السعي لخلافة بوتفليقة يؤجّج الخلافات بين أحزاب الموالاة بالجزائر

تفاقم الصراع بين دوائر السلطة

تفاقم الصراع بين دوائر السلطة

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 17-01-2018 الساعة 14:33


يعيش الجزائر مجدداً على وقع تجاذبات حادّة بين أقطاب السلطة، يشبه إلى حدٍّ كبير السيناريو الذي شهدته انتخابات الرئاسة التي جرت في 2014؛ حيث شهدت البلاد آنذاك جدلاً واسعاً وتجاذبات معلنة بين عصب السلطة، بشأن الولاية الرابعة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

ويربط البعض التجاذبات الحاصلة في الوقت الحالي بترتيبات الانتخابات الرئاسية المقرّرة في 2019.

وتشهد البلاد خلافات بين قادة حزبي الموالاة، وخاصة أمين عام جبهة التحرير (حزب الأغلبية البرلمانية)، جمال ولد عباس، وحليفه في السلطة ورئيس الحكومة الحالي وأمين عام حزب "التجمّع الوطني الديمقراطي"، أحمد أويحيى.

وطفت هذه الخلافات على السطح مجدداً بعدما عقد أويحيى، بصفته وزيراً أولاً (رئيس حكومة) لقاءً يسمّى "لقاء الثلاثية"، ويجمع الحكومة مع الأمين العام للاتحاد العام للعمال، عبد المجيد سيدي السعيد، وعلي حداد، رئيس منتدى رؤساء المؤسّسات، وهو اللقاء الذي انتهى بقرارات أثارت انتقادات واسعة، أهمّها خصخصة شركات القطاع العام المفلسة، والتخلّي عن رخص الاستيراد، وإلغاء استيراد ألف منتج عام 2018.

- بروز الخلاف

ولم تمضِ أيام قليلة على هذا اللقاء حتى دعا أمين عام حزب "جبهة التحرير الوطني" إلى اجتماع موازٍ، بمقر حزبه في أعالي حيدرة بالعاصمة الجزائر، وهو الأمر الذي فُهم على أنه اعتراض من "جبهة التحرير" على لقاء الحكومة بشركائها الاقتصاديين، ما طرح الكثير من التساؤلات بشأن أسباب وأبعاد خلاف بين حزبين يدّعيان أنهما يطبقان برنامجاً واحداً يعكس رؤية الرئيس بوتفليقة.

خلافات الشخصيات المحسوبة على السلطة لم تقتصر على جمال ولد عباس والوزير الأول أحمد أويحيى، بل شملت أيضاً وزير الطاقة السابق، شكيب خليل، الصديق المقرّب من الرئيس بوتفليقة، والذي شنَّ مؤخراً، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، هجوماً حادّاً وغير مسبوق على أويحيى، وهو الهجوم الذي اعتبر أنه يعكس طموح الرجلين إلى خلافة الرئيس بوتفليقة في قصر المرادية.

هذا التضارب بين حزبي السلطة وصفه رئيس حركة مجتمع السلم، عبد الرزاق مقري، بأنه "حالة تحلّل سياسي حقيقي"، معتبراً أن اعتراض جبهة التحرير "كان يجب أن يكون على مضمون وشكل الثلاثية وليس على الجهة التي تقيمها وإقامة ثلاثية بدلاً منها"، لأن عقد الثلاثية برأيه "هو اختصاص الحكومة التي تعتبر جبهة التحرير طرفاً أساسياً فيها".

اقرأ أيضاً :

سعياً لخفض الواردات.. الجزائر تحظر استيراد 900 سلعة

- صراع داخلي

وفي تصريح لـ "الخليج أونلاين"، شدد مقري، على أن هذا التجاذب "دليل على وجود صراع داخل النظام السياسي، رغم محاولات النفي المتكرّرة، وأن مسألة الانتخابات الرئاسية لم تحسم بعد، وأنها سبب الاضطراب السياسي الذي تعيشه الجزائر".

وخلال الاجتماع الشهري للمكتب السياسي لحزب "طلائع الحريات"، الذي يتزعّمه رئيس الحكومة الأسبق، علي بن فليس، في 13 يناير الماضي، لفت الحزب إلى تفاقم الصراع بين دوائر السلطة التي تنشط ليضعف بعضها بعضاً، فـــي منظور الانتخابات الرئاسية المقبلة.

