السودانيون في مواجهة جديدة أمام العسكر بسلاح "العصيان المدني"

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/LmXP2A

قوى الاحتجاج في السودان تبدأ إضراباً لزيادة الضغط على المجلس العسكري

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأحد، 09-06-2019 الساعة 15:33

بدأ يوم الأحد (9 يونيو) العصيان السياسي العام في السودان، لإجبار المجلس العسكري الانتقالي على تسليم السلطة للمدنيين، وذلك بعد فشل المفاوضات بشأن مجلس السيادة.

ويأتي العصيان المدني غداة زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد للخرطوم، لعرض وساطة بين قادة الاحتجاجات والمجلس العسكري الذي يحكم السودان منذ الإطاحة بعمر البشير في 11 أبريل.

كما يأتي كذلك بعد خمسة أيام من فض قوات الأمن بشكل عنيف اعتصاماً نظم منذ 6 أبريل، أمام مقرّ الجيش في الخرطوم، بعدما توسعت حركة الاحتجاجات التي انطلقت في ديسمبر الماضي ضد حكم الرئيس المعزول البشير.

وأوجد شروع قوى الحراك الشعبي في التحضير للعصيان والإضراب السياسي سؤالاً حول مدى استجابة النقابات والتنظيمات العُمالية للدعوة، ومدى نجاح الخطوة في الضغط على المجلس العسكري.

ماذا يعني العصيان المدني؟

والعصيان المدني بتعريفه الاصطلاحي، هو الرفض المتعمَّد والعلني والسلمي لطاعة الأوامر أو القوانين الظالمة التي تسنها أو تطبقها سلطة تنتهك الحقوق العامة للشعب، أو تقصر في تحقيق مصالحه، أو تنتهك الأهداف الأساسية والقيم الحاكمة لنظامه الدستوري.

ويحيل المفهوم إلى جملة من المعاني التي تلازم طبيعته وهدفه، مثل ضرورة اتسام رفض طاعة القوانين الظالمة بكل خصائص التمدّن من كياسة مع الخصم واستعداد للحوار معه، وأن يكون العصيان غير مسلح ولا عنيفاً، وتجنب مناهضة قوانين عادلة أو توخي غايات إجرامية من وراء عصيانها. وقد يكون رفض طاعة القوانين شاملاً أو محدوداً في مكانه وزمانه ومجاله.

وهكذا فإن العصيان المدني على الصعيد الفردي موقف مبني على جملة من القيم أساسها رفض الظلم والخضوع للطغيان، ويصب على الصعيد الجماعي في تحرك سياسي يتسم بالوقوف الثابت والمنظم والعلني والمتواصل في وجه كل القوانين المضادة للحقوق الشرعية للفرد والمجتمع.

والعمل على تعطيل هذه القوانين الجائرة وإزالتها بكل الوسائل السلمية دون غيرها، من خلال الامتناع عن تنفيذ أوامر السلطة والتوقف عن دفع الضرائب ورسوم الجمارك والموارد المالية الأخرى، كما يحدث حالياً في السودان.

إضراب سابق ناجح

شهد السودان  (28 مايو الماضي) إضراباً عاماً استمر يومين، بناء على دعوة قادة حركة الاحتجاج بهدف زيادة الضغط على المجلس العسكري الحاكم لنقل السلطة الى المدنيين.

وعلق مئات الركاب في مطار الخرطوم الدولي وكذلك في محطة الحافلات الرئيسية في العاصمة إثر انضمام العديد من الموظفين إلى الإضراب. كما توقف موظفون في مكاتب حكومية وفي شركات خاصة عن العمل.

واتسعت رقعة الإضراب في القطاع المصرفي وبنك السودان المركزي وشركة الخدمات المصرفية الإلكترونية، التابعة للبنك المركزي، كما شهد الميناء الجنوبي -أكبر الموانئ السودانية في بورتسودان (675 كيلومتراً شمال شرق العاصمة الخرطوم)- إضراباً توقفت معه عمليات المناولة بالكامل.

