الطائرات الورقيّة.. كابوس يواصل حرق عقول وحقول "إسرائيل"

الطائرة الورقية تطلق من غزة صوب "إسرائيل"

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 06-07-2018 الساعة 11:52

لا تزال الطائرات الورقيّة التي تُطلق من قطاع غزة نحو المستوطنات الإسرائيلية المحاذية تشكّل هاجساً وصداعاً لدولة الاحتلال العاجزة عن وضع حلول عمليّة لهذا النوع الجديد من المقاومة، الذي أحرق العقول قبل الحقول، رغم مرور 100 يوم على أول إحراق مستوطنة وتحويلها للون الأسود.

في اليوم الأول من إطلاق الطائرة الورقية وإحراقها لمساحات صغيرة من المحاصيل التابعة للمستوطنين قرب حدود غزة الشرقية، تعاملت "إسرائيل" وقواها الأمنية والعسكرية بنوعٍ من البرود والاستهتار حيال هذا الأسلوب الجديد من المقاومة، ولم يتوقّع أكثر المراقبين والخبراء الإسرائيليين أن تشكّل تلك الورقة الصغيرة خطراً يهدّد أمنها واقتصادها، وقد تسبّب إشعال حرب جديدة.

ورغم أن دولة الاحتلال استخدمت القوة المفرطة في التعامل مع هذا التهديد بقصف غزة، وملاحقة المسؤولين عن صناعة الطائرات، وتهديدهم بالقتل والاغتيال، فإنّ سماء الحدود لا تزال تُسجّل تحليق مئات الطائرات التي تجاوزت عمق الـ45 كيلومتراً داخل الأراضي المحتلّة، وباتت تشكّل الخطر الأكبر لدى الإسرائيليين.

وبحسب إحصائيات إسرائيلية رسمية، فإن الخسائر الاقتصادية التي تكبّدتها دولة الاحتلال نتيجة الحرائق التي تندلع يومياً بسبب "الطائرات الورقية الحارقة" التي يُطلقها الفلسطينيون من غزة، منذ 100 يوم، تجاوزت الـ 5ملايين دولار أمريكي، بعد إحراق أكثر من 6000 دونم من الحقول الزراعية، وهذه البيانات لا تشمل الأضرار التي لحقت بالغابات والمحميّات الطبيعية والبنى التحتيّة الأخرى التي قد تصل إلى 30 ألف دونم.

الموت القادم من السماء

"تهديد إسرائيل لا يُخيفنا، والطائرة الورقيّة التي كانت في السابق لعبة أطفال تستهين بها دولة الاحتلال أصبحت اليوم خطراً وموتاً يحيط بها من كل مكان، والقادم سيكون أكبر وأخطر عليها"، بهذه الكلمات بدأ مسؤول وحدة الطائرات الورقية "أبناء الزواري"، شرقيّ غزة، ويدعى "أبو حمزة"، ردّه على تساؤلات "الخليج أونلاين" حول تطوّر الطائرات الورقية ومدى تأثيرها في دولة الاحتلال بعد مرور 100 يوم على انطلاق أول طائرة حارقة.

"أبو حمزة"، الذي فضّل عدم ذكر اسمه الحقيقي نظراً لملاحقة "إسرائيل" للمسؤولين عن الطائرات الورقيّة بغزة وتهديدها باغتيالهم، أكّد أن فكرة الطائرة الورقية "نابعة من شعب يعاني تحت الاحتلال والحصار لأكثر من 12 عاماً، ولكنه بقي يقاوم ويناضل بشتى الطرق المتوفّرة له حتى توصّل للطائرة والبالون الحارق".

ويضيف: "طائرة ورقية صغيرة لا يتجاوز ثمنها 3 دولارات وصناعتها العشر دقائق قلبت حسابات إسرائيل الأمنيّة والسياسية والعسكرية والاقتصادية، بعد أن تجاوزت فعالياتها وتأثيرها حدود المعقول، وحوّلت غلاف غزة بأكمله إلى مناطق تخضع لسيطرتها وكأنها موت قادم للإسرائيليين من السماء لا يمكن لأحد أن يوقفه".

"أبو حمزة" كشف خلال حديثه لـ"الخليج أونلاين" أن آخر طائرة وبالون حارق وصل لعمق 45 كيلومتراً داخل الأراضي المحتلة، وخلال الأيام المقبلة ستتجاوز تلك الطائرات والبالونات الحارقة عمق الـ55 كيلومتراً، بعد نجاح مراحل التطوير التي أُدخلت عليها.

الطائرة الحارقة، بحسب مسؤول وحدة "أبناء الزواري"، "سيكون لها شأن قوي خلال أسابيع قليلة، وستقف دولة الاحتلال بكل أجهزتها الأمنيّة حائرة ومصدومة من رؤية مدى تأثير وقوة تلك الطائرات على أرض الواقع، والأماكن التي ستصل إليها وما تحمله معها".

و"الزواري" طيّار تونسي أشرف على مشروع تطوير طائرات بدون طيار لكتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة "حماس"، واغتيل أمام منزله بمدينة صفاقس التونسية، في 15 ديسمبر 2016، واتّهمت القسام "إسرائيل" باغتياله.

وختم "أبو حمزة" حديثه بالقول: "الطائرات الورقيّة شكل من أشكال المقاومة ابتدعها شباب غزة لمقاومة ظلم وحصار هذا المحتلّ، وهي مشروعة تكفّلت بها كل القوانين الدولية، وبعد الـ100 يوم ستكون هناك مفاجآت قادمة وقوية ستنزل كالصاعقة على الإسرائيليين، وستصبح كل المستوطنات المحيطة بغزة هدفاً مشروعاً لها، وكل التهديدات التي تُطلق من قبل المحتلّ بالتصعيد والاغتيال لن تخيفنا، وعليهم انتظار القادم".

