المبعوثون الأمميون.. سبع سنوات من الفشل المستمر

الأزمتان السورية واليمنية تمثلان أكبر تجليات فشل المبعوثين

الأزمتان السورية واليمنية تمثلان أكبر تجليات فشل المبعوثين

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأحد، 11-02-2018 الساعة 20:57


على مدار سبعة أعوام هي عمر الثورات العربية التي بدأت بتظاهرت سلمية ما لبثت أن تحولت إلى نزاعات مسلحة في دول، وانقلابات عسكرية في أخرى، تعاقب 10 مبعوثين أمميين على المنطقة في محاولة لتقريب وجهات النظر وإنهاء الصراعات، غير أن أحداً من هؤلاء لم يتحرك خطوة واحدة نحو تحقيق ما كُلّف به، بل إن بعضهم طالته اتهامات بالفساد والانحياز لطرف على حساب آخر.

مسيرة المبعوثين الأمميين إلى الدول العربية بدأت قبل سنوات، وتحديداً مع الحرب اللبنانية، ثم تكررت في السودان والعراق والصومال ثم ليبيا وسوريا واليمن. ورغم أن الغاية الكبرى من إيفاد هؤلاء المبعوثين كانت إطفاء الخلافات وإنهاء الحروب بين أبناء البلد الواحد، إلا أن محصلة أعمال أغلبهم في مجملها لم تخرج عن حدود المبادرات التي لم يلتزم بها أحد.

السنوات التي أعقبت الربيع العربي كشفت فشلاً كبيراً للمبعوثين الأمميين، وهو فشل يطرح تساؤلات كثيرة حول أسبابه وتداعياته وكيفية تجاوزه.

الأزمتان السورية واليمنية تمثلان أكبر تجليات فشل هؤلاء المبعوثين في أداء مهامهم التي يتقاضون مقابلها آلاف الدولارات شهرياً، كما أن الحال في ليبيا، التي مزقتها كثرة مراكز القوى، لا تختلف كثيراً عن الحال في شقيقتيها (سوريا واليمن).

عنان

انزلاق الثورة السورية سريعاً نحو الحرب دفع الجامعة العربية لإرسال بعثة مراقبين في ديسمبر 2011، برئاسة الدبلوماسي السوداني السابق محمد الدابي؛ "لتفقد الأوضاع بسوريا"، واستمر عمل الفريق قرابة الشهر، قدّم الدابي استقالته بعده.

وقبل أن يجف حبر استقالة الدابي، عيّنت الأمم المتحدة أمينها العام الأسبق كوفي عنان مبعوثاً عربياً ودولياً مشتركاً، في 23 فبراير 2012. وقد قدّم عنان خطة للسلام ووقف الحرب في البلاد، لكنه اصطدم بأفق سياسي وأمني وعسكري مسدود، فاستقال في 2 أغسطس 2012.

استقالة عنان طرحت تساؤلات كثيرة عن إدارته لمهمته وللأزمة، ثم تكرر الأمر نفسه مع الدبلوماسي الجزائري الأخضر الإبراهيمي، الذي اختير خلفاً لعنان مطلع سبتمبر 2012، وأعلن فشل مهمته نهاية مايو 2014، بعد وصول مفاوضات "جنيف 2" إلى طريق مسدود.

إقرار الإبراهيمي بفشله لم يمنع الأمين العام السابق للأمم المتحدة، بان كي مون، من تعيين السياسي والدبلوماسي السويدي استافان دي مستورا، خلفاً للإبراهيمي في يوليو 2014؛ ليكشف تعيينه أزمة المبعوثين الأمميين إلى سوريا وإضاعتهم البوصلة، بل والخضوع، بضغوط روسية، لرغبة النظام السوري على حساب الشعب.

الاخضر

دي مستورا بدا وكأنه يدور في حلقة مفرغة منذ توليه الوساطة، وسجّل هو الآخر فشلاً واضحاً في أداء أيّ دور إيجابي، ولم يتمكن من تحقيق خفض لمستوى العنف حتى في بعض المواقع التي كانت أطراف الصراع لديها بعض الاستعداد للوصول إلى هذه الغاية.

وخلال جولات جنيف الأربع، راوح دي مستورا في مكانه دون تحقيق تقدم يذكر، أو كسر الجمود في الأزمة السورية، فالأمم المتحدة ومبعوثوها أطالوا الأزمات، ويكسبون الوقت، ويستخدمون جملاً دبلوماسية وعبارات منمقة لإرضاء الأطراف، ولا شيء من ذلك تحقق سوى الاحتفالات والمؤتمرات الصحفية التي باء آخرها بالفشل في سوتشي الروسية، الشهر الماضي.

ورغم جهوده لإحلال السلام في هذا البلد الذي ينزف منذ 5 سنوات، في مساع يرى مراقبون أنها قد تؤهله لنوبل للسلام إن نجح في إحلال السلام، فإن المعارضة السورية تتهمه بالانحياز لنظام الأسد.

فقد لقي المبعوث الأممي ترحيباً كبيراً من نظام الأسد خلال زيارته إلى سوريا، على عكس المبعوثَين الأمميين اللذين سبقاه؛ الأخضر الإبراهيمي، وكوفي عنان، إذ كانا يتعرضان للشتم بوسائل إعلام النظام، والاستقبال البارد من قبل زعمائه.

