الإمارات والسيسي.. تحالف قائم على المساومة والابتزاز

الإمارات كانت أحد مهندسي انقلاب السيسي

الإمارات كانت أحد مهندسي انقلاب السيسي

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 08-12-2017 الساعة 10:55


تقترب الانتخابات الرئاسية في مصر، ومعها تزداد وطأة الضغوط السياسية والاقتصادية على الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي يواجه أوضاعاً شديدة التراجع على جميع الأصعدة، الأمر الذي دفعه لمحاولة استعادة رضى حلفاء خليجيين بدوا غير راضين عن ممارسته خلال الفترة الأخيرة.

ومنذ انقلابه على الرئيس محمد مرسي، في يوليو 2013، كانت الإمارات في طليعة داعمي نظام السيسي، سياسياً ومالياً، فمدّت له يدها بالمال وحرّكت دبلوماسييها لدعم انقلابه في الغرب، فضلاً عن الأحاديث المتواترة بشأن دورها القوي في الترتيب للانقلاب.

وبعد ثلاث سنوات من حكم السيسي، تبدو بعض الخلافات بين الطرفين جلية في عدد من الملفات الهامة والمحورية بالمنطقة، وخصوصاً فيما يتعلق بسوريا واليمن ومن خلفهما إيران، وذلك بالتزامن مع تراجع وتيرة الدعم الإماراتي المالي للقاهرة، والذي كان في أوج قوته فور تصدّر السيسي للمشهد السياسي عقب إطاحته بجماعة الإخوان المسلمين.

مؤخراً، بدت "سياسة العصا والجزرة" هي الغالبة في تعاطي كلا الطرفين مع الآخر، وإن كان التحالف بينهما ما يزال قائماً بقوة، إلا أن تطورات جديدة تعكس محاولات كليهما ترغيب الآخر وترهيبه في آن، اعتماداً على أوضاع شديدة التوتر تعصف بالمنطقة.

وفي حين يتخذ السيسي من الاضطرابات الإقليمية ورغبة الإمارات في بسط سيطرتها ومشاريعها الخاصة على دول المنطقة أساساً لمساومتها، تتخذ أبوظبي من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي لمصر وسيلة للي ذراع السيسي وإرغامه على دعم مشاريعها التوسعية المحاطة بالشبهات.

السيسي 1

اقرأ أيضاً :

تقرير أممي يكشف تمويل الإمارات لهجوم إرهابي بالصومال

- سيطرة إمارتية

وفي مشهد جديد من مشاهد اتساع النفوذ الإماراتي بمصر، بدأت الأخيرة، الخميس 7 ديسمبر 2017، مذكرة تفاهم بشأن التعاون المالي والفني مع أبوظبي، وهي مذكرة تثير تساؤلات بشأن حجم النفوذ الإماراتي في مصر، وحصولها على امتيازات اقتصادية غير مسبوقة.

الاتفاقية تم توقيعها في أبوظبي، مطلع العام الجاري، ووافق عليها مجلس النواب بمصر، يوليو الماضي، في جلسة لم تستغرق سوى عدة دقائق، وتنص المادة الـ13 منها على إنشاء "مجلس تنسيقي معني بالتعاون المالي والفني".

ومن البنود المثيرة للجدل أيضاً المادة الـ14 والتي تنص على "منع مصر من سن قوانين تؤثر على اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمار المشترك"، وكذا المادة الـ15 التي تنص على "تسوية أي خلاف ودياً بين الطرفين عن طريق التفاوض والمشاورات، وليس المحاكم".

المستشار الاقتصادي للمجموعة الدولية وإدارة المراكز التجارية أحمد خزيم، قال إن تمييز دولة خارجية تستثمر في مصر "غير جائز"، كما أنه "لا يجوز تقييد القانون الوطني لصالح أي اتفاقية".

وأوضح خزيم، في تصريحات صحفية، أن إلزام القوانين المصرية بأن يكون هناك نوع من الحماية للدولة المستثمرة "يجعل الاتفاقية الأخيرة أقوى من إرادة الدستور المصري"، مشيراً إلى أن عقد مثل تلك الاتفاقيات "بمثابة شراء للإرادة والقرار الاقتصادي المصري".

لكن خزيم يؤكد أنه "من السهل جداً الطعن بعدم دستورية الاتفاقية؛ لأنها تصنع تمييزاً مخالفاً للدستور".

ويعرف البرلمان المصري الذي انتخب عام 2015، بالانصياع الكامل لرغبات السيسي، وعدم معارضته لأي من الاتفاقات التي يبرمها أو للقرارات التي يصدرها بالمخالفة للدستور الذي تمت صياغته بعد الانقلاب، وتحت عين وسمع السيسي.