السودان

وكان لافتاً امتداد الإضراب لأعضاء "الكنترول" لتصحيح امتحانات الشهادة السودانية بالقرب من ميدان الاعتصام أمام قيادة الجيش في الخرطوم، كما امتد وسط التجار في أسواق نيفاشا وشارع الحرية (وسط الخرطوم) والسجانة (جنوب العاصمة) والشهداء في أم درمان، فضلاً عن إضراب عدد من المحلات التجارية الكبرى.

 وشارك في الإضراب أيضاً العاملون في مجموعة شركات "دال"، إحدى كبرى المجموعات الصناعية، التي تضم مصانع كوكاكولا ومطاحن "دقيق سيقا" و"ألبان كابو"، كما أعلنت 277 صيدلية في ولاية الخرطوم الالتزام بالإضراب، وأغلقت أغلب الصيدليات في مدن الولاية أبوابها.

هل ينجح العصيان المدني الجديد؟

ورجح أستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية، إبراهيم عبد اللطيف، أن تجد الدعوة استجابة واسعة من قبل منسوبي المؤسسات العامة والخاصة، على اعتبار أن الحالة الثورية تمددت إليها بصورة كبيرة.

ونقلت قناة "الجزيرة مباشر" عن عبد اللطيف قوله، إن المناخ العام يبدو مواتياً لتنفيذ الإضراب والعصيان المدني، خاصة أن معظم المؤسسات الحكومية تعيش حالة من الفوضى وعدم الانضباط وغياب الموظفين، منذ عزل الرئيس السابق عمر البشير في الحادي عشر من أبريل الماضي.

وأضاف أن المزاج العام في السودان "يساند خطوات الضغط على المجلس العسكري، ما قد يساهم في نجاح العصيان والإضراب العام".

من جانبه توقع رئيس تحرير صحيفة (الانتباهة) السودانية، النور أحمد النور، أن يحقق الإضراب استجابة جزئية، لأن المؤسسات الحكومية لاتزال تُدار من قبل عناصر النظام السابق.

وأضاف: "إن النظام السابق نفّذ ما يُعرف في السودان بسياسة التمكين، التي جعلت مقاليد الخدمة المدنية في أيدي منسوبيه، ما قد يُصعِّب من نجاح الإضراب بصورة كلية".

ورأى الإعلامي محمد كريشان أن العصيان المدني في السودان يعد "الشوط الأخير، لكنه الأصعب والأقسى أمام السودانيين حتى يتخلصوا من حكم العسكر".

تفاعل وصور توثق العصيان!

وقالت وكالة "الأناضول" إن هناك إغلاقاً شبه كامل للبنوك ومراكز الكهرباء والمقاهي، كما أغلق محتجون شوارع في مدن الخرطوم وأمدرمان وبحري (العاصمة السودانية) بالحواجز والمتاريس.

وحسب الوكالة، تحولت الخرطوم إلى ثكنة عسكرية بعد انتشار واسع للجيش وقوات الدعم السريع والأمن والشرطة في الشوارع الرئيسية.

وأشارت إلى أن القوات الأمنية تعمل على إزالة المتاريس التي أقامها المحتجون، بالاستعانة بآليات ثقيلة لنقل الحجارة الكبيرة إلى أماكن بعيدة، تخوفاً من إعادتها مرة أخرى.

وانتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي صور وفيديوهات توثق بدء العصيان المدني في السودان، في وقت تفاعل الكثير مع وسم "#العصيان_المدني_الشامل".

وأشار ناشطون في "تويتر" إلى إغلاق الأسواق الشعبية في الخرطوم، وفي مقدمتها السوق الشعبي، والسوق الكبير، والسوق المركزي، السوق الصغير.

ونشر ناشط يدعى هاشم العتماني فيديوهات وصوراً في صفحته بـ"تويتر"، توثق خلو الشوارع الرئيسية في الخرطوم من السيارات والمواطنين.

كما نشر ناشطون صوراً من مطار الخرطوم، يظهر تكدس المسافرين وحقائبهم، بعد بدء الإضراب صباح اليوم الأحد.

كما تحدث نشطاء عن إطلاق قوات الشرطة، بالاشتراك مع قوات الجنجويد، وابلاً من القنابل المسيلة للدموع منذ الصباح الباكر، لترهيب المواطنين أمام مستشفى البراحه بالخرطوم.