وخلال الـ100 يوم المنصرمة، حاولت سلطات الاحتلال مواجهة معضلة التصدّي لظاهرة الطائرات والبالونات الحارقة، التي أدخلها الفلسطينيون كسلاح جديد بالتزامن مع انطلاق مسيرات العودة الكبرى، نهاية مارس الماضي، التي وصفها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بـ"الكابوس".

وحاولت "إسرائيل" من خلال القصف المباشر لمطلقي البالونات الحارقة في عمق القطاع، وتفعيل سياسة الاغتيالات، إضافة للتلويح بعدوان شامل على غزة، لردع مطلقي البالونات والسيطرة عليها، إلا أنها فشلت، وبقيت البالونات ترسل وتحرق قلوبهم قبل حقولهم.

في حين يسود جدل في الحكومة الإسرائيلية حول سبل مواجهة الظاهرة، إذ يرى بعض أركان الحكومة، مثل رئيسها ووزير الجيش، ضرورة تجنّب قتل مطلقي هذه الطائرات؛ للتأثير السلبي لذلك على صورة "إسرائيل" عالمياً، في حين يرى وزراء آخرون، مثل نفتالي بينيت وجلعاد أردان، ضرورة السماح للجيش بقتلهم.

نظرية "الطائرة الورقية" تقوم بعد تصنيعها من عيدان الخشب وأكياس النايلون على اختيار الشبّان منطقة حدودية بعيدة عن دوريات جيش الاحتلال، ثم إشعال النار في "الحارقة" المثبّتة بذيلها، وتوجيهها بالخيوط إلى أراضٍ زراعية قريبة من مواقع عسكرية إسرائيلية، ثم قطع الخيط، فتسقط "الطائرة الحارقة" وتُشعل النيران بالمكان الذي تسقط فيه، وتحوّله إلى اللون الأسود بعد ساعات قليلة.

شبح الخوف والخسائر

وفي هذا السياق ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية أن أكثر من 20 حريقاً يومياً يندلع بسبب الطائرات الورقية وبالونات الهيليوم الحارقة.

وقالت الصحيفة في تقرير تزامن مع مرور 100 يوم على هذا الاختراع: "الطائرات الورقية وبالونات الهيليوم الحارقة باتت تشكّل تهديداً حقيقياً للمستوطنات المحيطة بغلاف غزة"، مضيفةً: "النيران أتت على مساحات واسعة من الأراضي والغابات والمحميّات الطبيعية، حيث وصل عدد الحرائق إلى أكثر من 600 حريق منذ هذا التاريخ (30 مارس)".

وأشارت إلى أن "المحصول الرئيس المدمَّر هو القمح، مع تدمير أكثر من 6000 دونم من الأراضي الزراعية، مقابل 30 ألفاً من الدونمات الأخرى في الأراضي المفتوحة".

ويقول حسن عبدو، المختصّ بالشأن الإسرائيلي: إن "الطائرة الورقيّة التي تُعدّ لعباً للأطفال باتت الآن تُشكّل خطراً أمنياً واقتصادياً على إسرائيل، بعد دخول تلك الطائرات مرحلة متقدّمة في المقاومة ووصولها إلى أماكن كان من الصعب توقّع أن تصل لها وإحراقها بالكامل".

وفي تصريحات خاصة لـ"الخليج أونلاين" يضيف: "هذا النوع الجديد من المقاومة تقف دولة الاحتلال بأكملها عاجزة عن السيطرة عليه، وليس هذا فقط، بل بات يشكّل هاجس قلق وخوف لدى دولة الاحتلال من المناطق الحسّاسة التي يمكن أن تصل إليها تلك الطائرات خلال الأيام المقبلة".

وتوقّع عبدو أن تنجح المقاومة الفلسطينية في استغلال هذا النوع الجديد من المقاومة وتطويره ليكون نقطة تحوّل في الصراع العسكري والأمني مع المحتلّ الإسرائيلي، مشيراً إلى أن كل وسائل الردع التي استخدمتها "إسرائيل" لمواجهة الطائرات الحارقة قد فشلت في هدفها، وهذا الأمر يُعطي دافعاً إيجابياً وقوياً للمقاومة لتطوير هذا النوع ليكون أكثر تأثيراً وتدميراً في المرحلة المقبلة.

وزعم وزير الجيش الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، في تصريحات بـ4 يونيو الماضي، أن الفلسطينيين أطلقوا 600 طائرة ورقية منذ بدء الاحتجاجات الفلسطينية، في 30 مارس الماضي، تمكّن الجيش من اعتراض 400 منها بوسائل تكنولوجية، في حين سقطت 200 في الأراضي الإسرائيلية وتسبّبت بإحراق 9000 دونم زراعي.

وابتكر الفلسطينيون منذ اندلاع الانتفاضة الأولى أدوات مقاومة تقلِّص من تأثير الإجراءات العسكرية والعوائق المادية التي يبنيها جيش الاحتلال في محيط القطاع.

فقد تمكّن الفلسطينيون عند اندلاع الانتفاضة الأولى، أواخر عام 1987، من إحراق مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية للمستوطنين في محيط القطاع من خلال ربط خيط طويل بذيل قطة وتركها تنطلق عبر الخط الحدودي بعد إحراق طرف الخيط.

مكة المكرمة