احتجاجات العراق تتسع.. هل تنتفع الحكومة من نصائح المرجعية؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/RnAV4Y

يشهد العراق احتجاجات واسعة ضد الحكومة

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 23-11-2019 الساعة 15:30

أيام قليلة على وقف القوات الأمنية العراقية استخدامها العنف لقمع المحتجين، لتعود لممارسته مرة أخرى، في وقت تستمر فيه حكومة عادل عبد المهدي، في إعلان اتخاذ خطوات إصلاحية، وترد جموع المحتجين برفض تلك الخطوات مصرّة على مطلبها الرئيسي برحيل الحكومة عن السلطة.

يأتي ذلك في وقت تحذر فيه المرجعية الدينية الشيعية، المتمثلة بالمرجع علي السيستاني، من مصير خطير يترقب الحكومة، وكان هذا أبرز ما أشارت إليه في خطبة الجمعة الأخيرة، على لسان وكيلها عبد المهدي الكربلائي.

الأيام الأخيرة سجلت، بحسب مراسل "الخليج أونلاين"، حملات اعتقال لنشطاء، في حين يواصل آخرون الاختفاء والهرب بعد تسريب معلومات عن ملاحقتهم.

وتعرض عدد من الناشطات إلى اعتقالات وتهديد، كان من أبرزها اعتقال الناشطة ماري محمد، التي أفرج عنها بعد اختطاف دام عدة أيام، وصرحت لاحقاً في صفحتها الرسمية على إنستغرام أنه تم اعتقالها لغرض التحقيق، ولم تتعرض لأي أذى أو إساءة أو مساس.

لكنها لم تعد تمارس نشاطها المعتاد بعد الإفراج عنها في الحضور إلى ساحة التظاهر، وهو ما يعتبره ناشطون يتحدثون حول قضيتها عبر وسائل الإعلام بأنها تعرّضت لتهديد ما من قبل قوات الأمن.

عنف متعدد الاتجاهات

وعلى الرغم من العنف المستخدم بأشكال عديدة من قبل القوات الأمنية لقمع الاحتجاجات، الذي أدى إلى مقتل أكثر من 400 شخص وأزيد من 17 ألف مصاب، لكن الاحتجاجات تتسع يوماً بعد آخر.

وهذا التوسع يراه مختصون بأنه سمة مهمة تصعب على الجهات الحكومية النجاح في مساعيها لإنهاء الاحتجاجات.

العنف المستخدم، بحسب المحلل السياسي العراقي الناصر دريد، "يؤشر على بدء مرحلة جديدة تتميز بالعنف".

المحلل السياسي العراقي يقول إن مرحلة العنف الجديدة هذه ستشمل اتجاهات عديدة، "ليس في مستوى الشارع وممارسة العنف المادي فقط، إنما من خلال حملة إشاعات قوية، وحملة تشكيك وبث رسائل هدفها تشتيت جهود المتظاهرين".

وأضاف لـ"الخليج أونلاين": إنه "خلال الفترة الأخيرة ظهرت على مستوى وسائل التواصل والشارع والمحسوبين على النظام حملة دعاية مباشرة ضد المتظاهرين"، مشيراً إلى أن هذه الحملة تتحدث عن إصلاحات يتخذها عادل عبد المهدي.

ومن مشاهد حملة الدعايات -يقول الناصر دريد- "وجود حملة تشكيك في أخلاق المتظاهرين وممارساتهم، ولا ننسى أيضاً الحملة التي يقودها الناطق الأمني باسم رئيس الوزراء، عبد الكريم خلف، وفي نفس الوقت تأتي عملية القمع المباشرة".

ويتهم المتظاهرون عبد الكريم خلف بتحريف الحقائق، واتهامهم بالاعتداء على القوات الأمنية، التي يرفع عنها المسؤولية في التسبب بسقوط قتلى وجرحى بأعداد كبيرة.

