العلاقات الروسية الصينية.. محور متنامٍ في مواجهة التفرد الأمريكي

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/g3ZNWp

قوة موسكو العسكرية تكمل قوة بكين الاقتصادية لمواجهة نفوذ واشنطن

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 08-06-2019 الساعة 09:30

بقيت الصين على مدار القرن العشرين قوة صاعدة متنامية، لكن القيادة الصينية أبقت هذه القوة في الظل منكفئةً على ذاتها، فلم يكن في تخطيط القيادات المتعاقبة أن تصبح بكين عاملاً دولياً مؤثراً يمكن أن ينافس الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي السابق في صراع القوة وفرض النفوذ والسيطرة.

لكن سقوط الاتحاد السوفييتي، وانفراد أمريكا بالعالم فيما عرف لاحقاً بقوة "القطب الواحد"، حفّز العديد من القوى العالمية -ومنها الصين- على محاولة تشكيل المحاور لخلق عالم متعدد الأقطاب لا تبقى فيه السيطرة مطلقة للولايات المتحدة على العالم.

وحدث التغيير في مقررات مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني، في أكتوبر 2017؛ حيث تم الإعلان عن أهداف طموحة وتعزيز دور الصين في الشؤون العالمية.

الصين بقوتها الاقتصادية الصاعدة قادرة على منافسة ومواجهة الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها عسكرياً لن تكون قادرة على مجاراة القوة العسكرية الأمريكية، وسيبقى الوضع على هذا الحال على مدار عقود طويلة قادمة، كما يرى الخبراء.

ومع التقاء بكين مع موسكو في ذات الهدف؛ وهو تحجيم القوة الأمريكية وتشكيل عالم متعدد الأقطاب، تتضافر قوة الأولى الاقتصادية والثانية العسكرية لتشكلا محور مواجهة فعالاً قادراً على المنافسة.

تحالف بأجندات مختلفة

لكل من الصين وروسيا أجندتها ومصالحها في العالم، وبينهما صراع تاريخي و"جيواستراتيجي" على مناطق النفوذ الإقليمية، وبناء عليه شهدت العلاقات بينهما هبوطاً وصعوداً، وتطورت أحياناً إلى حد النزاع المسلح؛ كما حدث في شبه جزيرة "دامانسكي" في فترة السبعينيات من القرن الماضي، وهذا أمر طبيعي؛ فبين البلدين حدود يبلغ طولها 4200 كم.

لكن خلاف موسكو مع الغرب وتدهور علاقاتها معه منذ عام 2014، جعلها تنعطف نحو الشرق، حيث التنين الصيني بقوته الاقتصادية، وقد أسهم ذلك في تطوير العلاقات الاقتصادية بينهما حتى أصبحت الصين الشريك التجاري الرئيس لروسيا في الشرق.

لقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين، حتى منتصف ديسمبر 2018، أكثر من 100 مليار دولار، بحسب ما أعلن المتحدث الرسمي باسم وزارة التجارة الصينية، قاو فنغ، الخميس 10 يناير 2019؛ وهو ما يمثل رقماً قياسياً تاريخياً.

وأشار المتحدث إلى أن روسيا تحتل المرتبة الأولى بين الشركاء التجاريين الرئيسيين للصين في ديناميات نمو معدل التبادل التجاري.

ووفقاً لأرقام إدارة الجمارك الرئيسية في الصين، فقد ارتفع معدل التبادل التجاري بين موسكو وبكين، في الفترة من يناير إلى نوفمبر 2018، بنسبة 27.8% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2017، حيث بلغ 97.23 مليار دولار.

وارتفعت أيضاً الصادرات الصينية إلى روسيا في خلال الفترة المشمولة بالتقرير بنسبة 12%، وبلغت 43.45 مليار دولار، بينما ارتفعت الواردات من روسيا بنسبة 44.3% لتصل إلى 53.78 مليار دولار.

البلدان كانا قد حددا هدفاً استراتيجياً يتمثل في تعزيز التجارة إلى 200 مليار دولار بحلول عام 2020، وكانت قيمة التبادل بين البلدين بلغت 84 مليار دولار عام 2017.

تعاون سياسي ودبلوماسي

لم يقف التحالف الروسي الصيني عند البعد الاقتصادي، بل تعداه إلى تنسيق المواقف في القضايا الدولية على الصعيد السياسي؛ تجلى ذلك في وقوف بكين إلى جانب موسكو خلال أزمتها مع الدول الغربية بعد حادثة تسميم العقيد السابق في الاستخبارات العسكرية الروسية، سيرغي سكريبال وابنته يوليا، في بريطانيا، التي ألقت فيها لندن وحلفاؤها باللوم على روسيا، حيث عاقبت الدول الغربية روسيا بطرد مئات الدبلوماسيين.

