الدوحة تستضيف محادثات السلام الأفغانية.. الآمال والمعوقات

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/8PDnko

بدأ الدور القطري في إدارة الملف الأفغاني منذ العام 2011

Linkedin
whatsapp
الأحد، 13-09-2020 الساعة 13:15

استضافت العاصمة القطرية الدوحة، مفاوضات السلام الأفغانية بين الحكومة وحركة طالبان، وحظي اللقاء بحضور دولي رفيع المستوى ممثلا في الأمين العام للأمم المتحدة والأمين العام لحلف شمال الأطلسي ووزراء خارجية كل من الصين والهند وباكستان علاوة على مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي وذلك في تثمين واضح للدور القطري في إحلال السلام ودعم الاستقرار في أفغانستان.

وتأتي محادثات السلام المنعقدة في الدوحة بين طالبان والحكومة المركزية في كابول بعد سنوات من القتال والنزاع المسلح، لم يكد يمر فيها يوم إلا وقد استفاقت فيه مدن وأرياف أفغانستان على دوي انفجار أو أصوات الرصاص، فعشرات الآلاف من القتلى سقطوا في حرب أهلية لم تنطفئ جذوتها، منذ تشكيل حكومة حامد كرازاي في أعقاب الغزو الأمريكي 2001.

ويعول المراقبون، على المحادثات الأفغانية - الأفغانية، في تحقيق سلام داخلي يوقف أولاً إزهاق الأرواح، ويلبي ثانياً طموحات ومساعي الطرفين في الوصول إلى تسويات سياسية تضمن إنهاء عقود من النزاع المسلح الذي خلف الملايين من القتلى والنازحين في عموم البلاد.

الدواعي الاستراتيجية

بدأ الدور القطري في إدارة الملف الأفغاني منذ العام 2011، بعد زيارة فريق من "طالبان" للدوحة؛ لبحث ظروف السلام في أفغانستان.

واستمرت الدوحة في دعم الوفاق الأفغاني حتى العام 2018، حيث أعلن قادة في "طالبان" أنهم ينوون عقد لقاءات بالجانب الأمريكي؛ من أجل الوصول إلى خريطة طريق للسلام.

وبعد تسع جولات من المحادثات بين الولايات المتحدة و"طالبان"، وصل الجانبان إلى اتفاق السلام الشامل الذي وُقِّع في العاصمة القطرية الدوحة بتاريخ 29 فبراير 2020، بين حركة طالبان والولايات المتحدة الأمريكية.

ويعتقد عدد من المحللين، أن خلفية الاتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية وحركة طالبان، كان نتيجة حتمية لتفاقم الوضعية الأمنية والإنسانية في أفغانستان، بحسب تقرير للأمم المتحدة، حيث تم تسجيل وفاة وإصابة أكثر من 10 آلاف مدني، بسبب القتال المستعر في العام 2019، وهي نسبة منخفضة قليلاً عن معدلات الوفيات والإصابات نتيجة الحروب في العام 2008.

ويضيف التقرير، أن الجماعات النشطة في القتال تشمل كلاً من "القاعدة" و"داعش" وجماعات محلية أخرى، ويشير أيضاً إلى تضاعف وتيرة العمليات العسكرية الأمريكية في الأعوام التي سبقت الاتفاق، حيث إن الذخائر التي تم إسقاطها على أفغانستان من طرف القوات الأمريكية في العام 2019، تفوق أي عام آخر منذ 2010.

ويلفت إلى أن الهجوم الذي قادته قوات تابعة للجيش الأمريكي، على نحو 27 مقاطعة أفغانية من أصل 34 مقاطعة في أول شهرين من العام 2020.

لذلك، لم يُكتب للضغط الأمريكي نجاح على أى مستوى ميدانياً، حيث لا تزال حركة طالبان تسيطر على أراضٍ واسعة مقارنة بأي وقت مضى، ما يعتبره مراقبون دليلاً على عدم نجاعة الخطة الأمنية المتبعة من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان.

ومع استثمار الولايات المتحدة في تحقيق استقرار حقيقي بأفغانستان، على الرغم من الأموال الطائلة التي تم إنفاقها على تسليح المؤسسات الأمنية وتحريك الاقتصاد المحلي، بحيث قدرت مبالغ بنحو 137 مليار دولار على مدار 18 عاماً لأفغانستان، وذلك بهدف تطوير عدة قطاعات، منها مساعدات للإعمار، ودعم لقوات الدفاع والأمن الوطنية الأفغانية، وقطاعات أخرى مرتبطة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

إلا أن هذا الدعم بحسب تقارير أمريكية رسمية، لم يسهم في دفع أداء الحكومة، ولا تزال مؤشرات مهمة مثل الاستقرار الاقتصادي بعيدة المنال، بسبب غياب الاستقرار السياسي. 

ويعتقد عدد من المراقبين، أن عدم إمكانية تحقيق نتائج على الأرض عائد أساساً إلى غياب تصور استراتيجي لدى إدارة البيت الأبيض، فقد تعهد ترامب أثناء حملته الانتخابية بإعادة جميع القوات الأمريكية إلى أرض الوطن من "الحروب التي لا نهاية لها"، على حد وصفه.