ويتوقع المحلل السياسي أن يزداد القمع؛ فبحسب رأيه الذي يطابق تسريبات تناقلها الشارع العراقي، فإن خبراء أمنيين عراقيين كانوا ضمن المؤسسة الأمنية لنظام صدام حسين وفدوا إلى العراق وعرضوا خدماتهم للحكومة لقمع الاحتجاجات.

وأضاف أنه وبحسب ما يعرف عنهم فهؤلاء "عرضوا خدماتهم للنظام ولهم خبرة قوية في القمع، ويتمتعون بذكاء مهني في هذا المجال وبث الإشاعات وبث السموم".

ووصف دريد هؤلاء بأنهم "ليس لديهم انتماء عقائدي أو وطني، وهم عبارة عن مهنيين يقدم لهم المال لكي يقوموا بمواجهة الانتفاضات ومواجهة الشعوب. هذه مهمتهم وهم يقومون بها كما قيل، وإذا ما صدقت هذه الإشاعات والمعلومات فنحن مقبلون على مرحلة جديدة قد تكون أقسى من سابقاتها".

بدوره يرى المحلل السياسي العراقي، نظير الكندوري، أن عودة العنف من قبل الأجهزة الأمنية الحكومية ضد المتظاهرين السلميين من جديد "ناتج عن طبيعة رد فعل المتظاهرين الرافض لخريطة الطريق التي خرج بها اجتماع القوى السياسية العراقية الرئيسية في منزل (زعيم كتلة الحكمة النيابية)، عمار الحكيم".

وأضاف الكندوري في حديثه لـ"ألخليج أونلاين": إن "هذا العنف الذي تستخدمه الأجهزة الحكومية يتناغم بشكل كامل مع ما انتهى إليه اجتماع قاسم سليماني بزعماء النظام العراقي قبل عدة أيام من قرارات، التي تم تسريبها لاحقاً، وتفيد بضرورة فض التظاهرات بالقوة في حال لم يقبل المتظاهرون بالإصلاحات الشكلية التي سيعلنها النظام للخروج من الأزمة الحالية".

ونهاية أكتوبر الماضي، كشفت وكالة "أسوشييتد برس" عن حضور قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني، اجتماعاً أمنياً عراقياً بدلاً من رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي؛ تعهد خلاله بقمع التظاهرات.

وفي تفاصيل تقريرها تقول الوكالة: إنه "بعد يوم من اندلاع الاحتجاجات المناهضة للحكومة في العراق، مطلع أكتوبر الجاري، توجه سليماني إلى العاصمة بغداد في وقت متأخر من الليل، واستقل طائرة هليكوبتر إلى المنطقة الخضراء شديدة التحصين، حيث فاجأ مجموعة من كبار مسؤولي الأمن برئاسة الاجتماع بدلاً من رئيس الوزراء".

واستطردت تقول: إن "سليماني قال للمسؤولين العراقيين: نحن في إيران نعرف كيفية التعامل مع الاحتجاجات. لقد حدث هذا في إيران وسيطرنا عليها"، وفق مَن وصفتهم الوكالة بالمسؤولين الكبار المطلعين على الاجتماع الذين تحدثوا لها شريطة عدم الكشف عن هوياتهم.

التظاهرات مستمرة

من جانب آخر يرى الكندوري في حديثه حول مصير التظاهرات أن "المراقب لها يخرج بقناعة أن المتظاهرين مصرّون على الاستمرار بتظاهراتهم إلى حين تنفيذ كل مطالبهم".

وأضاف: "لكني في هذا الصدد أود أن أقول إن بقاء المتظاهرين على هذا الوضع دون أن تكون لهم مبادرات من قبلهم سوف يقلل الداعمين لهم مع مرور الوقت، وهذا ما يراهن عليه النظام حالياً".

ومن الأولى بقيادات التظاهرات -بحسب الكندوري- الانتقال من مرحلة رفض الخطط والعروض المقدمة لهم من النظام فقط، إلى مرحلة تقديم خريطة طريق من قبلهم لايجاد آلية واقعية تتسم بالذكاء والعقلانية لتنفيذ تلك المطالب التي يرفعونها.