 إجراءات العسكر

واستباقاً للعصيان لجأ المجلس العسكري إلى تفعيل دور النقابات بعد أن حلها في بداية عهده بالسلطة، إذ أعادها إلى العمل تحسباً لتلويح قوى التغيير باستخدام سلاح الإضراب والعصيان.

ويرى بشرى الطيب، المهندس الزراعي والقيادي في قوى التغيير، أن هذه الخطوة من جانب المجلس لن تمكنه من إدارة مؤسسات الدولة بواسطة منسوبي النظام القديم.

ويؤكد الطيب أن مداومة من يسميهم "أصحاب الامتيازات" على العمل لن تكسر العصيان، لأن لجان التنسيق داخل القطاعات المهنية تتحسب لذلك، وتعتبر أولئك النفر جزءاً من الثورة المضادة.

وما يشجع قوى التغيير على المضي قدماً في طريق التصعيد حتى بلوغ العصيان الشامل، أن سلطات المجلس تواصل حملة اعتقالاتها للناشطين رغم إعلانها قبول وساطة رئيس الوزراء الإثيوبي، مما يؤكد -على حد تعبيره- ضعف خيال المجلس العسكري في إدارة المفاوضات.

وفي سياق التصعيد واستعداداً لما يتوقع من شلل للحياة في العاصمة، ألقى المجلس العسكري القبض على النقيب عادل المفتي، رئيس شعبة النقل الجوي، وهي شعبة شاركت بفعالية في الإضراب الأخير.

وبحسب "سي إن إن"، شملت الاعتقالات التي جرت في وقت متأخر من السبت، الأمين العام للحركة الشعبية لتحرير السودان إسماعيل جلاب، والمتحدث باسم الحركة مبارك العريض، ومحمد عصمت القيادي بقوى "إعلان الحرية والتغيير" المحرِّكة للاحتجاجات في السودان، وهو من بين القيادات التي التقت، الجمعة الماضي، رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد.

واليوم الأحد، قالت "وكالة الأناضول" إن قوات الشرطة والجيش السوداني اعتقلت عدداً من الموظفين بشركة الكهرباء وبنك السودان ومطار الخرطوم، بسبب مشاركتهم في الإضراب.

 ما أهمية العصيان المدني؟

يعتبر الإضراب العام والعصيان المدني، الذي دعت له القوى المشاركة في الاحتجاجات، أداة مهمة للغاية لقياس مدى شعبية المحتجين، وتملك قوى الحرية والتغيير قوة في مواجهة المجلس العسكري الذي يمتلك مفاصل الدولة والسلاح.

وفي حال نجح الإضراب بشكل كبير وواضح فسيكون دفعة مهمة للغاية لتلك القوى في مواجهة المجلس العسكري، وقد يجبره على الخضوع لمطالب تسليم السلطة للمدنيين، خصوصاً بعد المجزرة التي ارتكبها في 3 يونيو التي أسفرت عن سقوط أكثر من 100 قتيل والمئات من الجرحى والمصابين.

وقال تجمُّع المهنيين السودانيين في بيان له، إن العصيان المدني الذي بدأ تنفيذه الأحد، يهدف إلى شل الحياة العامة تماماً، حتى يفقد النظام سيطرته التي يحاول فرضها "من خلال مجرمي مليشيات جهاز الأمن والجنجويد".

وأكد تجمُّع المهنيين السودانيين، الذي أطلق الحركة الاحتجاجية في السودان، أن العصيان المدني سيبدأ اليوم الأحد، ولن ينتهي إلا بقيام حكومة مدنية، بإذاعة "إعلان بيان تسليم السُّلطة"، من خلال التلفزيون السوداني.

 ومنذ السادس من أبريل، يتظاهر آلاف السودانيين للمطالبة بتنحي عمر البشير الذي أطاح به الجيش في 11 أبريل وتولّى السلطة مكانه، فتحوّل المحتجون إلى المطالبة بتسليم السلطة إلى المدنيين.

مكة المكرمة