الحدود الإيرلندية.. معضلة تاريخية تهدد وحدة وسلام المملكة المتحدة

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/LNJYZE

أدرك الاتحاد الأوروبي أهمية الحدود الإيرلندية بالنسبة للمملكة المتحدة

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأحد، 10-02-2019 الساعة 14:09

مع قرب موعد خروج بريطانيا رسمياً من الاتحاد الاوروبي في الـ29 من مارس القادم، بقيت قضية الحدود بين إيرلندا الشمالية التابعة للمملكة المتحدة، وجمهورية إيرلندا الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي العائق الأبرز أمام تنفيذ اتفاق "بريكست".

الحدود الإيرلندية هي الحدود البرية الوحيدة الفاصلة بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، حيث تمتد على طول 500 كم وتشق الجزيرة الإيرلندية بأكملها، ويمر من خلالها 200 طريق؛ ما يجعل عدد المعابر الحدودية على طولها يفوق عدد المعابر الحدودية على طول الحدود الشرقية للاتحاد الأوروبي، ومن هنا تبرز صعوبة بل استحالة مراقبة هذه الحدود كلياً.

وتتكون المملكة المتحدة أو بريطانيا من اتحاد أربع دول، هي إنجلترا، وإسكتلندا، وويلز، والجهة الشمالية الشرقية من جزيرة إيرلندا، يُطلق عليها مجتمعةً اسم "بريطانيا العظمى" التي تشكل الجزيرة الأكبر في أوروبا.

نفس هذه الحدود كانت على امتداد ثلاثة عقود مسرحاً لصراع طائفي بين الجمهوريين الكاثوليك من جهة والملكيين البروتستانت من جهة أخرى، إلى أن وقع اتفاق الجمعة العظيمة سنة 1998، الذي بموجبه توقفت هجمات الجيش الجمهوري الإيرلندي ضد الجنود البريطانيين، وفتحت الحدود بين نصفي الجزيرة الإيرلندية لعبور الأشخاص والسلع، إيذاناً بإنطلاق مسار التطبيع والتعاون بين مكونات إيرلندا الشمالية فيما بينها وعبر الحدود مع جمهورية إيرلندا. 

وفي استفتاء 23 يونيو 2016 صوت 56% من الإيرلنديين الشماليين لصالح البقاء ضمن الاتحاد الاوروبي، إذ أن 31% من صادرات إيرلندا الشمالية موجهة لجمهورية إيرلندا، إضافة إلى أن نحو 30 ألف شخص يعبرون الحدود يومياً في الاتجاهين.

شبكة الأمان في "بريكست"

في الـ25 من نوفمبر الماضي، صادق رؤساء الدول والحكومات الأوروبية المجتمعون في بروكسيل بالإجماع على مسودة اتفاق خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، التي توصل لها المفاوضون من الطرفين بعد 17 شهراً من المفاوضات الشاقة.

ووصف رئيسة الحكومة البريطانية تيريزا ماي ورئيس المفوضية الأوروبية جون كلود يونكر الاتفاق بـ"أفضل اتفاق ممكن.. بل الاتفاق الوحيد الممكن".

وينص البروتوكول الخاص بالحدود الإيرلندية المدرج ضمن اتفاق الخروج، على أنه إذا لم يتم التوصل إلى حل لتفادي العودة إلى حدود مادية صلبة في إيرلندا بنهاية الفترة الانتقالية المقررة في يوليو 2020، فإن آلية أطلق عليها "شبكة أمان" ستطبق مباشرة.   

شبكة الأمان، هي عبارة مقتبسة من رياضة البيسبول، تحول إيرلندا الشمالية إلى "منطقة جمركية واحدة" تبقى فيها سارية حرية عبور السلع المسموح بها من الاتحاد الأوروبي، بدون تطبيق أي رسوم جمركية أو أنظمة للحصص على السلع الصناعية و الزراعية.

لكن هذا الاتحاد الجمركي سيقوم بمنع المملكة المتحدة من التوقيع على أي اتفاقية تجارة حرة لتبادل السلع مع أي دول أخرى باستثناء الاتحاد الأوروبي، وذلك لمنع دخول البضائع إلى السوق الأوروبية من دولة ثالثة تستغل هذا الوضع التفضيلي عبر إيرلندا الشمالية.

رفض بروتوكول الحدود الإيرلندية

يرفض البرلمان البريطاني قطعياً أن يكون لإيرلندا الشمالية أي وضعية استثنائية بمعزل عن باقي مناطق المملكة المتحدة. كما يعتبر النواب المؤيدون للخروج من الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق أن "شبكة الأمان"، لا تعدو كونها تدخلاً أوروبياً في الشأن السياسي الداخلي البريطاني.  

وفي الـ15 من يناير من هذا العام، رفض مجلس العموم البريطاني بأغلبية كبيرة الاتفاق الذي توصلت له تيريزا ماي للخروج من الاتحاد بـ432 نائب ضد الاتفاق مقابل 202 مع، فيما اعتبر أسوأ هزيمة سياسية تُمنى بها حكومة في تاريخ بريطانيا.