مذكرة

- فاتورة الدعم

في السياق، يقول رئيس المعهد الأوروبي للقانون الدولي والعلاقات الدولية محمود رفعت، إن الاتفاقية "نتيجة طبيعية لدور الإمارات في بمصر"، مضيفاً: "هذا نتيجة تصعيد من هو غير مؤهل لسدة الحكم (السيسي)، والذي يعطي بدوره ولاءً أعمى لمن صعّده؛ على حساب شعبه".

وفي تصريح صحفي، أكد رفعت أن "الإمارات هي التي صعّدت السيسي، قولاً واحداً، وهي التي موّلت حركة تمرّد (التي قادت التظاهرات ضد مرسي عام 2013)، وجميع الاضطرابات قبل أحداث 30 يونيو (التي اتخذها السيسي ذريعة للانقلاب)".

وعلى هامش مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي الذي عقد منتصف مارس 2015، وقعت الإمارات ومصر وفرنسا مذكرة تفاهم رسمت الخطوط العريضة للمشاريع التنموية المقدمة من أبوظبي "انطلاقاً من رغبتها في الوقوف إلى جانب مصر لإعادة بناء اقتصادها واستعادة المكانة التي تليق بها باعتبارها مركز ثقل وصمام أمان للاستقرار والنمو الاقتصادي للمنطقة".

واعتمدت الإمارات خطة إنعاش للاقتصاد المصري تقوم على تنشيط ستة قطاعات رئيسية هي: الطاقة، والسياحة، والزراعة، والإسكان، والتعدين، وصناعة النسيج، بالإضافة لحشد تأييد سياسي واقتصادي واسع النطاق لمصر.

واقتصادياً، جاء الدعم الإماراتي لمصر في صورة منح مالية وتشغيلية من خلال مجموعة واسعة من برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن دعم فني لخطة الإنعاش والتنمية الاقتصادية، في إطار هذه الجهود.

وخلال السنوات الأربع الماضية، قدّمت الإمارات منحة بمليار دولار، ووديعة بملياري دولار، أعقبتهما بـ4.9 مليارات دولار لإقامة مشاريع خدمية، إضافة إلى تمويل شراء كميات من الوقود لتأمين احتياجات مصر من الطاقة حتى 2015.

كما موّلت مبادرات ومشاريع متنوعة بهدف تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ووفقاً للبنك المركزي المصري تحتل دولة الإمارات المركز الأول من حيث الاستثمارات العربية المباشرة الموجودة بمصر، بقيمة 401.2 مليون دولار.

ومن حيث الأهمية النسبية لحجم التجارة مع مصر، قال المركزي المصري: إن الإمارات "احتلت المركز الأول بنسبة 8.9 بالمئة من إجمالي حجم التجارة مع الدول".

وبحسب الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، فقد قدمت الإمارات 14 مليار دولار لمصر منذ يوليو 2013 وحتى مارس 2015.

وأضاف بن راشد، في نوفمبر 2015، أن الإمارات "تدعم مصر بمساعدات جديدة بقيمة 4 مليارات دولار، منها مليارا دولار يتم إيداعهما في البنك المركزي، وتوظيف ملياري دولار لتنشيط الاقتصاد المصري عبر مبادرات".

وبحسب تصريح سابق للشيخة لبنى بنت خالد القاسمي، وزيرة التنمية والتعاون الدولي بالإمارات، فإن المساعدات التي قدمتها الجهات المانحة الإماراتية إلى مصر خلال عام 2013 وحده، بلغت 16.99 مليار درهم إماراتي (أكثر من 4 مليارات دولار)، تمثل 78.57 بالمئة من إجمالي التمويل الإماراتي المقدم خلال عام 2013.

السيسي 2

- حد أدنى والضغط بالبديل السياسي

ولا تزال دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات، تحافظ على الحد الأدنى من الدعم المالي والعيني لمصر، والذي تقلص بشكل ملحوظ، منذ مطلع العام الجاري؛ لأسباب مختلفة.

وتباينت تقديرات عدد من الخبراء والمحللين السياسيين والاقتصاديين بشأن هذا التراجع وأسبابه، ما بين عدم رضى الإمارات عن نظام السيسي وأدائه، وما بين تأثر دول الخليج سلباً بأسعار النفط، وما نتج عنها من مراجعات في سياساتهم الاقتصادية.

في الفترة الأخيرة عادت الأحاديث عن دعم أبوظبي القوي للمرشح الرئاسي السابق الفريق أحمد شفيق، كبديل للسيسي؛ حال لم يستطع الأخير تنفيذ أجندتها في مصر، وقد زادت هذه الأحاديث قوة بعد إعلان شفيق، الشهر الجاري، عزمه خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة.

ومع أن الإمارات اعتقلت شفيق ومنعته من السفر إلى فرنسا ثم قامت بترحيله إلى القاهرة بعدما تحفظت على بناته وزوجته، فإن هناك من يقول إن ما يجري لا يعدو كونه محاولة مكشوفة لتبييض وجه شفيق، وتصويره بأنه معارض لسياسات أبوظبي، على عكس الواقع.

