السعودية تفقد بوصلتها.. تودُّد لأذرع إيران وتوعد بالحرب لطهران

السعودية تعيش أزمة صنعها بن سلمان

السعودية تعيش أزمة صنعها بن سلمان

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 31-03-2018 الساعة 17:44


تسيطر حالة كبيرة من عدم الوضوح على خطط وأهداف ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي ينذر بمواجهة عسكرية مع إيران في الوقت نفسه الذي لا يتوقف فيه عن وعد سكان المملكة بمزيد من النمو والانفتاح، بحيث أصبح فهم منهجه في إدارة بلد بحجم السعودية ومكانتها أمراً صعباً.

سياسة "الصدمة" التي يتخذها بن سلمان (34 عاماً)، منطلقاً لتحقيق مشاريعه السياسية القائمة بالأساس على تعزيز سطوته ووضع المملكة كلها في جيب سترته، أصبحت مؤخراً تضفي على المستقبل مزيداً من الغموض وكثيراً من الاحتمالات التي يصعب القطع بأي منها. فمن جهة يتوعد إيران ومن جهة أخرى يتودد لأذرعها بالسلام.

ولي العهد السعودي قال خلال زيارته الحالية للولايات المتحدة، إن المجتمع الدولي يجب أن يكثف ضغطه على إيران اقتصادياً وسياسياً لتجنّب مواجهة عسكرية في المنطقة، مؤكداً أن العقوبات سوف تخلق ضغطًا أكبر على النظام الإيراني.

وأضاف لصحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، الخميس 30 مارس: "إذا لم ننجح فيما نحاول القيام به، سوف تندلع حرب بيننا وبين إيران خلال 10 إلى 15 عاماً".

وتحمل تصريحات بن سلمان قدراً كبيراً من مجافاة الواقع، كما أنها تتناقض إلى حد كبير مع مشروعاته الاقتصادية ورؤاه التي لا يتوقف عن تغذية عقول السعوديين وقلوبهم بثمارها الموعودة؛ إذ لم يحدث أن حقق بلد من البلدان قفزة اقتصادية وهو يخوض حرباً عنيفة، وفي الوقت نفسه يبشّر بأخرى ستكون -إن حدثت- أكثر عنفاً.

اقرأ أيضاً :

الغارديان: بن سلمان يروّج للسعودية مع نجوم هوليوود وأباطرة الإعلام

- تجربة فاشلة

إذا كان ولي العهد السعودي، بوصفه وزيراً للدفاع، يسعى لشرعنة قفزه على الحكم عبر معركة عسكرية أو عبر التهديد بأخرى تلوح في الأفق، فإن تجربته الراهنة في اليمن والتي بدأها عام 2015، ضد الحوثيين المدعومين من إيران، لتحقيق زعامة مبكرة، تشي نتائجها -الحالية على الأقل- بأن حسابته كانت خاطئة إلى حد كبير إن لم تكن خاطئة تماماً.

فقد أصبحت السعودية بعد نحو3 سنوات من القتال تعاني صداعاً مزمناً على حدّها الجنوبي؛ بعدما أصابتها الحرب بنزيف حاد على المستويين المادي والبشري، قبل أن يتحول الصداع إلى ما يشبه "الفوبيا" من تصعيد المليشيا اليمنية استهدافها للداخل السعودي، والذي ارتفعت وتيرته بشكل ملفت خلال الأيام القليلة الماضية.

التصعيد الحوثي، الذي لا يمكن قراءته بعيداً عن إيران، تمثل في استهداف مناطق بينها العاصمة الرياض وأيضاً شركة "أرامكو" النفطية، بـ9 صواريخ باليستية خلال 5 أيام. ليخرج أول رد من ولي العهد السعودي على هذا القصف بتأكيد سعيه للتوصل إلى "حل سلمي".

وقد أكد العقيد تركي المالكي، المتحدث باسم التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، أن الحوثيين قصفوا المملكة بـ104 صواريخ منذ بدء الحرب.

وأضاف خلال مؤتمر صحفي عقده الاثنين 27 مارس 2018، أن الصواريخ الأخيرة من طراز "قيام"، وهو صاروخ تصنّعه إيران، الأمر الذي يكشف أن طهران قد لا تؤجل المواجهة التي يتحدث عنها بن سلمان لما بعد عقد من الآن، أو أنها على الأقل ستخوض معه معركة استنزاف طويلة حتى يصل إلى لحظة المواجهة وهو غير قادر على تحريك يده.

وعندما بدأ التصعيد السعودي تجاه إيران وأذرعها في المنطقة عبر إجبار رئيس وزراء لبنان سعد الحريري على الاستقالة من منصبه، في نوفمبر 2017، كان العالم كله تقريباً يتحدث عن اقتراب وقوع صدام عسكري بين الخصمين الإقليميين، خاصة أن الرئيس الأمريكي بدا راغباً في هذا الأمر عبر تأييده ودعمه لخطوات الرياض، والذي بدا في حينه أقرب للتحريض.

لكن الخبير العسكري المصري اللواء عادل سليمان، قال لـ"الخليج أونلاين"، آنذاك، إن هذه المواجهة لن تحدث، وإن إيران ستزيد من إغراق السعودية في مستنقع اليمن، مؤكداً أن الظروف الأمنية والسياسية التي تعيشها المنطقة تجعل قرار خوض أي حرب مرهوناً برغبة تركيا وإيران وإسرائيل، وليس أي أحد آخر.

