الإمارات تجنّد العمال والمراسلين كمخبرين برتبة "أخ".. للداخل والخارج

تؤدي هذه الفئة دوراً كبيراً في خدمة العمل الشرطي

تؤدي هذه الفئة دوراً كبيراً في خدمة العمل الشرطي

Linkedin
whatsapp
السبت، 10-03-2018 الساعة 19:00

تكشف التسريبات والأخبار، يوماً بعد يوم، خطط حكومة أبوظبي، التي تهدف من خلالها إلى تعزيز سطوتها على المجتمع في الإمارات، بشتى الطرق حتى على حساب انتهاك حقوق العمالة الأجنبية ومخالفة القوانين الدولية وتجاوُز الأعراف القبلية، واستقدام عملاء أو ما يُعرفون بـ"الفئة المساندة"؛ للتجسس على المقيمين أو المواطنين.

 

وضمن ما يُعرف بفعاليات "اليوم الترفيهي المفتوح"، الذي نظمته الإدارة العامة للتحريات والمباحث الجنائية يوم 10 مارس 2018، للعاملين في قطاع البحث الجنائي ممن يسمى "الفئة المساندة"، كشفت شرطة دبي، رسمياً، النقاب عن تجنيدها فئات العمّال والمراسلين، ليكونوا مخبرين يعملون لصالح الجهات الأمنية، لا سيما جهاز الشرطة.

 

وتكريماً لدور تلك الفئة في تزويد جهاز الشرطة بمعلومات عن السكان في البلاد، وجَّه اللواء خليل المنصوري، مساعد القائد العام لشؤون البحث الجنائي، خلال الحفل، بمناداة العمّال والمراسلين بأسمائهم وكنياتهم وإضافة لقب "الأخ" إلى أسمائهم، بحسب ما تذكره صحيفة "الاتحاد" الإماراتية الرسمية.

 

وبناء على الدور الكبير الذي تؤديه هذه "الفئة" في خدمة العمل الشرطي منذ سنوات طوال، وتقدَّر أعدادهم بالآلاف، وجَّه المسؤول الأمني الكبير الجهات الحكومية بعدم مناداة "الفئة المساعِدة أو المسانِدة" باسم عامل أو أي اسم يمكن أن يُنقص من قدرهم.

 

ويشارك الإدارات العامة في الاحتفالات أكثر من 1000 شخص سنوياً من "الفئات المساعِدة"، بأنشطة وفعاليات ترفيهية ومسابقات رياضية، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام)، التي نقلت عن اللواء محمد سعيد بخيت، مدير الإدارة العامة للخدمات والتجهيزات بشرطة دبي، أن من ضمن الفئات التي تستخدمها الدولة ضمن "الفئة المساندة" من ذوي الإعاقة؛ لأنهم ما زالوا يؤدون المهام المنوطة بهم على أكمل وجه.

 

وفي يونيو 2015، استحدثت الإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب في دبي إدارة "الفئات المساعدة"؛ بهدف متابعة شؤون الأجانب والمخالفين في دبي، إلا أن التصريحات والتسريبات الإخبارية تكشف استخدام جهاز الشرطة الإماراتي هذه الفئة وتسخيرها في عمليات تجسس داخلياً وخارجياً لصالح الحكومة.

 

وعدَّت الإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب بدبي هذا الاستحداث بأنه يدخل في إطار حرص إقامة دبي على حماية حقوق "الفئات المساعدة"، وسعياً للحفاظ على العلاقة بينهم وبين كفلائهم ومكاتب الاستقدام، وحل المسائل المتعلقة بهذه الفئة، حيث تعمل هذه الفئة بتوجيهات من وزير الداخلية الإماراتي، سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، الذي يؤكد أن إدارة الفئات المساعدة ستكون في تطور مستمر لتقدِّم الأفضل لعملائها، بحسب صحيفة "البيان" الإماراتية.

 

اقرأ أيضاً:

هل يحرك "التجسس الرقمي" رياح التغيير بين شيوخ الإمارات؟

 

وعن مكاتب الاستقدام التابعة للحكومة الإماراتية، كشفت تسريبات -نشرتها صحف غربية مؤخراً- عن تجنيد حكومة أبوظبي مواطنين من بلدان عربية وأفريقية فقيرة للعمل ضمن صفوف القوات المسلحة الإماراتية في اليمن أو تدريبهم للعمل كجواسيس لصالح الإمارات، حيث يتم التجنيد عن طريق مكاتب خاصة (داخل الإمارات)، تعمل على استقدام المجندين بدعوى توافر العمل مع رواتب سخية، وأحياناً منح للجنسية.