وبغض النظر عن إثارة ترامب حنق القادة العسكريين وقادة الدفاع وحتى المشرعين الجمهوريين القلقين من التخلي المفاجئ عن الشركاء الدوليين على الأرض، إلا أن ذلك ليس ذا مغزى لدى ترامب، فقد أكد مراقبون أنه يسارع في إجراء محادثات السلام الأفغانية قبل موعد الانتخابات الأمريكية، بهدف حصد مكاسب سياسية.

وفي تصريحات لـ"الخليج أونلاين"، قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة قطر محمد المسفر: إن "الإدارة الأمريكية الحالية تسعى إلى تحقيق انتصارات خارجية على غرار المساعي نحو التطبيع مع عدد من الدول العربية، علاوة على الترويج لعودة القوات العسكرية الأمريكية في الخارج؛ وذلك من أجل تكثيف الدعاية الداخلية قبل الانتخابات الأمريكية المرتقبة".

تعثر المحادثات.. الخيارات المفتوحة

أظهرت الحكومة الأفغانية قدراً من المرونة في الـ17 من مايو 2020، حيث قدمت تنازلات سياسية معتبرة، وذلك بعد التوتر السياسي الناجم عن إعلان لجنة الانتخابات في أفغانستان فوز الرئيس أشرف غني بولاية ثانية، إلا أن غريمه في الانتخابات السابقة عبد الله عبد الله، شكك في الانتخابات واعتبرها مزيفة، وأعلن عن تشكيله حكومة موازية.

وبعد أسابيع من المفاوضات، استطاع الطرفان التحلي ببعض المرونة؛ من أجل التغلب على التوتر السياسي الحاصل، وأعلنا عن اتفاق سياسي يقضي بتقاسم السلطة، وذلك عن طريق تعيين عبد الله عبد الله على رأس المجلس الأعلى للمصالحة الوطنية الأفغانية، وتخويله في ترشيح نصف أعضاء الحكومة، وبهذا تنتهي الأزمة السياسية بين الجانبين.

وفي حين ﻻ يتسم الاتفاق السياسي بين الطرفين بكثير من الوضوح، من ناحية الإجراءات القانونية في تشكيل الحكومة، ومدى التزام أشرف غني بقبول الترشيحات المقدمة من طرف غريمه سابقاً وشريكه الحالي في واحد من أهم الملفات لدى الحكومة المركزية في كابول– التفاوض مع حركة طالبان- حيث يرى عدد من الخبراء، أنَّ تجاوز المسألة بمجرد تقديم وعود سياسية قد يكون قنبلة موقوتة في المدى القريب، وهو ما يعبر عنه عدد من الخبراء، باعتباره مجرد اتفاق فوري، لتجاوز مشكلة قائمة في الوقت الحالي، من دون محاولة معالجتها بشكل كلي، وهو ما قد تتمخض عنه صراعات مستقبلية.

ومع هذا تستمر عقدة المشهد السياسي، لتتجاوز الحكومة الأفغانية إلى حركة طالبان نفسها، حيث استندت مجلة "فورين بوليسي" إلى تقرير وصفته بالسري، يفيد بأن الغالبية من مساجين حركة طالبان المطلق سراحهم مؤخراً، قد عادوا إلى القتال من خلال مواجهة مسلحة مع رجال الأمن، ويصرون على مواصلة حربهم مع الحكومة الأفغانية المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك بهدف إسقاطها وتشكيل أخرى إسلامية.

وأشار التقرير إلى أن 68% من أصل 108 أشخاص تناولهم التقرير، تمت إعادة دمجهم في أنشطة "طالبان" بمناطق الصراع، أو تم دمجهم في جماعات ذات جاهزية عالية للقتال، أو أنهم يحتلون مناصب قيادية سواء في المجال العسكري أو السياسي ضمن أذرع حركة طالبان العسكرية.

وفي الوقت الذي تزداد فيه حدة الصراع داخلياً بين الأطراف في حكومة أفغانستان من جهة، وحركة طالبان ذاتها من جهة أخرى، فإن المحللين يرون أن هناك توقاً عميقاً إلى السلام لدى جميع الأطراف، ويعتقدون أن ذلك التوق يصعب التعبير عنه في ظل وجود عديد من التحديات القائمة، التي من المرجو أن تسهم خبرة الدوحة الطويلة في مجال الوساطة الدبلوماسية وحل النزاعات في حلحلتها.

وفي تعليق له على مدى صعوبة وتعقيد المحادثات الأفغانية، قال الدكتور ماجد الأنصاري، أستاذ علم الاجتماعي السياسي بجامعة قطر: إن "هذه المفاوضات رغم كل التعقيدات والصعوبات التي تواجهها، تشكل خطوة أولى في إطار مصالحة وطنية شاملة".

وأشار الأنصاري إلى أن "الصعوبات التي تواجه طرفي النزاع تكمن في عدد من الملفات، أبرزها ما يتعلق بالطبيعة السياسية لنظام الدولة، وكيفية توزيع السلطة". 

تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من تعقُّد الملف الأفغاني، فإن قدرة الدبلوماسية القطرية النشطة في مجال التفاوض وتحقيق السلام، نجحت رغم المسائل الشائكة على المستويات الإقليمية والدولية.

كما نجحت مساعي الدوحة الدائمة في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة، بهدف الوصول إلى حلول دائمة للنزاعات والخلافات، والتجارب القطرية الرائدة مع حركة طالبان والأطراف في دارفور ولبنان وعديد من المبادرات، أكسبت الدوحة وصف الشريك الدولي.

مكة المكرمة