وأكد سليمان، وهو مدير مركز الحوار للدراسات الاستراتيجية، أن إيران ومنذ زمن تعتمد على الحرب بالوكالة، وأن هذه الحرب تحقق لها ما قد تعجز الحرب المباشرة عن تحقيقه، مضيفاً: "السعودية أمامها سنوات لتنجو من فخ اليمن؛ لأن هناك في قلب اليمن نفسه من يسعى لمد أمد الحرب الحالية؛ إما من باب الاستفادة وإما من باب معاقبة الرياض على تورطها في أزمة تخصّ اليمنيين وحدهم".

هذا التأكيد الذي يسوقه الخبير العسكري المصري، يتماشى إلى حد كبير مع تنازلات سياسية كبيرة تعكسها تصريحات ولي عهد السعودية -وحاكمها الفعلي- الأخيرة، فقد أعرب عن ذلك في حواره الأخير مع "وول ستريت جورنال"، خاصة فيما يتعلق بتأكيد بقاء بشار الأسد (حليف إيران) على رأس سوريا، وأيضاً حديثه عن البحث عن حل سياسي لأزمة اليمن.

لكن ما يثير الانتباه هو هذا الاعتراف الضمني بالعجز عن مواجهة أذرع إيران بالمنطقة، وحجم ما تمارسه هذه الأذرع لأمن واستقرار المملكة، إلا أن حديث بن سلمان، عن مجابهة طهران بالعقوبات أو بالحرب، يعكس عدم اكتراثه بالبلد الذي يسعى لحكمه، بقدر ما يعكس شغفه بحكم هذا البلد، بغض النظر عن حجم التكلفة أو طبيعتها أو لمن سيتم دفعها.

اقرأ أيضاً :

بن سلمان يروّج في واشنطن لـ"حرب محتملة" قريبة مع إيران

- ابتزاز أمريكي مستمر

الصحافة الأمريكية تحدثت قبل أيام من زيارة بن سلمان لواشنطن عن مطالبة ترامب لملك السعودية، سلمان بن عبد العزيز، بـ4 مليارات دولار لتأمين خروج قوّاته من سوريا، في حين أكد بن سلمان لمجلة "التايمز" البريطانية أن خروج هذه القوات سيحدث الكثير من المشاكل، وهو ما قد يبرهن على عملية ابتزاز واضحة ومستمرة يمارسها ترامب مع الرياض عبر فزّاعة إيران وحلفائها.

كما أن تصعيد وتيرة التهديدات الأمريكية بإلغاء اتفاق إيران النووي قد تكون وسيلة أخرى للمزايدة، التي يسعى من خلالها ترامب لحلب مزيد من المال السعودي، خاصة أنه قال بصراحة في حضرة بن سلمان: "السعودية دولة ثرية وستعطينا جزءاً من هذه الثروة".

وخلال زيارته للرياض في مايو 2017، حصد ترامب أكثر من 450 مليار دولار من السعودية في شكل صفقات سلاح وشراكات اقتصادية، ثم حصد المزيد بعد متاجرته بموقفه من حصار قطر وأزمة الخليج التي اندلعت بعد نحو شهر من زيارته للمملكة.

- أزمة صنعها بنفسه

ويرى كثير من المتابعين أن السعودية في زمن بن سلمان فقدت بوصلتها، وضحّت بالسياسة والمال بل وبالدم والروابط التاريخية؛ لكي يصل ابن الملك "المدلل" لكرسي العرش. في حين يبدو ذلك "المدلل" غائم الرؤية، ولا يعرف في مضمار السياسة إلا استرضاء البيت الأبيض، بل أنه وكما قال الكاتب دوغ باندو في مقال بمجلة فوربس الأمريكية: "يتصرّف كثور هائج في متجر للخزف".

وفي أواخر أكتوبر 2017، نشر موقع "جيوبوليتيكا" الروسي تحليلاً للخبير فيكتور ميخين، قال فيه: إن "المملكة تعيش أزمة صنعتها بنفسها"، مضيفاً: "لم يعد هناك ما يثير الاستغراب في الشرق الأوسط بعد الربيع العربي وما أحدثه من تحولات".

وتابع ميخين: "بن سلمان لم يتخذ قرار الحرب في سوريا، وإنما اتخذه والده، لكن الأكيد أنه (بن سلمان) هو من اتخذ قرار الحرب في اليمن"، مؤكداً أن "كافة الأموال التي دفعتها السعودية للمقاتلين في سوريا كانت بلا فائدة"، وأن السياسة السعودية في سوريا "انهارت تماماً".

ولم تفلح الترسانة العسكرية السعودية في حمايتها من ضربات الحوثيين، بحسب ميخين. كما أن انهيار أسعار النفط والأزمة المفتعلة مع قطر، زادت من الضغوط على اقتصاد المملكة التي أصبحت مثار خوف المستثمرين بعد حملة الاعتقالات ومصادرة الأموال الأخيرة، بحسب جيوبوليتيكا.

وما يزيد الأزمة، يضيف المحلل الروسي، هو قفز بن سلمان على السلطة بطريقة مخالفة لتقاليد الحكم بالمملكة، وهو الذي لا يمتلك خبرة ولم يصل إلى ما وصل إليه إلا بفضل والده.

وخلص ميخين إلى أنه "سيكون صعباً على بن سلمان إخراج المملكة من الأزمات التي صنعها بنفسه، بسبب تصريحاته ضد إيران، خاصة أنه هو من أطلق الشرارة الأولى للأزمة مع قطر".

مكة المكرمة