 

- تجسس وعملاء

 

بعد اندلاع الثورات العربية عام 2011، دخلت دولة الإمارات مجالاً أمنياً شائكاً، يرى كثيرون أنه يتناقض مع بيئتها الاجتماعية ونظام الحكم القائم على تقاسم إدارة الدولة منذ اتحادها سنة 1971، وبدت مؤخراً ملامح وسلبيات هذا المجال تتكشف يومياً، ككرة الثلج، تكبر كلما تدحرجت أكثر، منها ما يتداوله الإعلام الغربي فيما يخص المجتمع الإماراتي، والآخر ما يخص التدخلات وزرع العملاء خارج البلاد ودعمهم مالياً بسخاء.

 

ووصل هذا التدخل حتى للتأثير على إرادة الناخبين في بلدان أخرى، كما هو الحال في الانتخابات الأمريكية الأخيرة، حيث تُوجَّه أصابع الاتهام نحو تدخُّل ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، في الانتخابات وعلاقاته المشبوهة مع صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي يغرد هو الآخر خارج سياسة الكونغرس الأمريكي وتحوم حوله أصابع الاتهام أيضاً بأنه متورط في عقد لقاءات مشبوهة مع مقربين من الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قبل الانتخابات الأمريكية الأخيرة.

 

مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية ذكرت في تحقيق صحفي مطول، نشرته يوم 21 ديسمبر 2017، أن محمد بن زايد قد أنفق بسخاء على إنشاء أنظمة تجسس مخيفة لا تستثني أحداً؛ من أفراد ومؤسسات ومبانٍ وشوارع. وحالياً، تمثل هذه المنظومات أكبر تهديد لهيكلية الدولة؛ بسبب الصراعات بين الشركات الأمنية والشيوخ والمسؤولين القائمين عليها، واستفزاز بعضهم بعضاً أمنياً، حيث إنَّ ربط هذه الشبكات الرقمية لتعقُّب تحركات المواطنين وكذلك الشيوخ، بات خطراً يهدد مسيرة الاتحاد منذ 47 عاماً.

 

ومنذ نحو 8 سنوات، تقود دولة الإمارات الثورات المضادة لثورات "الربيع العربي"، حسبما أثبتت مواقفها في أكثر من دولة، وقد أودعت، منذ عام 2012، العشرات من مواطنيها في السجون، وجرَّدتهم من حقوق المواطَنة، وشملت هذه الخطوات أفراداً من أبناء العائلة الحاكمة في إمارة رأس الخيمة، من بينهم رئيس جمعية "الإصلاح" الشيخ سلطان بن كايد القاسمي، كما شملت أفراداً من كبرى قبائل الإمارات؛ منها: بني ياس والشامسي والمنصوري والنعيمي وقبائل أخرى؛ على خلفية المطالبة بإصلاحات حكومية.

 

اقرأ أيضاً:

فورين بوليسي: أبوظبي أنشأت أكبر قاعدة تجسس بالخليج

 

ومنذ بداية الحملة الأمنية، التي شنها جهاز الأمن الإماراتي، بتوجيه من محمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي والقائد العام للقوات المسلحة، اعتبرها العديد من المراقبين بداية تصفية حسابات جهات نافذة في الدولة وأجهزتها الأمنية مع ما يُعرف بالتيار الإصلاحي، أو كل من يخالف توجُّهات الحكومة ويعبِّر عن رأيه أو النشاط بمجال حقوق الإنسان أو مراقبة الانتهاكات بالسجون أو بث صور لمخالفات؛ لأن أبوظبي تعتبرها جميعاً تهديداً لأمنها القومي.

 

وشملت هذه الانتهاكات التي ترتكبها حكومة الإمارات حتى المقيمين على أراضيها؛ إذ تَخرج بين الحين والآخر عشرات المناشدات من داخل السجون الإماراتية لمعتقلين من اليمن وسوريا ومصر وبريطانيا وتركيا وغيرها، تطالب المنظمات الحقوقية ومجلس حقوق الإنسان بالتدخل وكشف ما يتعرضون له من انتهاكات وتعذيب نفسي وبدني يفتقد أدنى إنسانية بشرية.