لكن مجلس العموم البريطاني وافق في الـ29 من يناير المنصرم  على مسعى رئيسة الوزراء الرامي إلى إعادة التفاوض مع الاتحاد لإدخال تعديلات بشأن الترتيبات الخاصة بوضع الحدود بين إيرلندا الشمالية وإيرلندا.

رئيس المفوضية الأوروبية "جون كلود يونكر" علق أمام البرلمان الأوروبي بخصوص هذا التصويت بأن "الاتفاق على الانفصال لن يعاد التفاوض بشأنه"، وبأن ماي قدمت التزاما شخصياً بتفادي العودة إلى حدود فعلية مع إيرلندا، مضيفاً: "بالنسبة لنا اتفاق الانسحاب يبقى الوحيد والأفضل لضمان خروج منظم للمملكة المتحدة من الاتحاد الاوروبي". 

وزيرة العدل الألمانية "كاتارينا بارلي" لدى زيارتها للحدود بين الإيرلنداتين في الأول من فبراير الحالي صرحت بأن "كل من قابلتهم من الناس على طول الحدود متفقون على أن حدوداً صلبة ستكون كارثية، وهم ينتظرون منا الدعم والمساندة".

تأثير بريكست على الحدود الإيرلندية

تصاعد هذا الاحتمال بعد رفض مجلس العموم البريطاني لوثيقة البريكست التي تفاوضت عليها ماي مع الاتحاد. ولدى سؤاله عن انعكاسات هذا الاحتمال على الواقع أجاب الناطق باسم المفوضية الأوروبية "مارغاريتيس شيناس": "الجواب واضح.. ستكون لديكم حدود صلبة فعلية"، فيما يعتبر كسراً لمحرم من محرمات الدبلوماسية الأوروبية.

أما رئيس الحكومة الإيرلندية "ليو فارادكار" فقد حذر من أن أي خروج بدون اتفاق سيؤدي إلى "مرحلة من الفوضى"، مما قد يفرض زرع "كاميرات مراقبة وتجهيزات بل حتى حضوراً أمنياً وعسكرياً"، لمراقبة الحدود. وكانت آخر نقاط مراقبة عسكرية على الحدود تم تفكيكها منذ 20 سنة بعد التوقيع على اتفاقية السلام التي أنهت ثلاثة عقود من النزاع المسلح في المنطقة.

احتمالية اندلاع صراع مسلح جديد

تبنى "الجيش الجمهوري الإيرلندي الجديد" عملية تفجير قنبلة في سيارة خارج محكمة في "لندنديري" في إيرلندا الشمالية في الـ19 من شهر يناير المنصرم، الأمر الذي استدعى استنفار جهاز الـ"MI5"، الذي زرع 700 جاسوساً في بيلفاست عاصمة إيرلندا الشمالية ضمن حملة كبرى لمحاربة الإرهاب، بحسب ما نقلت صحيفة "ديلي مايل" البريطانية.  

براين كينا سجين سابق وزعيم حزب "ساوراذ" (التحرير بالإيرلندية) غير المعترف به، قال إن قضية الحدود هي تذكير بأن "بريطانيا مازالت تحتل المقاطعات الست لإيرلندا الشمالية وهو ما سيقود إلى صراع جديد".

أما باتريك كارتي القيادي في نفس الحزب فقد قال إن "البريكست يحمل في ثناياه بذور تفكك بريطانيا. مع عودة الحدود الصلبة سيعود الشعب الإيرلندي إلى تذكر أن بلده مقسم، وكما يعلمنا التاريخ ستشتعل بلا ريب نيران المقاومة ضد الحكم البريطاني لايرلندا".

في استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي في 2016، لم ينتبه الكثير من الساسة البريطانيين إلى أن الخروج من الاتحاد هو أولاً وقبل كل شيء مسألة تهم الحدود الخارجية لهذا الاتحاد، الذي بدأ سوقاً مشتركة لكن هدفه البعيد هو إنشاء دولة جديدة تحمي حدودها الخارجية جيداً.

وكان البريطانيون الذين صوتوا مع الخروج من الاتحاد يعتقدون أنهم بذلك يسترجعون السيطرة على حدود بلدهم، لكن ذلك بدا ذلك صعب المنال بدون التفاوض والوصول إلى اتفاقات. 

أما الاتحاد الأوروبي فقد أدرك منذ الوهلة الأولى أهمية الحدود الإيرلندية بالنسبة للمملكة المتحدة، التي قد تفتك بوحدة أراضي ما كانت يوماً دولة عظمى، فالإيرلنديون على جانبي الحدود يرون في خطر عودة الحدود الصلبة بين الشمال وجمهورية إيرلندا محفزاً لإسترجاع حلم توحيد الجزيرة الإيرلندية تحت رأية الجمهورية الإيرلندية.

مكة المكرمة