التعاون الخليجي العراقي.. هدف استراتيجي يواجه تحديات كبيرة

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/1kEJjy

الحجرف زار بغداد 1 فبراير 2021

Linkedin
whatsapp
الاثنين، 01-02-2021 الساعة 20:35

يواصل مجلس التعاون الخليجي اتخاذ مزيد من الخطوات باتجاه تصحيح مسار علاقاته بالعراق وتوسيع الشراكة بين بغداد ودول المجلس على مختلف الصعد، وهي محاولات تدخل في صميم محاولات تحجيم النفوذ الإيراني بالمنطقة.

فقد شهدت العلاقات العراقية الخليجية تطوراً ملموساً خلال السنوات القليلة الماضية، بعد جفاء استمر أكثر من 30 عاماً، وقد تبلور هذا التطور في محاولات تعزيز الشراكة السياسية والأمنية والاقتصادية بين الجانبين.

وفي هذا السياق، وصل الأمين العام لمجلس التعاون نايف الحجرف (الاثنين 1 فبراير) إلى بغداد، في زيارة رسمية يلتقي خلالها قادة العراق؛ لبحث القضايا المشتركة وسبل تعزيز العلاقات ودفعها قدماً.

دعم سياسي خليجي

وبعد ساعات من وصوله، قال الحجرف في مؤتمر صحفي مع وزير خارجية العراق فؤاد حسين، إن دول المجلس تدعم استقرار العراق، وتؤيد حربه على الإرهاب، مشيراً إلى أنه بحث مع حسين مسألة الربط الكهربائي بين الطرفين.

بدوره أكد رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، خلال لقائه الحجرف، "حرص العراق على التكامل مع المحيط الخليجي".

وشدد الكاظمي على "ضرورة الربط الكهربائي وتعزيز التبادل التجاري مع مجلس التعاون الخليجي".

وتأتي زيارة الحجرف، بعد أسبوع من انفجار دامٍ وقع وسط بغداد وأوقع عشرات القتلى والجرحى، وفتح باب المواجهة مجدداً بين بغداد وتنظيم "الدولة" الذي أعلن مسؤوليته عن التفجير.

كما أنها تأتي في ظل تصاعد التوتر بين الإدارة الأمريكية الجديدة وإيران على خلفية الاتفاق النووي الذي انسحب منه الرئيس السابق دونالد ترامب في 2018، وبرنامج طهران الصاروخي الذي تتحفظ عليه دول الخليج بشدة، خاصةً السعودية.

وكان وزير الخارجية العراقي قال في يونيو الماضي، إن توسيع العلاقات مع دول الخليج يأتي ضمن أولويات السياسية الخارجية لبلاده.

وأكد، بعد مكالمة هاتفية مع الحجرف، أن سياسة العراق مبنية على اعتماد لغة الحوار والتفاهم لبناء علاقات متوازنة تخدم المصالح المشتركة.

رغبة عراقية

ويعتبر العراق ساحة تجاذب بين القوى المتناحرة دولياً وإقليمياً، خاصةً أنه يضم عدداً من المليشيات الشيعية الموالية لإيران، والتي نصبت صواريخها في عدد من قواعده؛ تحسباً لأي مواجهة عسكرية.

ووسط هذه التجاذبات، تسعى حكومة  مصطفى الكاظمي للخروج من عنق الزجاجة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، من خلال تعزيز تحجيم الجماعات المسلحة وتوسيع التحالفات والحيلولة دون أن يتحول العراق لساحة تصفية حسابات مستقبلاً.

وقد أجرى الرئيس العراقي برهم صالح، في 26 يناير الماضي، اتصالاً بوليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بحث خلاله سبل تعزيز العلاقات وآفاق التعاون.

وجاء الاتصال بعد نحو شهرين من إعادة فتح منفذ عرعر الحدودي بين البلدين بالكامل أمام حركة المرور، بعد إغلاقه عام 2014.

وفي ديسمبر 2015، استأنفت السعودية العلاقات الدبلوماسية مع العراق، لتُنهي بذلك 25 عاماً من القطيعة التي بدأت إثر الغزو العراقي للكويت عام 1990.

كما وافق البرلمان العراقي، أوائل يناير الماضي، على استيراد 500 ميغاواط من الكهرباء من هيئة الربط الكهربائي لدول مجلس التعاون، عبر الكويت.