وكان شفيق، وهو رئيس وزراء سابق وقائد لسلاح الجو المصري، يقيم في الإمارات منذ خسارته انتخابات الرئاسة أمام محمد مرسي عام 2012، وقد حصل على براءة من اتهامات بالفساد، كما أسقطت عنه تهم مماثلة.

شفيق

وحالياً، يخضع شفيق، بحسب صحف غربية، لإقامة جبرية في أحد فنادق منطقة القاهرة الجديدة. وقالت مصادر مقربة من شفيق لـ"الخليج أونلاين"، إنه يقيم حالياً في فندق "جي دبليو ماريوت"، وإنه يتعرض لضغوط كبيرة للعدول عن الترشح للرئاسة.

مصدر آخر أكد لـ"الخليج أونلاين"، أن السيسي يشعر بمخاوف كبيرة من قرار شفيق الأخير، ولا يستعبد أن يكون جزءاً من خطة خليجية للاستغناء عن خدماته (السيسي) في مصر.

وأوضح المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أن ما يحدث حالياً هو "صراع دول على اختيار الرئيس القادم لمصر"، معرباً عن اعتقاده بأن شفيق "جاء ليحكم".

وتابع: "رئيس جهاز المخابرات وأحد أعضاء المجلس العسكري التقوا شفيق، لكن لا تفاصيل معروفة". كما أعلنت حملة شفيق، في بيان، أن وزير الدفاع الأسبق، المشير محمد حسين طنطاوي، اتصل به وطلب منه إعادة النظر في مسألة ترشحه.

اقرأ أيضاً :

أسرار "الطعنة الإماراتية" بخاصرة حكم "مرسي" في مصر

- مغازلة ومناوأة

في مايو الماضي، عاد السيسي إلى توجيه الشكر للإمارات في خطاباته العامة، وهو الأمر الذي كان قد توقَّف عنه منذ مدة، وهو ما أثار أسئلة كثيرة حول دوافع هذا الشكر.

وخلال افتتاح عدد من المشاريع بمحافظة قنا، جنوبي البلاد، وجَّه التحية والشكر لدولة الإمارات على تقديمها الدعم لمصر في مشروع الـ 25 شونة لتخزين القمح والغلال، مؤكداً أن الدعم الإماراتي لهذا المشروع جاء ضمن برنامج الدعم الذي تقرَّر عقب الثالث من يوليو 2013.

وكان السيسي قد زار الإمارات في الـ3 من مايو 2017، بالتزامن مع وصول الزيارات المتبادلة بين مسؤولي البلدين إلى 11 زيارة منذ وصول السيسي للسلطة في 2014.

ويطمح السيسي، على ما يبدو، إلى الحصول على دعم إماراتي وخليجي له للترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة في 2018، بعد التلميح الذي كان أقرب للتأكيد على الترشح في المؤتمر الدوري للشباب في محافظة الإسماعيلية والذي سبق زيارته لأبوظبي بأيام.

لكن يبدو أن السيسي، أيضاً، يخشى من ظهور مرشح قوي يمكنه مواجهته في الانتخابات، بعد تراجع شعبيته خلال الفترة الأخيرة بشكل ملحوظ، وفقاً لاستطلاعات رأي.

السيسي

ومما زاد من مخاوف السيسي تلك الرسالة التي بثَّتْها صحيفة "الوطن" القريبة من السلطة، أثناء سفر السيسي لأمريكا، والتي تحدثت عن تحركات يقودها شفيق داخل الجيش ضد السيسي، وأسفرت عن إقالة عدد من ضباط المخابرات العامة عقب عودة السيسي من زيارته الأخيرة لأمريكا في أبريل من العام الجاري.

مفاجأة ترشح شفيق للرئاسة وعودته لمصر، أعقبت موقف السيسي المناهض لسياسة الإمارات والسعودية فيما يتعلق بالتصعيد مع إيران، والتدخل في الشأن اللبناني عبر إجبار رئيس الحكومة سعد الحريري على تقديم استقالته، واعتقاله لأسبوعين بالرياض، قبل أن يتدخل الرئيس الفرنسي لإطلاق سراحه.

وكان السيسي أعرب لقناة "CNBC" الأمريكية، في نوفمبر الماضي، عن رفضه التدخل في الشؤون اللبنانية، مؤكداً أنه ضد أي عقوبات يتم فرضها على "حزب الله"، في مناهضة واضحة للموقف السعودي الإماراتي بهذا الصدد.

وإجمالاً، فإن كثيرين يؤكدون أن الدعم الإماراتي للسيسي لن يكون بعيداً بحال عما سيقدمه من خدمات لأجندتها التوسعية بالمنطقة وحربها الشرسة على الحركات الإسلامية، وفي مقدمتها الإخوان المسلمون. كما أن كثيرين يؤكدون أن أبوظبي ستطلب هيمنة شبة كاملة على القرار المصري مقابل أي دعم لاحق.

مكة المكرمة