السعودية "تختطف" مجلس التعاون الخليجي.. هل تدفع لتفكيكه؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/RnYKyA

الأزمة الخليجية تهدد مجلس التعاون

Linkedin
whatsapp
الجمعة، 21-02-2020 الساعة 09:12

في تصعيد لافت للانتباه، بعد أن توقفت المفاوضات بين السعودية وقطر الهادفة إلى حل الأزمة الخليجية؛ اتخذت الرياض خطوة خطيرة في منع قطر من المشاركة في اجتماع خليجي على مستوى وزراء الصحة الخليجيين، لمناقشة فيروس "كورونا" ومخاطره على المنطقة.

والخميس (20 فبراير الجاري) قالت وزارة الخارجية القطرية إنها تأسف وتستنكر عدم منح السعودية تصريح دخول الدكتورة حنان الكواري، وزيرة الصحة في دولة قطر، لحضور الاجتماع الذي دعت إليه الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي للتعامل الوقائي مع فيروس كورونا، إلا بعد بدء الاجتماع.

وأضافت الخارجية القطرية في بيان لها على حسابها الرسمي في "تويتر": "لطالما ادعت السعودية أن منظومة مجلس التعاون الخليجي، وخاصة اللجان التقنية، فعالة ولم تتأثر بالأزمة الخليجية، لنتفاجأ بها وقد سيست قطاعاً إنسانياً تتطلب الحكمة والضرورة إبعاده عن الخلافات السياسية".

ودعت وزارة الخارجية في قطر السعودية إلى "الاضطلاع بدورها كدولة المقر لمجلس التعاون الخليجي بحياد ومهنية، وتؤكد التزام قطر بالتعاون مع كافة دول الخليج للمواجهة الوقائية لفيروس كورونا، كما تتمنى لجميع شعوب المنطقة الأمن والسلامة".

هذا التصعيد جاء بعد يوم واحد من ترحيب قطر بأي جهود تدعم حل الأزمة الخليجية، حيث قال وزير الخارجية القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني: "نرحب بكل جهد يسعى لحل الأزمة في الخليج، وقطر تدعو دول الشرق الأوسط إلى اتفاق أمني مشترك قائم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها".

وكان بن عبد الرحمن أعلن مؤخراً، خلال مشاركته في منتدى ميونيخ للأمن، أن جهود حل الأزمة مع السعودية والإمارات "لم تنجح"، وأنها عُلقت مطلع يناير الماضي.

وأضاف الوزير أن الدوحة غير مسؤولة عن فشل هذه الجهود، وأنها مستعدة لاستئناف المباحثات، مؤكداً أن منطقة الشرق الأوسط بحاجة إلى اتفاقية أمنية.

وتأتي تصريحات المسؤول القطري، الذي يشغل أيضاً منصب نائب رئيس مجلس الوزراء، لتؤكد تعثر التقدم في المفاوضات التي بدأت في ديسمبر الماضي، وكانت قد تزامنت مع مشاركة قطرية لافتة في قمة خليجية بالرياض، حظيت بترحيب سعودي غير مسبوق منذ بدء حصار قطر صيف عام 2017.

خطوة غير مسبوقة

الخطوة السعودية الجديدة بمنع الوزيرة القطرية، أثارت حفيظة الدوحة باعتبارها لم تتكرر كثيراً خلال الأزمة، حيث إن الاجتماعات التي تهتم بشؤون دول مجلس التعاون لم تتأثر كثيراً بالأزمة الخليجية خلال الفترة الماضية، وبقيت تعقد بحضور وفود جميع الدول، ومن ضمنها الوفود القطرية.

ففي آخر اجتماعات وزارية كانت قطر حاضرة بوفودها للمشاركة الفاعلة في إنجاح هذه الاجتماعات.

ومن أهم اللقاءات الأخيرة التي عقدت في هذا الصدد لقاء في أثناء اجتماعات اللجان الفنية التابعة لمجلس وزراء الشباب والرياضة بدول مجلس التعاون الخليجي، واستضافتها سلطنة عمان بين 22 و26 من ديسمبر الماضي.

وشاركت دولة قطر في أعمال الاجتماع بوفد ترأسه حسين راشد الكبيسي، مدير إدارة الشؤون الشبابية بوزارة الثقافة والرياضة.

وفي نوفمبر الماضي شاركت دولة قطر في أعمال الاجتماع الـ58 للجنة "التعاون التجاري"، والاجتماع الـ46 للجنة "التعاون الصناعي"، والاجتماع الأول لـ"اللجنة الوزارية لشؤون التقييس" لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

الأكثر لفتاً للانتباه هو مشاركة قطر في القمة الخليجية التي عقدت في العاصمة السعودية الرياض نهاية 2019.

