العراق.. تعديل قانون الانتخابات يكرس ديكتاتورية الأحزاب الحاكمة

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/L9qnwK

المجتمع المدني اعتبر التعديل مجحفاً

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 26-07-2019 الساعة 17:27

أقر مجلس النواب العراقي (البرلمان) إجراء تعديل على قانون الانتخابات رقم  (12) لسنة 2018، الخاص بانتخاب أعضاء مجالس المحافظات والأقضية والنواحي، بعد جدل طويل ومفاوضات ماراثونية بين القوى السياسية، كما حسم المجلس في جلسته الاثنين (22 يوليو الجاري) موعد الانتخابات، لتكون في الأول من أبريل 2020.

ويرى مراقبون أن التعديل الذي أجراه مجلس النواب جاء على هوى مطالب الكتل المهيمنة على المشهد السياسي في العراق، والتي أصرت على اعتماد نظام التمثيل النسبي وفقاً لآلية (سانت ليغو 1.9)، والتي يرون فيها إجحافاً وإقصاءً للأحزاب الصغيرة وللمستقلين، حيث تتراجع حظوظهم بالفوز لتصبح شبه معدومة.

و"سانت ليغو" هي آلية لتوزيع المقاعد في القوانين الانتخابية تعمل بنظام التمثيل النسبي، وأصلها أن يتم تقسيم أصوات التحالفات على الرقم 1.4 تصاعدياً، وفي هذه الحالة تحصل التحالفات الصغيرة على فرصة للفوز؛ أما إذا زاد العدد، كأن يكون 1.5 أو 1.6 فصاعداً، فإن حظوظ الكيانات السياسية الكبيرة تتصاعد على حساب الصغيرة. 

وتم اعتماد نسبة 1.4 في انتخابات عام 2013، وتسبب ذلك بفوز أحزاب صغيرة ومرشحين مستقلين تمكنوا من التأثير على قرارات الحكومات المحلية، وهو ما أزعج الأحزاب الكبرى المسيطرة على المشهد، لذلك دفعت إلى تعديل الآلية إلى 1.6 في الانتخابات التشريعية لعام 2014، ثم إلى 1.7 في انتخابات عام 2018، وأخيراً 1.9 في انتخابات مجالس المحافظات المقررة العام المقبل.

المجتمع المدني يُصعّد ويحتج

الأحزاب السياسية العراقية الصغيرة؛ وتلك الخاسرة لانتخابات مجلس النواب في مايو 2018 بسبب نظام الانتخابات، تكاد تكون مغيبة اختيارياً أو إجبارياً عن الساحة، دون أن تبدي أي رد فعل تجاه القانون الذي حرمها فرصة المشاركة السياسية.

في حين أخذت منظمات المجتمع المدني على عاتقها زمام المبادرة، فاجتمعت 28 منها، تمثل مختلف أنحاء العراق، في العاصمة بغداد وقررت رفض ما وصفته بـ"التعديل المجحف" لقانون الانتخابات.

وقالت في بيان لها، الخميس (25 يوليو الجاري)، تلقى "الخليج أونلاين" نسخة منه: "نحن مجموعة من منظمات المجتمع المدني المستقلة والناشطين والمدافعين عن حقوق الانسان، نعلن إدانتنا الشديدة للتعديل الأول على قانون انتخابات مجالس المحافظات غير المنتظمة بإقليم، والذي صوت عليه مجلس النواب العراقي، ونعبر عن قلقنا البالغ بخصوص معادلة احتساب الأصوات والتي رفعت لتكون (1.9)".

واعتبرت المنظمات أن "هذا التعديل مجحف ويعرقل عملية التمثيل الحقيقي للناخبين، لأنه يجعل المنافسة غير عادلة بين من يسعون إلى المشاركة في الانتخابات، ويحد من قدرة القوى السياسية الصغيرة والشخصيات المستقلة على الوصول إلى المجالس".

 وأكّدت أن الصيغة الحالية ترسخ "هيمنة وسيطرة الكتل والأحزاب المتنفذة والكبيرة على المفاصل الإدارية والتنفيذية في المحافظات".

وتابع البيان: "نحن ننظر بقلق بالغ إلى مصير الديمقراطية في العراق، وندعو مجلس النواب العراقي إلى عدم اعتماد هذه التعديلات والرجوع على الأقل إلى نسبة (1.3)".

وشددت المنظمات الموقعة على البيان، أنها ستتبع كل وسائل الاحتجاج اللا عنفي، من أجل التعبير عن الرفض لهذه التعديلات، وهو ما تفرضه المسؤولية الأخلاقية تجاه أبناء هذا البلد الذي ظلم ولا يزال من قبل ثلة من السياسيين الذين يلوون عنق القانون من اجل استمرار استئثارهم بالسلطة ومكتسباتها، وفق تعبيرهم.

الأحزاب الصغيرة تثير الفوضى

من جانبها تلقت أحزاب السلطة احتجاجات المجتمع المدني بعدم الاكتراث، وقالت النائبة انتصار الغريباوي عضوة اللجنة القانونية في المجلس النيابي: إن "الكتل الصغيرة عادة تخلق حالة من القلق والفوضى بعد إجراء الانتخابات، كأن يكون لديها مقعد أو مقعدان وتطالب بامتيازات عند تشكيل الحكومة المحلية".