أيضاً وقفت روسيا إلى جانب الصين ضد الحرب التجارية التي شنتها إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، على الصين.

وخلال زيارة مستشار الدولة الصيني، وزير الخارجية وانغ يي، إلى موسكو، في أبريل الماضي، بعث الطرفان رسالة غضب وتحذير إلى الولايات المتحدة؛ من جراء التدابير الحمائية التي اتخذتها على المنتجات الصينية.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، هاجم خلال اللقاء ما وصفه بالنهج الأحادي للبيت الأبيض، وقال: إن "الولايات المتحدة تسعى لفرض مصالحها الخاصة، بينما تتجاهل تماماً مصالح الآخرين، وهذا الأمر لا علاقة له بالدبلوماسية".

تحالف استراتيجي عسكري

روسيا والصين تتقاسمان الاتهام الغربي لهما بأنهما قوتان تتحديان الوضع الموروث عن فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وأنهما تسعيان لتعديله؛ ما يجعلهما تطرحان تهديداً عسكرياً غير يسير بالنسبة لحلف شمال الأطلسي "الناتو"، والولايات المتحدة الأمريكية.

وورد في استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2018 التي صدرت عن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون): إن "التنافس الاستراتيجي بين الدول، وليس الإرهاب، هو الآن الشاغل الرئيسي للأمن القومي الأمريكي؛ فالصين -وهي منافس استراتيجي- تستخدم الاقتصاد بطريقة عدوانية متوحشة من أجل تخويف جيرانها، بينما يعملون في الوقت نفسه على عسكرة الأوضاع في بحر الصين الجنوبي".

أما روسيا، بحسب البنتاغون، "فقد انتهكت حدود الدول المجاورة لها ودأبت على استخدام حق الفيتو على القرارات الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية الخاصة بجيرانها".

البلدان يدركان حجم التحدي الذي يواجهانه أمام محاولة الهيمنة الأمريكية، وأن تحالفهما معاً سيخلق قوة رادعة قادرة على إنهاء هيمنة أمريكا.

وقد تأكد تحالفهما العسكري بعد إجراء مناورات عسكرية بين الجيشين الصيني والروسي، في سبتمبر الماضي، وصفها الخبراء بأنها الكبرى في تاريخ روسيا، أطلِق عليها اسم "فوستوك 2018".

في هذه المناورات شارك أكثر من ألف طائرة روسية، و300 ألف عسكري، وأسطول المحيط الهادئ، والأسطول الشمالي، وقوات الإنزال بالكامل.

وشاركت الصين بـ3200 عسكري، و900 قطعة عسكرية بينها مقاتلات ومروحيات.

لكن الأهم من حجم المشاركة هو رمزيتها ودلالاتها السياسية؛ فقد رأى بعض المحللين أنه يؤشر على ولادة تحالف شرقي مفتوح على العديد من البلدان الإقليمية، قد يكون شبيهاً بـ"حلف وارسو".

تجدر الإشارة إلى أن المحادثات الروسية الصينية على مستوى القمة تجاوزت مؤخراً طابعها السنوي، حيث يجتمع رئيسا البلدين ثلاث مرات في السنة على الأقل في مناسبات؛ كمنتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والباسفيك، وقمة منظمة شنغهاي للتعاون.

ولعل من ثمرات هذه اللقاءات تنسيق مواقفهما في مجلس الأمن حيال العديد من القضايا؛ مثل الملف النووي الإيراني، والقضية السورية.

ويبقى الباب مفتوحاً على الاحتمالات في ظل ممارسة الولايات المتحدة ضغوطاتها السياسية عبر ذراعها الاقتصادية ضد دول العالم، وقد أخذ ذلك مداه الأبعد في عهد إدارة ترامب؛ حيث استخدمت العقوبات الاقتصادية ضد إيران وروسيا وتركيا بهدف الحصول على تنازلات سياسية.

خطوة واشنطن هذه تدفع العديد من الدول المحورية في المنطقة إلى التفكير الجدي بإيجاد محور موازاة مع القطب الأوحد، ما يجعل من انضمام دول مثل الهند وتركيا إلى روسيا والصين في تحالفهما أمراً وارداً في العقود القادمة.

مكة المكرمة