"الخليج أونلاين" يوثق مآسي الفلوجة.. جوع وموت يومي

مختار المدينة: الهدف هو سحق المدينة

مختار المدينة: الهدف هو سحق المدينة

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 02-06-2015 الساعة 12:58


لم يحالف توءم الرضيعة "الحمد لله" الحظ للبقاء حية في بطن أمها، التي قضت صباح أمس الاثنين ببرميل متفجر، ألقته طائرات تابعة لسلاح الجو العراقي على حي الأندلس، وسط الفلوجة غرب بغداد، حيث قضت الأم سمر عبد الله العلواني (29 عاماً) متأثرة بجراح أصيبت بها؛ نتيجة القصف المكثف الذي شهدته المدينة، إلا أن الأطباء، وجميعهم من الرجال، تمكنوا من إقناع زوجها بعملية جراحية سريعة؛ لاستخراج التوءم من بطنها، فنجحوا في إنقاذ البنت، في حين شقيقها الذكر توفي نتيجة نقص الأوكسجين.

"الحمد لله" هكذا كما أسماها والدها المفجوع بزوجته، تركت في المشفى بين أيدي الممرضين، بينما ذهب هو حاملاً الجنين الذكر إلى المقبرة مسرعاً حتى يضعه مع زوجته في حفرة واحدة، كما اعتاد أهالي المدينة منذ أسابيع بعد اكتظاظ مقبرة المدينة وفِناء ثانوية الفلوجة للبنات المجاورة للمقبرة، والذي تحول إلى مقبرة لم تسعف الأهالي طويلاً لتجمع المزيد من الأطفال فيها؛ بسبب اكتظاظها، ما دفعهم للبحث عن ساحة أخرى.

فناء المدرسة كان أكثر رحمة من القتلة، حين أبقى مكاناً لدفن "الست إلهام" مديرة المدرسة ذاتها، التي أمضت فيها مدرسة ثم مديرة ثلاثة وعشرين عاماً، وأبت إلا أن تنتهي في فنائها الذي طالما وقفت فيه كل يوم خميس؛ لتلقي التعليمات والمحاضرات على الطالبات، وهي تردد عبارتها الشهيرة: "بنات؛ طالبات العلم بلا أخلاق مثل إناء بلا ماء لا ينفع لشيء".

إذن؛ ماتت العلواني، ومات توءم الصغيرة الحمد لله، شقيقها الذي تشاركت معه ثمانية أشهر ونصف، بطن أمها التي لم ترهما ولم يروها، لكن الدماء في الفلوجة كأنها ماء، لا تزال تفيض بالمدينة دون أن تسمع أصواتَ الأطفال وصرخات النساء وسائل الإعلام، حيث يغلق تنظيم "الدولة"، الملقب بـ"داعش"، أبواب المدينة أمام الصحافة، وتغطي الحكومة والمليشيات على جرائمها بالفلوجة بجرائم أكثر فظاعة وبشاعة، كإحراق الجثث وتمزيق الأجساد وسحلها بالعربات.

ففي تقرير طبي صدر عن مستشفى الفلوجة، أمس الاثنين، بلغ عدد ضحايا القصف بالبراميل المتفجرة والصواريخ والقصف الجوي بواسطة طائرات السيخوي الإيرانية المستأجرة من قبل حكومة العبادي، على مدينة الفلوجة 321 قتيلاً وجريحاً، من بينهم 189 طفلاً وامرأة، خلال ثلاثة أيام فقط، بمعدل يبلغ أكثر من 100 ضحية باليوم الواحد.

ويقول المتحدث الجديد باسم مستشفى الفلوجة، الدكتور فاضل محمد، لـ"الخليج أونلاين": إن "غالبية الضحايا من المدنيين"، مؤكداً أن "الطيران الحكومي لا يقصف مواقع تنظيم الدولة، بل يتجه بعد كل هزيمة له إلى صب جام غضبه على المنازل".

ويضيف: "تسبب القصف بوقوع 127 شهيداً، بينهم 58 طفلاً، منهم 26 رضيعاً، كما استشهدت 33 سيدة أغلبهن أمهات، كما يرقد في المستشفى الآن نحو 200 جريح، تعج المستشفى بهم، ولا نعلم ما نفعل، فلا دواء ولاعلاج، والمستشفى نفسها تقصف كل يوم، ونحن نعمل بالمعجزات لا أكثر، ونستحي أن نغادر المستشفى بوجود هذا الكم من الضحايا، ورغم ذلك تعتبرنا الحكومة "داعشيين" على حد زعمها ولا نعلم ما الحل".

ومؤخراً أفتى إمام جامع الفرقان بالمدينة للسكان، بدفن كل اثنين أو ثلاثة، إن كانوا أطفالاً، في قبر واحد؛ لازدحام المقابر وخلوها من مساحات لدفن الضحايا، كما أفتى الشيخ نفسه وهو محمود العاني، بوضع الخشن من الحجارة لحفرة القبر، بدلاً من مادة "الشتايكر" الإسمنتية التي نفدت.

ويقول العاني لـ"الخليج أونلاين": "المدينة تذبح بصمت، والحكومة عازمة على إبادتها، وهي لا تسمح للأهالي بالخروج، وحاولت عدة عوائل الفرار لكنها قتلت بنيران المليشيات والمروحيات التي تحيط بالمدينة".

حال المدينة الغذائي يختلف كثيراً عن حالها بالموت الوفير، فالغذاء شحيح جداً، والأهالي باتوا يعتمدون على وجبتين فقط، واحدة عند الحادية عشرة صباحاً وثانية في الثامنة مساءً، يضاف إلى ذلك انعدام وجود الماء الصالح للشرب والطعام مع انقطاع تام للكهرباء.

ويقول الشيخ محمد عبد الله، مختار المدينة، البالغ من العمر 67 عاماً، لـ"الخليج أونلاين": "هذا الوضع لم يمر على بشر من قبل، حتى الأمريكيون كانوا أرحم من أتباع إيران، بل حتى اليهود أرحم على أهل غزة إذا ما قورنوا بما تفعله المليشيات بنا".

مضيفاً: إن "الهدف هو سحق المدينة؛ لما تمثله من رمزية عند السنة، والحكومة الجديدة التي يرأسها العبادي ضعيفة، والمليشيات هي من تحكم البلاد اليوم"، مبيناً: "رغم ذلك نحن نعتبر حالنا هذا أفضل بكثير من دخول المليشيات واقتحامها المدينة؛ لأنها ستعيث فساداً، لذا نموت أعزة تحت براميل الغدر، ولا نموت تحت صيحات لبيك يا حسين، من أشخاص يبتعد عنهم الحسين بمنهجه كما تبتعد شمس الفرج عن العراقيين اليوم".

مكة المكرمة