وفي هذه المناسبة استقبل العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، في 10 ديسمبر الماضي، رئيس الوزراء القطري الشيخ عبد الله بن ناصر بن خليفة آل ثاني لدى وصوله إلى المطار في العاصمة السعودية، فيما بدا توجهاً سعودياً لترطيب الأجواء ما لبث أن تلاشى بانهيار المفاوضات بين الأطراف بسبب تعنت الدول المحاصرة لقطر.

وحينها تبادل المسؤولان الأحاديث والابتسامات، بحسب ما ظهر في تسجيل مباشر للاستقبال نقل على التلفزيون السعودي الحكومي، بينما كان معلّق يقول: "أهلاً وسهلاً بأهل قطر في بلدكم الثاني".

"اختطاف" للتعاون الخليجي

لكن في أواخر شهر يناير الماضي، عادت وسائل إعلام دول الحصار لمهاجمة قطر كما كانت في السابق، واعتبرت الشيخة علياء أحمد بن سيف آل ثاني، المندوبة الدائمة لدولة قطر لدى الأمم المتحدة، حملات التحريض والتضليل التي تتعرض لها الدوحة "محاولة يائسة للنيل منها".

وأضافت، في بيان نُشر في 23 يناير الماضي، أن "قطر تظل متمسكة بمواقفها المبدئية المعهودة في ظل استمرار الحصار الجائر والإجراءات الأحادية غير القانونية التي تتعرض لها منذ أكثر من عامين ونصف العام، مما يعد انتهاكاً صارخاً لأحكام ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، ويساهم في زعزعة السلم والأمن الإقليمي والدولي".

وحاولت الكويت في وساطتها لحل الأزمة محاولات كثيرة، مع تشديد الجانب القطري على أهمية جهودها واعتبارها مظلة لأي حوار مقبل، لكن تعنت دول الحصار يبدو أنه أوقفها عند طريق مسدود.

وعلّق الكاتب والإعلامي القطري جابر الحرمي على منع وزيرة الصحة بانتقاد وجود مقر مجلس التعاون الخليجي في السعودية، وهو المجلس الذي من المفترض أن يعالج أي شرخ في العلاقة بين دول المجلس، إلا أن مهامه تلك لم ترَ النور خلال نحو ثلاث سنوات من الأزمة.

وقال الحرمي، في تغريدة على حسابه في "تويتر": "مؤسسات العمل العربي مختطفة، إن كان في مصر فيما تسمى الجامعة العربية أو في السعودية فيما تبقى من مجلس التعاون.. لذلك فقدت هذه المؤسسات مصداقيتها عند الشعوب العربية، التي لم تعد تعوّل عليها في الانتصار لقضاياها.. مؤسسات باتت مرتهنة لأجندات دول مارقة، على حساب قضايا الشعوب".

وأضاف الحرمي في تغريدة أخرى: "للأسف سيّست دول الحصار كل القطاعات في الأزمة الخليجية حتى القطاعات الإنسانية.. كان يفترض أن تتحلى السعودية بقدر من المسؤولية.. ولكن..".

من جهته، علّق القطري فهد المالكي على الخطوة السعودية بالقول: "رد سعودي مخزٍ على فشل المحادثات لحلحلة أزمة دول الحصار... استفزاز يقابل بتعقل قطري.. لن يصلوا إلى نبل السياسة القطرية التي لا تعاملهم بالمثل... سقوط سياسي وأخلاقي سعودي وفشل لمجلس التعاون".

 

واعتبر ناصر النعيمي أن السعودية "تُمارس البلطجة وتلغي مجلس التعاون على أرض الواقع بمنعها وزيرة دولة عضو من المشاركة في اجتماع مع نظرائها، ستواصل السعودية خطواتها التصعيدية المأزومة الفاشلة مستغلّة تواجد مقر الأمانة العامة في الرياض، وأتوقع أن تمنع جميع وفود قطر، ماهو موقف الكويت وعمان يا ترى؟".

 

حل متعثر وغياب دور للمجلس

وبعد هذا السلوك السعودي، تلاشت حالة التفاؤل الحذر التي رافقت المفاوضات بين قطر والسعودية، قبل نحو أربعة أشهر، التي هدفت للتوصل إلى حل للأزمة الخليجية وإنهاء الحصار على قطر، الذي فرضته كل من الرياض وأبوظبي والمنامة والقاهرة قبل أكثر من عامين ونصف العام، وذلك بتصاعد الحملة الإعلامية ضد قطر، والتي كانت بمنزلة مؤشر على عودة الأمور إلى نقطة الصفر.

حيث اتضح أن الرياض عادت إلى أسطوانتها السابقة بشأن الأزمة، وكانت تحاول تحقيق "إنجاز" سياسي يمكنها من تجميل صورتها أمام العالم، لكن إصرار قطر على أن تكون المفاوضات بدون شروط مسبقة وعلى أساس يحفظ السيادة لدولة قطر لم يرق للمفاوض السعودي، الذي انقلب على مبادرته التي بدأها للتفاوض.

