة قرار "الكنيست" خصم رواتب الشهداء والأسرى دليلاً جديداً على فاشية وعنصرية دولة الاحتلال في محاربة الفلسطينيين.

وأكد النائب زحالقة، في تصريحات خاصة لـ"الخليج أونلاين"، أن حكومة الاحتلال تلعب بالنار، ونتائج هذا القرار ستكون خطيرة وستنعكس فعلياً على حياة أُسر الشهداء والأسرى، مشدداً على أن النضال بقضية قرصنة الأموال ومحاولة إضعاف السلطة والتعجيل بانهيار مؤسساتها وسقوطها، لن ينجح ببيانات الشجب بقدر الحاجة لتحرُّك رسمي وقوي على الأرض يجبر الاحتلال على التراجع عن كل خطواته التصعيدية.

وزعمت "إسرائيل" أن السلطة الفلسطينية دفعت 198 مليون دولار لأُسر الشهداء الفلسطينيين، و160 مليون دولار لنادي الأسير الفلسطيني عام 2017، وهو ما يعادل 7% من ميزانية السلطة السنوية. وبموجب القانون الجديد، ستُوقف دولة الاحتلال إرسال هذه الأموال إلى السلطة وتُخصم بشكل مباشر من الضرائب.

وبموجب "بروتوكول باريس الاقتصادي"، الذي وقعته "إسرائيل" مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1994، تجبي الحكومة الإسرائيلية مئتي مليون دولار شهرياً عائدات ضرائب مستحقة على بضائع ترِد إلى المناطق الفلسطينية من خلال "إسرائيل"، وتقوم بتحويلها شهرياً إلى الموازنة الفلسطينية.

خطة التقشف

وفي ضوء تلك التطورات والأزمات المالية المتلاحقة التي تعانيها السلطة، قرر الرئيس عباس، بحسب مصادر فلسطينية خاصة صرحت لـ"الخليج أونلاين"، اتباع "خطة تقشف" جديدة للتعامل مع الأوضاع الراهنة، ومحاولة السيطرة عليها قبل انهيار مؤسسات السلطة وتفاقم مديونية الميزانية السنوية.

وتعتمد "خطة التقشف" على تخفيض النفقات التي تُصرف على الأمن بنسبة لا تقل عن 30%، وخفض الميزانيات التشغيلية التي تصرف لمؤسسات السلطة والحكومة 40%، إضافة إلى تقليصات جديدة ستُفرض على رواتب موظفي السلطة، وخاصة في قطاع غزة، ستصل لـ50%، وإلغاء بعض المؤسسات والوزارات ودمجها مع وزارات أخرى، وإيقاف مؤقت لمنح العلاوات والرُّتب الوظيفية.

وبحسب المصادر، فإن هذه الخطة قيد الدراسة والمتابعة النهائية الآن مع الجهات الإدارية والمالية المختصة، بعد أن تم الاتفاق على الخطوط العريضة عليها، ومن المقرر أن تُطبَّق بشكل رسمي خلال أسابيع قليلة، بعد دراستها بشكل كامل؛ لدعم موازنة العام المقبل (2019).

وبلغ إجمالي موازنة السلطة عام 2017 نحو 4.460 مليارات دولار أمريكي، منها الموازنة العامة و 452 مليون دولار للموازنة التطويرية، وصدَّق الرئيس عباس على موازنة جديدة لعام 2018 بإجمالي موازنة عامٍ قدره 5.8 مليارات دولار، خُصص أكثر من ربعها للأجهزة الأمنية بالضفة الغربية.

وحسب بيانات وزارة المالية، يبلغ حجم إجمالي صافي الإيرادات العامة ضمن موازنة عام 2018 نحو 3.8 مليارات دولار، أما المصروفات فتصل إلى 4.5 مليارات دولار، بعجزٍ قدره 498 مليون دولار سنوياً.

وتعتمد الإيرادات في الموازنة الفلسطينية على الإيرادات المحلية وإيرادات المقاصة غير المباشرة، وهي "الأموال التي تجبيها (إسرائيل) نيابة عن وزارة المالية الفلسطينية، شهرياً، عن السلع الواردة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، وفق ترتيبات بروتوكول باريس الاقتصادي".

وفي السياق ذاته، يقول الخبير الاقتصادي نصر عبد الكريم: إن "تنفيذ القانون الإسرائيلي الخاص بالخصومات على رواتب أُسر الشهداء والأسرى سيؤدي إلى خصم 300 مليون دولار سنوياً من ميزانية السلطة، ما سيضيف عجزاً آخر إلى هذه الميزانية ليصبح 900 مليون دولار كل عام، ما يؤثر على الاقتصاد الفلسطيني والميزانية بشكل ملموس".

وأضاف: "السلطة لن تستطيع تعويض هذا العجز إلا من خلال عدة أمور؛ وهي تأجيل دفع المستحقات المترتبة عليها، ومن خلال المزيد من الاقتراض المصرفي لتغطية هذا العجز، كما أنها ستلجأ إلى تقليل الإنفاق، والتوجه إلى التقشف، وتحسين الجباية الضريبية ومحاربة التهرب الضريبي".

ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن السلطة قد تستعين ببعض الدول الداعمة للقضية الفلسطينية؛ لرفد خزينتها بالأموال لحين تسوية خصم الأموال مع حكومة الاحتلال، لكن ضغوط الإدارة الأمريكية قد تُفشل تلك التحركات؛ ما سيؤدي إلى أزمة مالية طاحنة وكبيرة تمر بها السلطة ستؤثر على كل خدماتها، داعياً لإعداد خطة اقتصادية قوية ومدروسة؛ لمواجهة هذه العواصف الخطيرة قبل فوات الأوان.

وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد جمدت أموال المساعدات المقدمة للسلطة الفلسطينية بموجب قانون "تايلور فورس"، الذي يطلب من السلطة التوقف عن دفع مخصصات أُسر الشهداء والجرحى والأسرى الفلسطينيين، ووضعت شروطاً من أجل إعادة تقديمها مجدداً.

وتشير توقعات إلى تراجع الدعم الخارجي للسلطة الفلسطينية هذا العام؛ فقد وصل الدعم إلى مليار دولار عام 2015، و700 مليون دولار في 2016، و550 مليون دولار في 2017.

مكة المكرمة