وأشار إلى أن هذه المطالب يجب أن تكون متناغمة مع القوانين الدولية، ولها درجة من الواقعية تجعلها قابلة للتنفيذ؛ وبهذه الحالة سوف تكسب تظاهراتهم زخماً جديداً وتأييداً دولياً لتحقيق مطالب المتظاهرين.

الاحتجاجات تتوسع جغرافياً

في ذات السياق يرى الناصر دريد، الذي يطلق على الاحتجاجات الشعبية وصف "الانتفاضة"، وأنها "تشهد تطوراً نوعياً في الوعي"، أن "الانتفاضة بحاجة ماسة إلى تنسيق العمل وتكوين القيادات من داخلها، وشمولية الرؤية بالنسبة للانتفاضات في جميع المحافظات، لكي تتحول إلى قوة واحدة".

وذكر أن "الانتفاضة" توسعت ميدانياً على المستوى الجغرافي، "حيث بدأت في جسر الجمهورية، ونحن على أعتاب أن ندخل الجسر الخامس"، في إشارة إلى الاحتجاجات التي انطلقت من ساحة التحرير ببغداد وتوسعت باتجاه عدة جسور باتجاه المنطقة الخضراء، حيث مقرات الحكم.

وقال إن هذا التوسع هو "عملية تطويق للنظام على الرغم من جميع الإجراءات التي يمارسها النظام من الجهة الثانية".

واستطرد قائلاً: "ومن ثم مثلما تتطور الانتفاضة فإن خصومها من أعدائها وأعداء الشعب في هذه المرحلة يطورون إمكانياتهم وقدراتهم، ونحن نتوقع شتاءً ساخناً"، في تعبير عما ستحمله الفترة المقبلة من أحداث.

من ناحية أخرى يقول دريد إنه متفاجئ من ردة الفعل الشعبي، بل إنه "يفاجئ العالم بأكمله"، بحسب قوله؛ وذلك لأنه "كلما ازداد القمع ازداد الشعب استبسالاً، وكلما ازدادت حملات التشكيك يزداد ثباتاً".

وتابع: "إن ما يجري خارج سياق المنطق. يفترض في هذه المرحلة أن يصاب المتظاهرون بالوهن والتعب والإرهاق وغيره، لكن يبدو أنه ليس هناك ما يستطيع النيل من ثباتهم وعزيمتهم بشكل غير منطقي، وغير معقول من الناحية الطبية أيضاً".

ويستمر مئات المحتجين في الإقامة داخل ساحة التحرير، منذ 25 أكتوبر الماضي، دون أن يغادروها، في حين يفد إلى المكان آلاف آخرون يومياً لدعم الاحتجاجات وبقائها.

تأثير المرجعية على سير الاحتجاجات

في العراق دائماً يوجد للمرجعية الدينية أثر على النطاق السياسي والشعبي؛ وهو ما كان حاضراً في الاحتجاجات.

وتنصح المرجعية، التي يمثلها علي السيستاني، الذي يقلده ملايين الشيعة في العراق والعالم، بأن تعتمد الحكومة سياسة جديدة مبنية على الإصلاح ومنع الفساد، والاستماع إلى رأي المتظاهرين.

وكانت الخطبة الأخيرة في الجمعة الماضية تحمل تهديداً بضياع الحكم، وقال عبد المهدي الكربلائي، ممثل المرجعية: "قد يؤدي سفك الدماء إلى زوال الحكم وانتقاله إلى آخرين".

يقول المحلل السياسي الناصر دريد في هذا الصدد: "إن حللنا بشكل محايد وموضوعي رأي المرجعية الأخير من الانتفاضة أعتقد أن المرجعية تخاطب السلطة الحالية الذين كما نعرف جميعاً في السياق التاريخي كان لها الدور الأكبر في ولادته؛ فالمرجعية والولايات المتحدة الأمريكية نتجت جهودهما عن ولادة هذا النظام عند كتابة الدستور في 2005".