ولم تعطِ الرياض وزناً للأمين العام الجديد لمجلس التعاون نايف الحجرف، الذي تضطلع بلده الكويت بجهود وساطة لم تنقطع، في محاولة لرأب الصدع بين الجيران الخليجيين.

وفي حين أكدت قطر أن أبوابها مفتوحة لأي حوار يحفظ السيادة، أعلنت الكويت استمرار سعيها في الوساطة لحل الأزمة، وقال خالد الجار الله، نائب وزير الخارجية الكويتي، في تصريح صحفي:  "كنا وما زلنا نشعر بإحباط لوجود هذا الخلاف واستمرار هذا الخلاف، ولكن لقد استمعنا لما قاله وزير خارجية قطر، ويبدو لي أنه ليس هناك جديد فيما يتعلق بالخلاف الخليجي".

وسبق لأستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة قطر نائب رئيس مجلس إدارة المركز القطري للصحافة، الدكتور ماجد محمد الأنصاري، أن ذكر في مقطع مصور نُشر في "تويتر" مؤخراً، أن هناك عدة تحديات تواجه حلّ الأزمة الخليجية، لافتاً الانتباه إلى أهمية أن تكون هناك ضمانات لعدم تكرار مثل هذه الأزمة مستقبلاً.

وأشار في حديثه إلى أبرز التحديات؛ وفي مقدمتها صعوبة الحصول على ضمانات لعدم تكرار هذه الأزمة مستقبلاً، في حين رأى أن التحدي الثاني عدم وجود ظرف أو أزمة تضغط للسير نحو المصالحة، باستثناء دفع أمريكي ووساطة كويتية.

ورأى أن من بين التحديات أيضاً "وجود أزمة ثقة في الجوانب الأمنية والسياسية والاقتصادية أيضاً، إضافة إلى تحدٍّ مهم وهو سيادة قطر فيما يتعلق بسياستها الخارجية تحديداً"، مشيراً إلى أن قطر ليس من مصلحتها تقديم مجاملات في الوقت الحالي وتقديم تنازل بهذا الأمر.

وبمنع الوزيرة القطرية، أطلقت السعودية رصاصة إفشال مجلس التعاون بإدارته الكويتية الجديدة على جمع الفرقاء لمصلحة الخليج، وهو الدور الذي أدته من خلال الأمين العام السابق للمجلس عبد اللطيف الزياني.

تفكيك ومجلس بديل

وبدت محاولة السعودية والإمارات العمل بعيداً عن مجلس التعاون وأهدافه بعد بدء الأزمة الخليجية مباشرة، حتى وقعت، منتصف عام 2018، على إنشاء مجلس يعدّ بمنزلة بديل واضح لمجلس التعاون، يهدف- وفق البيان الرسمي الذي نشرته وكالة الأنباء السعودية (واس)، الأربعاء 6 يونيو 2018- إلى إبراز مكانة الدولتين في مجالات الاقتصاد والتنمية البشرية والتكامل السياسي والأمني والعسكـري، وتحقيق رفاهية مجتمع البلدين.

كما يهدف أيضاً إلى وضع رؤية مشتركة تعمل على تعميق واستدامة العلاقات بين البلدين بما يتّسق مع أهداف مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

لكن هذا الأمر محلّ تساؤل كبير، خاصة أن قطر -العضو الفاعل والمؤسّس- محاصرة من قبل جيرانها، وقد تأثّرت بسبب الحصار آلاف الأسر الخليجية، وانتهت أحلام كبيرة كالاتحاد الخليجي والعملة الموحّدة.

ويهدف المجلس الثنائي، وفق بيان إعلانه، إلى تعزيز التعاون السياسي والأمني والعسكري والمنظومة الاقتصادية المتكاملة بين البلدين، وإيجاد الحلول المبتكرة للاستغلال الأمثل للموارد الحالية، وبناء منظومة تعليمية فعّالة ومتكاملة قائمة على نقاط القوة التي تتميّز بها الدولتان لإعداد أجيال مواطنة ذات كفاءة عالية.

وفي العام الماضي، توقعت صحيفة "ناشينال إنتريست" الأمريكية استغناء كل من الدول الخليجية الثلاث: قطر والكويت وسلطنة عُمان، عن السعودية كعضو فعال في منظمة دول مجلس التعاون؛ نظراً إلى السياسات غير المدروسة والأوضاع الداخلية غير المستقرة التي تمر بها الأخيرة.

ويرى الكاتب في الصحيفة أن مستقبل دول مجلس التعاون الخليجي سيكون "صاخباً" مع خسائر اقتصادية، بسبب السياسات الخاطئة للسعودية، من خلال الاستهانة بمكانتها الإسلامية، وهو الأمر الذي سيضطر عدداً من الدول التي كانت حليفة لها في يوم ما، إلى البحث عن بديل.

مكة المكرمة