وكانت الحكومة العراقية قد أعلنت في يوليو 2020، اكتمال 80% من التزاماتها تجاه الاتفاقية التي وقَّعتها مع هيئة الربط الخليجية.

وتنص الاتفاقية التي وقَّعها العراق مع هيئة الربط الخليجية، على "تزويد محافظة البصرة بـ500 ميغاوات، فضلاً عن إنشاء محطة الفاو التحويلية (400) kv".

مطلب استراتيجي يواجه تحديات

المحلل العماني عوض باقوير يرى أن الحديث عن التعاون بين دول مجلس التعاون والعراق يعد تطوراً مهماً؛ باعتبار العراق، بكل مقوماته الجيوسياسية، يشكل عمقاً أمنياً وسياسياً لأمن المنطقة.

وفي تصريح لـ"الخليج أونلاين"، قال باقوير، إن هذا التعاون بين العراق ودول الخليج ممكن، في ظل وجود حدود برية مع السعودية والكويت، وأيضاً من خلال التقارب القبلي بينه وبين هاتين الدولتين.

وفي ضوء ذلك، يضيف باقوير، فإن العراق بظروفه الأمنية والاقتصادية بحاجة إلى الأشقاء الخليجيين، رغم التحديات الأمنية والإرهاب المتمثل في تنظيم "الدولة"، فضلاً عن الإشكالات الطائفية التي أضرت به كثيراً منذ 2003.

ويؤكد المحلل العماني أن العراق حالياً بحاجة للتعاون مع محيطه العربي في كل المجالات، مشيراً إلى أنه ورغم كل التحديات السالفة، فإن تصريحات المسؤولين في مجلس التعاون تجاه العراق تعد خطوة بالاتجاه الصحيح.

وأشار إلى أهمية هذا التعاون، خاصة على الصعيدين الأمني والاقتصادي؛ إذ من الضروري انتشال العراق من مشكلاته، وإيجاد حزمة من الاستثمارات على ضفتَي الخليج بين العراق بإمكاناته البشرية والاقتصادية الكبيرة ودول مجلس التعاون التي حققت خلال نصف قرن، تنميةً وتحديثاً كبيراً في كل المجالات.

وخلص باقوير إلى أن خطة التعاون الخليجي-العراقي خطوة استراتيجية تدخل في إطار الحفاظ على الأمن القومي العربي في صورته الكلية.

مقومات وعراقيل

من جانبه يقول الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد ركن ناظم صبحي توفيق، إن الحديث عن تعاون خليجي-عراقي قديم منذ عام 2005 وحتى الآن، لكن لم يتحقق الكثير، لأسباب كثيرة، منها رد الفعل العراقي "النفسي" على ما يثار من مساهمة مجلس التعاون الخليجي في غزو العراق عام 2003.

ويؤكد صبحي توفيق في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن التعاون بين الطرفين "ممكن"، خاصة في ظل ظروف العراق الحالية، مشيراً إلى محاولات مجلس التعاون الخليجي بشكل أو بآخر، "احتضان العراق وإعادته للحضن العربي، لكن دستور عراق ما بعد 2003 لا ينص صراحة على كونه ضمن الوطن العربي بإيعاز من الأكراد والشيعة".

ويبين أن الاقتصاد العراقي بالأشهر القليلة الماضية، في حالة انهيار "درجة بعد درجة"، مشيراً إلى عجز الحكومة عن دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين، وسط مخاوف من قطعها نهائياً.

وعن مقومات التعاون المنتظر، يقول "توفيق"، إن العلاقات الوثيقة وحاجة العراق لمجلس التعاون الخليجي ودوله الست، لافتاً إلى أن "دول العالم تُمني النفس بإقامة علاقات مع هذا التكتل الخليجي لثرائه واقتصاده المتين واستعداده للتعاون".

لكنه استدرك قائلاً: إن "العراق الذي يخضع لنفوذ من القوى السياسية المؤثرة والمسلحة (فصائل الحشد الشعبي) تحاول النأي عن التعاون مع الخليجيين، خاصةً السعودية"، في إشارة إلى تبعيتهم لإيران.

وبشأن أبرز معوقات وعراقيل مثل هذا التعاون المنتظر، يشدد الخبير الاستراتيجي على أن المتنفذين في السلطتين التنفيذية والتشريعية معظمهم من المحور الشيعي الموالي لإيران، ويحاولون فتح باب الاستيراد منها على مصراعيه بلا أي عقبات.