وأضاف: "الآن المرجعية لم تنفض يدها نهائياً من النظام. وقدمت ما يشبه الفرصة الأخيرة، وهذه الفرصة مشروطة؛ إذ تقول للنظام إن بقاءكم مرهون بالإصلاحات، وهي لم تقل حتى الآن لا أمل بالإصلاحات؛ وعليه فهي منحت الفرصة الأخيرة للنظام على أن يستغل هذه الفرصة على الوجه الأكمل ويصلح حاله".

وتابع: "السؤال هنا: ماذا لو لم يستفد النظام من هذه الفرصة الأخيرة، هل ستغير المرجعية رأيها وتسقط نهائياً الشرعية عن هذا النظام كما يتوقع كثيرون؟".

لكن دريد لا يعتقد أن هناك فرصة لإصلاح هذا النظام، وهو يختلف مع المرجعية في هذه النقطة، بحسب تأكيده.

وأشار إلى أن "المرجعية ربما تشعر أنها في إطار مسؤولية شاملة كبيرة، وربما تشعر أنه ليس هناك بديل جاهز، سواء في ذهن الشعب أو لديها أو على المستوى الدولي والإقليمي، وربما تشعر بأن سقوط النظام سيصب في صالح أطراف إقليمية معينة، بخلاف ما يعتقد الناس".

ولفت النظر بالقول: "لكن ما نعرفه أنها أعطت فرصة للنظام، وأنا شخصياً لا أعتقد بأن النظام سيستغل هذه الفرصة على الوجه الأمثل، وعلى جميع الأطراف التي تخاف من البديل أن تفكر في البديل لأن هذا ما ستواجهه في النهاية".

من ناحيته فإن المحلل السياسي نظير الكندوري يرى أن المرجعية في خطبتها الأخيرة "كانت تحاول اختزال مطالب المتظاهربن والتضحيات التي بذلت من أجلها بمجرد إقرار قانون انتخاب جديد ومفوضية جديدة".

وقال: "لكن مطالب المتظاهرين أبعد من ذلك بكثير؛ هم يطالبون بإسقاط النظام بكافة مؤسساته التي بنيت بشكل طائفي، وأُسست على شرعنة الفساد، وقد ردت اللجنة المنظِّمة للتظاهرات على خطبة المرجعية بالقول: إن المرجعية تحاول حماية أحزاب السلطة".

لكن الأمر الأكثر خطورة في خطبة المرجعية -بحسب الكندوري- هي الإشارة الخفية للخطاب الطائفي، حينما قالت إن استمرار الوضع على ما هو عليه الآن سيقوض السلطة، ومن الممكن انتقالها لآخرين.

السيستاني يقصد، وفقاً للمحلل السياسي العراقي، أن "الحكم الحالي بيد الشيعة، وسقوطه يعني انتقاله للسنة أو للبعثيين، من خلال الإشارة لهم بالآخرين".

واعتبر أن هذا الخطاب هو "طائفي"، وأن المرجعية  والأحزاب الشيعية "طالما استخدمته لإقناع أتباع هذا المذهب بالالتفاف حول تلك الأحزاب"، بحسب قوله.

وقال: "على ما يبدو فإن المرجعية والأحزاب التي تدعمها لم تلاحظ التغير الكبير الذي حدث في طريقة تفكير الشباب العراقي اليوم، سواء الشيعة منهم أو السنة".

وأكد أن هؤلاء الشباب "تجاوزوا لوثة الطائفية التي كانت تزرعها في عقولهم المرجعيات والأحزاب الطائفية"، مشدداً بأن "المستقبل لهؤلاء الشباب الذي لا يمتلك مرجعيات سوى المرجعية الوطنية العراقية".

الاكثر قراءة

مكة المكرمة