وأشارت النائبة عن تحالف الفتح، الذي يتزعمه رئيس مليشيا منظمة بدر هادي العامري، إلى أن "القانون الجديد سيسهم في اختزال الكثير من الحلقات والجدل والوقت في تشكيل المجالس المحلية والحكومات بعد إجراء الانتخابات؛ لأنه سيضمن مشاركة عدد قليل من القوائم الانتخابية وستصبح كتلاً كبيرة تنضوي تحتها المكونات".

وأضافت في مؤتمر صحفي: "يجب أن تكون لدينا ثقافة الانتخابات ونستوعب فلسفة القانون الجديد؛ لأن الكثير من الدول الكبرى لا توجد فيها قوائم صغيرة أو أفراد يدخلون إلى الانتخابات، وإنما هناك كتل كبيرة تتنافس فيما بينها والفائزة منها تشكل الحكومة، والكتل المتبقية الأخرى تكون معارضة".

بدوره اعتبر الكاتب والباحث العراقي حسين السبعاوي، الخطاب الذي تعتمده الأحزاب الحاكمة خطاباً إقصائياً يغيب فيه المنطق السليم، ويضع العراق ف المقارنة بتجارب الديمقراطيات العريقة، والدول المحكومة بنظام سياسي مستقر ومنسجم.

وقال السبعاوي لـ"الخليج أونلاين": إن "مثل هذا المنطق يمكن أن يكون سليماً في بلد يتنافس فيه حزبان على الحكم، مثل الولايات المتحدة الأمريكية أو بريطانيا، أما في بلد متعدد الطوائف والأعراق والقوميات مثل العراق؛ بنيت فيه العملية السياسية منذ عام 2003 على الطائفية والقومية والعرقية، فمثل هذا القانون لا يحقق العدالة التي هي أساس النجاح في المجتمعات التي تمتاز بمثل هذا التنوع".

السنة هم الخاسر الأكبر   

ويرى السبعاوي أن "العرب السنة في العراق هم الخاسر الأكبر بعد إقرار هذا التعديل، فبعد تفكك الكتل السنية وتحولها إلى كانتونات، تحول السنة إلى أقلية في العملية السياسية، مقابل اصطفاف شيعي وإن تعددت فيه الرؤى، إلا أنه يتفق على وجهة واحدة في حكم العراق".

وأضاف: إن "تعديل القانون يضر بالأحزاب الصغيرة كذلك لأنه يقلل من فرصها في النجاح"، مستدركاً بالقول: "إن كانت هذه الأحزاب صورية، وتشبه دكاكين سياسية يتم تأسيسها للمشاركة في الانتخابات فقط، وبعضها يحل نفسه بعد الانتخابات، وبعضها الآخر يغير اسمه وتوجهه، فهي فاقدة للآلية التنظيمية التي تؤهلها للبقاء والاستمرار والنمو والتنافس".

وتوقع الكاتب والباحث العراقي أن "ينعكس تعديل القانون في إقبال الجمهور العراقي على صناديق الاقتراع، فالتشوهات والتجاوزات التي شابت العملية السياسية، وتغول الأحزاب الحاكمة التي تمكن الفساد ونشر أذرعه في ظلها، جعلت العراقيين يزهدون في الانتخابات، وهو ما شهدناه في انتخابات مجلس النواب التي لم تتجاوز نسبة المشاركة فيها سقف 30٪، كما أنّ هذه النسبة ستتراجع بشكل أكبر في انتخابات مجالس المحافظات العام المقبل".

من جهته اعتبر حسام الراوي، عضو التيار المدني العراقي، أن تعديل القانون بهذه الصيغة مؤشر على استمرار الفساد وهيمنة الأحزاب الطائفية على مقدرات البلاد.

وتابع في حديثه لـ"الخليج أونلاين": أن "نتائج الانتخابات السابقة التي اعتمدت على نسبة 1.7 لنفس الآلية أدت إلى حرمان وخسارة العديد من الأحزاب المدنية الصغيرة أصوات أنصارها التي ذهبت لمصلحة الحيتان الكبيرة الرافضة التنازل عن مقاليد السلطة".

وأكمل الراوي بالقول: إن "التعديل يحصر إدارة الدولة بيد الأحزاب التي أسست النظام السياسي الحالي بعد الاحتلال الأمريكي، وحكمت ولا زالت تحكم رغم تغير الأسماء والعناوين، إلا أنها هي ذاتها تعيد إنتاج نفسها بأسماء مختلفة".

يشار إلى أن التعديل الجديد قلص عدد أعضاء مجلس المحافظة، وجعل لكل محافظة عراقية 10 أعضاء، يضاف إليهم مقعد واحد لكل 200 ألف نسمة فوق المليون، كما تم شمول محافظة كركوك المتنازع عليها بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان بالانتخابات، والتي لم تجرَ فيها الانتخابات المحلية منذ 14 عاماً بسبب الخلاف بين أربيل وبغداد.

وتعتبر مجالس المحافظات جزءاً من الرؤية التي أقيمت عليها العملية السياسية في العراق عام 2003، القائمة على فكرة اللامركزية في الحكم، حيث منح الدستور العراقي صلاحيات إدارية ومالية كبيرة  للمحافظات غير المرتبطة بإقليم في المادة 122 منه، فضلاً عن المادة 123 والتي بموجبها يحق للحكومة الاتحادية أن تتنازل أو تمنح بعضاً من صلاحياتها للمحافظات.

مكة المكرمة