وعبّر المكتب السياسي للحزب، في بيان تلقّى "الخليج أونلاين" نسخة منه، عن "انشغاله العميق وتخوّفاته مما يحمله هذا التلويث للحياة السياسية من تهديد للاستقرار وللأمن الوطنيين، عبر وسائل الإعلام".

ورأى الحزب أن ذلك "من شأنه تغذية الانسداد السياسي الذي يشكّل مع الأزمة الاقتصادية وتنامي التوتّرات الاجتماعية عامل خطر جدياً للانزلاقات، يتحمّل النظام القائم وحده المسؤولية الكاملة عن ذلك؛ لأنه المتسبّب في تحييد كل الوساطات الاجتماعية الممكنة".

وفي تحليله لأبعاد وأسباب هذه التجاذبات، ربط الأستاذ في العلوم السياسية، محمد بوضياف، ما يحدث من صراع بالخيارات الاقتصادية التي تمرّ بها البلاد.

وأوضح أن أفريقيا "أصبحت رهاناً للاقتصاد العالمي، وتتطلّع الكثير من القوى إلى الظفر بمكانة في سوقها". وفي تقدير بوضياف فإن الجزائر "مفتاح هذه اللعبة؛ في ظل تراجع واضح لمعدلات النموّ العالمية".

وفي حديثه لـ "الخليج أونلاين"، اعتبر بوضياف أن "الجزائر تعتبر ذلك فرصة ثمينة لا بد من استغلالها للإقلاع بالاقتصاد الوطني، رغم أن التجاذبات بين القوى الإقليمية والعالمية، وحتى الصاعدة منها، شديدة، والخيارات في ذلك حاسمة بالنسبة إلى الجزائر؛ لاعتبارات كثيرة ومعقّدة، يختلط فيها الأمني بالاقتصادي بالثقافي بالوضع الداخلي الهشّ".

وقد يحتاج كل ذلك، برأي المحلل الجزائري، إلى تركيز وحسابات وتخريجات تليق بالفرصة المتاحة وكلفة خسارتها، ومن ثم لا بد من قراءة المشهد بهذه العين لا غير.

وعلى ضوء ما سبق، اعتبر بوضياف أن التصريحات المتضاربة بين قادة البلد "لا تعدو أن تكون مخرجات واستجابات متنوّعة لعملية مساومة يخضع لها مسؤولو الدولة الجزائرية في ظل وضع مضطرب، وأن الجشع الفرنسي بالاحتفاظ بالامتيازات التاريخية والثقافية يعطّل كثيراً وتيرة استغلال هذه الفرصة".

كما لفت إلى أن الجزائر "تبحث مع كل شركائها الغربيين خاصة تعاملاً تفضيلياً لموقعها الجغرافي والموارد التي تتمتّع بها، بالإضافة إلى استقرارها وتحكّمها بكثير من مجريات المنطقة والقارّة، وهذا باعتراف الألمان الذين يعيبون على فرنسا بعض حرصها الزائد على معاملة الجزائر بالدون".

الإغراءات الأمريكية للجزائر تتمثل بعروض من غرفة التجارة الأمريكية تشمل حزمة استثمارات، ومن ثم، يضيف المحلل الجزائري: "نفهم التردّد والارتباك الذي يعانيه قادة الجزائر، إذا استثنينا بعض الارتباط الذي يبديه بعضهم لفرنسا".

الاقتصاد الجزائري، برأي بوضياف: "اليوم في مفترق طرق، ويكاد يكون بلا هوية، فهو يتعامل بعيداً عن كل رؤية تحصره في الزاوية، ويتعاطى مع كل العروض، دون نسيان المخاطر التي قد تشكّلها القرارات الحاسمة، ومن ثم نجده يكتنز بعض الهوامش للحلفاء التقليديين، خاصة الشريك الروسي والصيني، وقد رأى بأمّ عينه تلاعبات الغربيين في العراق وسوريا، واليوم في إيران وتركيا".

وخلص المحلل الجزائري إلى أن "كل ما يجري يتم في أجواء يحضّر فيها لانتخابات رئاسية تعتبر مفتاحاً للعملية السياسية في الجزائر".

وللاعتبارات التي ذكرها، يبدو أنه لن تكون هناك مفاجأة، وسيكون الرئيس من حزب الأغلبية حتى يتم استكمال هذه الرؤية. ويبدو أيضاً أن كل الفاعلين في الساحة السياسية الجزائرية على اختلاف توجهاتهم، ويقصد من هم في السلطة، على نفس الذبذبات مع الرئيس، كما يقول بوضياف.

مكة المكرمة