 

ومع انتفاض الشارع العربي ومطالباته بالتغيير، وتهاوي بعض أنظمة الحكم، شنّت أبوظبي حملات أمنية واسعة داخلياً، وبدأت بالتوسع خارجياً. واستجلبت خبراء وشركات أمن إلكتروني ومعلوماتي من مختلف أنحاء العالم؛ لضبط إيقاع الشارع الإماراتي ومحاولة تحصين نظام الحكم في الدولة، وملاحقة من هم خارج البلاد، بالتعاون مع أجهزة استخباراتية، تشير تقارير صحفية إلى أن هذه الأجهزة لها ارتباط بـ"الموساد" الإسرائيلي.

 

- مجتمع استخباراتي

 

أبدت أبوظبي اهتماماً خاصاً في محاربة التنظيمات الدينية داخل البلاد؛ ليُفتح الباب أمام أول نفوذ لوكالة الاستخبارات الأمريكية عن طريق "لاري سانشيز" في أبوظبي، وإنشائه إمبراطوريته الاستخباراتية، بحسب جون ألترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.

 

ويكشف تحقيق "فورين بوليسي" أن الإمارات دفعت أموالاً طائلة لمسؤولين سابقين في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية الـ(CIA)؛ لمساعدتها في بناء إمبراطورية تجسس بمنطقة الخليج، وأنشأت أبوظبي موقعاً أُطلق عليه "الأكاديمية"؛ لإدارة وتدريب المجندين الإماراتيين، على بُعد 30 دقيقة من العاصمة.

 

اقرأ أيضاً:

بالتجسّس والتسريبات.. هكذا تدار المؤسسات الرياضية بالإمارات

 

وتنقل المجلة الأمريكية عن 6 مسؤولين استخباراتيين سابقين شاركوا في بناء النظام الاستخباراتي الإماراتي، أن الشخص الرئيس وراء العملية هو "سانشيز"، وهو ضابط مخابرات سابق من قدامى المحاربين في الخدمات السرية في الـ"CIA".

 

وساعد سانشيز على بناء شراكة أثارت جدلاً واسعاً حينها بين وكالة الاستخبارات المركزية وإدارة شرطة نيويورك، لتعقب المتطرفين والإرهابيين المحتملين، وتتبُّع الناس في المساجد والمكتبات، لكن علاقته بالمسؤولين الإماراتيين تؤهِّله لأداء هذا الدور، وهو الدور الذي تضطلع به حكومة أبوظبي في تتبُّع المواطنين والمقيمين عن طريق تجنيد عملاء من بلدان فقيرة أو أخرى تعاني صراعات، وتقدم لهم دعوات رسمية بذريعة توافر فرص العمل.

 

وبدأت ملامح تشابك المجتمع الاستخباراتي في الإمارات تتكشف خلال الأشهر الأخيرة، لا سيما بعد مغادرة بعض المسؤولين أماكن عملهم، معربين عن مخاوفهم الكبيرة من صعوبة إدارة هذا المجتمع، وإنشاء بيئة عمل "مسمومة"، وتأثيرها سلباً على إدارة الدولة.

 

ويرى خبراء الأمن والمعلومات أن الدولة قد قيَّدت نفسها بمنظومات أمنية لا تراعي مصالح أبوظبي بقدر ما تراعي مصالحها الخاصة، في حين يذهب العديد من متابعي الشأن الإماراتي للقول إن حكومة الإمارات تراهن في الوقت الحالي، على استقدام عملاء من الخارج تحت اسم "الفئة المسانِدة" وتسخيرهم في عمليات التجسس وجمع المعلومات الأمنية داخلياً وخارجياً وتزويد الجهات الأمنية بها، لا سيما جهاز الشرطة.

 

- تجسُّس في غرف النوم

 

شركة "دارك ماتر" الإماراتية أعلنت مؤخراً، أنها ستعيِّن مديراً تنفيذياً جديداً في أبريل المقبل، ليكون بديلاً عن مؤسس الشركة ورئيسها فيصل البناي، وذلك بعد أسابيع من تأكيد "البناي" فضيحة شركته حول التجسس على الإماراتيين والمقيمين في الدولة لصالح جهاز أمن الدولة.