إضافة إلى أن دولاً خليجية كالسعودية والبحرين والإمارات والكويت "لها مواقف معينة تجاه مواطنيها الشيعة"؛ وهو ما يدفع القوى العراقية المحسوبة على إيران إلى أخذ موقف مُعادٍ لتلك الدول، وفق الخبير العراقي.

وضرب مثالاً بما لو شرع العراق في استيراد الطاقة الكهربائية من المملكة العربية السعودية أو الكويت، فإن هذا -وفق توفيق- سيؤثر في استيرادات بغداد من طهران، وهو ما سيلحق أذىً بالاقتصاد الإيراني.

علاقات متذبذبة

من جانبه يعتقد المحلل الاقتصادي الأردني "نمر أبو كف" أن تأخر عودة العلاقات والتعاون بين دول الخليج والعراق يعود إلى ما شهدته تلك البلدان خلال حرب الخليج، وما حدث من انقطاع شبه تام للعلاقات.

ويشير "أبوكف"، في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، إلى أن عودة العلاقات بشكل جدي ودافئ بدأت منذ 2017، "خصوصاً مع الزيارات المتبادلة التي تمت بين المسؤولين في دول مجلس التعاون والعراق، وعلى رأسهم مسؤولون كبار من السعودية، وزيارات حيدر العبادي (رئيس وزراء العراق الأسبق)، الذي زار السعودية مرتين متتاليتين".

وأوضح أن تلك الزيارات كانت تشير إلى "وجود تعاون"، لكنه يرى أن تأخر هذا التعاون "ربما له أسباب؛ خصوصاً مع الوضع شديد التعقيد الذي يعيشه العراق، حيث تحكمه مجموعة من القوى؛ داخلية وخارجية".

ويقول: "إرادة العراق الخارجية مرهونة الآن بإرادة دول خارجية مثل إيران وأمريكا، ونلاحظ وجود تضارب كبير بالمصالح بين طهران وواشنطن، وهو ما يؤثر تلقائياً على الإرادة الرسمية العراقية".

وإضافة إلى ذلك فإن "تحكم المجموعات الشيعية العراقية، وهي مجموعات مسلحة قوية تدار من إيران، بالمشهد العراقي، سبب في ذلك، وهو ما تدركه القيادة العراقية السياسية ولا تستطيع الإفلات منه"، وفقاً لـ"أبو كف".

ويؤكد أن ما يحدث بين دول الخليج العربي وإيران من تضاد وحرب المصالح، يؤثر في العلاقات مع إيران تلقائياً، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنه "لا أحد يستطيع من المسؤولين أو الشعب نكران عمق العلاقة والارتباط مع دول الخليج العربي".

ويتابع: "على سبيل المثال حرب اليمن أيضاً تلقي بظلالها على العراق، لكونه يدور في فلك إيران، ولذلك فإن انعدام الثقة بين العراق والخليج العربي يؤثر سلباً على أي علاقات بينهما، ويحجم أيضاً التعاون".

ويعتقد أن الخطوة الأولى من التعاون بين دول الخليج والعراق، تكمن في الربط الكهربائي، فـ"الشعب العراقي يعاني من انقطاع الكهرباء المتكرر، ولذلك ستلجأ الحكومة العراقية إلى ترميم العلاقات مع دول الخليج للحصول في الخطوة الأولى على هذه الخدمة".

وحول مستقبل العلاقات، يؤكد ضرورة عودة العلاقات الدبلوماسية، حيث يقول: "نقطة مهمة يجب التركيز عليها أن معظم دول الخليج ليس لديها سفراء في العراق، من ثم فالعلاقات السياسية ما زال فيها توتر، وفي الأفق ليس هناك ما يشير إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية".

وأضاف: "لا نستطيع أخذ علاقة دول الخليج مع العراق كمجموعة وجزئية واحدة، لأن دول الخليج مستوى علاقتها مع العراق متذبذبة".

وأكد ضرورة أن يكون لدى الساسة العراقيين "حرية في الإرادة السياسية، خصوصاً أن البلاد بحاجة ماسة للتخلص من الديون والمشاكل الاجتماعية والفساد الكبير الذي تعيشه".

مكة المكرمة