 

وقال فيصل البناي، مؤسِّس شركة "دارك ماتر"، إن كريم الصباغ، مالك ومشغل شركة أقمار اصطناعية شهيرة في لوكسمبورغ، سيتولى منصب الرئيس التنفيذي اعتباراً من أبريل المقبل، في حين يصبح "البناي" مديراً إدارياً فقط في الشركة.

 

وتشارك "دارك ماتر" في عمليات القرصنة على الرغم من اعترافه بعلاقات الشركة الوثيقة مع الحكومة الإماراتية، فضلاً عن توظيفها محللي وكالة الاستخبارات المركزية والاستخبارات الوطنية السابقين، حسبما نقلت وكالة "أسوشييتد برس" الأمريكية عن البناي في فبراير الماضي.

 

ويحذر خبراء ومنظمات حقوقية من استخدام هذه الخبرات لاستهداف نشطاء حقوق الإنسان، الذين سُجن بالفعل العشرات منهم في الإمارات، الحليف الرئيس للولايات المتحدة في الشرق الأوسط طيلة السنوات الماضية.

 

ويؤكد البناي أن الشركة تترك -في أثناء اختيار عملائها- القرارات الأخلاقية المتعلقة بالخصوصية والمراقبة في استخدام تكنولوجيتها القوية، لعملائها الحكوميين، وضمْن ذلك شرطة دبي، الأمر الذي يضع الشركة وحكومة أبوظبي تحت مظلة الدول التي لا تحترم خصوصية الأفراد وتنتهك أبسط حقوق المواطن والمقيم.

 

وتراقب "دارك ماتر" كل شيء في الإمارات السبع، يقول البناي للوكالة الأمريكية، ويمكنها التقاط الصور باختراق كاميرات التصوير وتقديم تقارير سريعة، كما حدث مع المعتقل الإماراتي المعارض أحمد منصور، وكيف تعرَّض لمحاولات اختراق متعددة، اتُّهمت فيها الشركة نفسها.

 

وتتهم منظمات حقوقية دولية "دارك ماتر" (يعمل بها 650 موظفاً) بضلوعها في اختراق حسابات "تويتر" ومنصات التواصل الاجتماعي الأخرى، وملاحقة صحفيين وناشطين داخل الإمارات وخارجها.

 

وتقول الشركة إنها -من خلال عمليات التجسس- قد حققت أرباحاً بأكثر من الضعف، العام الماضي، لتصل إلى 400 مليون دولار شهرياً، وأن 80% من عقودها تمت مع الحكومة الإماراتية.

 

وطالت خيوط التوظيف في الشركة الكثير من خبراء الشبكة الإلكترونية وحمايتها، بعضهم تمّ التواصل معهم أكثر من خمس مرات، وفي بعض عروض العمل فرصة للعيش بالإمارات من دون دفع ضرائب مع تأمين مأكل وإقامة وطبابة وتعليم مجاناً، حتى إن بعض العروض وصلت إلى نصف مليون دولار سنوياً.

 

ويقول مختصون إن هذه الفرق التي تقود التجسس في دولة الإمارات تكشف عن طبيعة توجيه الأوامر ومستقبل الإماراتيين، حيث لا تتوقف عمليات المراقبة عند أي معايير أخلاقية أو مع خصوصيات المواطنين، ولا على نوع الأداة المستخدمة؛ سواء كانت شركات إسرائيلية أو أمريكية أو مخترقين عابثين ببيانات من يخترقونهم وخصوصياتهم وصورهم وعائلاتهم.

 

وطبيعة هذا التجسس ليست على الناشطين الحقوقيين أو المعارضين فحسب؛ بل تضم مسؤولين حكوميين وضباطاً في الجيش، إلى جانب الشيوخ وكبار رجالات الدولة، الأمر الذي يعتبره معارضون إماراتيون انتكاسة وارتكاسة جديدة سيئة تتعلق بالجهاز الأمني وانقضاضه على استحقاقات الشعب الدستورية، ومحاربته الإرث الإماراتي وتهجُّمه على العادات والتقاليد.

مكة المكرمة