وآخر مواقفه التي أغضبت المعارضة السورية كانت إعلانه، في السابع من سبتمبر 2017، أن الوقت مناسب للمفاوضات السياسية بشأن الأزمة السورية، "في ظل تحسن الوضع العسكري على الأرض"، وطالب المعارضة السورية بـ"التسليم بأنها لم تربح الحرب، وعلى النظام أن يعلم استحالة الحسم عسكرياً".

وتساءل دي مستورا: "هل الحكومة السورية التي تسعى لتحرير دير الزور والرقة مستعدة للتفاوض بدل الاكتفاء فقط بالإعلان عن انتصارها؟"، وأضاف: "الذي نعلم جميعاً أنه لن يكون (الانتصار) دائماً من دون عملية سياسية".

كما تساءل عن مدى قدرة المعارضة على "أن تكون موحدة وواقعية بالقدر الكافي لإدراك أنها لم تفز بالحرب"، مؤكداً أن هناك حاجة لحوار سياسي اعتماداً على قرار مجلس الأمن رقم 2254، ليرد كبير مفاوضي وفد المعارضة السورية إلى مفاوضات جنيف، محمد صبرا، بالقول إن دي مستورا "لم يعد وسيطاً نزيهاً أو مقبولاً بعد فقدانه الحيادية".

اقرأ أيضاً :

بغياب المعارَضة.. اختتام "سوتشي" بتشكيل لجنة دستورية لسوريا

- اليمن

بعد أقل من شهرين من اندلاع ثورة 11 فبراير 2011 في اليمن، دخلت دول خليجية على خط الوساطة، وقدمت "المبادرة الخليجية" للتوسط بين المحتجين ونظام المخلوع الراحل علي عبد الله صالح، ويبدو أنها كانت تعي أن الفوضى باليمن ستؤثر على أمنها القومي.

وبرز أيضاً في الوساطة بين صالح والمحتجين اسم البريطاني من أصل مغربي جمال بن عمر، الذي عُيّن مبعوثاً دولياً في أبريل 2011 وحتى أبريل 2015، وبدأ بن عمر بترحيب من مختلف الأطراف اليمنية سياسياً وشعبياً.

ومع مرور الوقت فقد بن عمر ثقة بعض الأطراف؛ بعد اتهامه بالتساهل مع الحوثيين، ومن ثم فشلت مهمته، ودخلت البلاد في أتون حرب أهلية، وشنّ تحالف بقيادة السعودية عملية "عاصفة الحزم"، في 26 من مارس 2015، ضد مليشيا الحوثي، ليقدم المبعوث الأممي استقالته بعد خمس سنوات من الخطوات المتعثرة.

وبعد غرق اليمن في الاحتراب جيء بالمبعوث الأممي الجديد الموريتاني إسماعيل ولد شيخ أحمد، لإنقاذ الموقف، إلا أنه لم يقدّم جديداً لحل الصراع الداخلي في اليمن سوى جولات لا تقدم ولا تؤخر.

وبعد ثلاثة أعوام تقريباً، شكل ولد الشيخ أحدث حلقة في سلسلة تنحي مبعوثي الأمم المتحدة، وجاءت الاستقالة بعد الضغوط الدولية على المنظمة بوقف الحرب ورفع الحصار ودخول المساعدات الإنسانية إلى اليمن، وفشل الأمم المتحدة في وضع السعودية بالقائمة السوداء، وعدم كفاءة التحالف العربي عسكرياً في ميادين القتال.

رحل ولد الشيخ في 22 يناير 2018، وجاء البريطاني مارتن غريفثتس خلفاً له، وبقي الملف اليمني لغزاً للأمم المتحدة والتحالف العربي، وليس معروفاً إن كان المبعوث الجديد سينجح خلال المفاوضات القادمة في حله أم أنه سيواصل مسيرة الفشل.

- ليبيا

بعد أسابيع من اندلاع ثورة ليبيا في 17 من فبراير 2011، عيّنت الأمم المتحدة وزير الخارجية الأردني الأسبق عبد الإله الخطيب، مبعوثاً أممياً خاصاً للعمل من كثب مع الحكومات الإقليمية والمجتمع الدولي لتنسيق رد سريع وفعال وضمان الانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي في ليبيا.

ومع استمرار الثورة الليبية وتحولها إلى مسلحة، أجرت الأمم المتحدة تغييراً في مقاربتها للوضع الليبي؛ فأنشأت في سبتمبر 2011 "بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا" (أونسميل)، وتبدلت المعطيات بعد سقوط طرابلس في أيدي الثوار أواخر أغسطس 2011، وعُين البريطاني إيان مارتن رئيساً للبعثة لرعاية المسار الديمقراطي.

كوبلر

لكن المشهد تعقّد أكثر بحضور اللبناني طارق متري (سبتمبر 2012- سبتمبر 2014)، الذي أعلن بعد توليه مهام منصبه بشهور أن انتخابات ليبيا "لم تكن مثالية"؛ نظراً للصعوبات الأمنية. وفي 19 يونيو 2013، انتقد متري قانون العزل السياسي، معتبراً أنه "يعزز الإقصاء"، وشدد على ضرورة الجلوس للحوار، لكنه عاد في يوليو 2014 ليؤكد أن القوى الليبية المتصارعة "ضيعت فرصة الحوار".

ومع تعقد الأزمة الليبية، وانشطار مؤسساتها وأحزابها، باشر الإسباني برناردينو ليون، في أغسطس 2014، الوساطة خلفاً لمتري، لكنه لم يتمكن من إيجاد مخرج، خاصة بعد أن رفضت الأطراف الليبية المسودات الثلاث التي اقترحها ليون، الذي ترك مهمته في أكتوبر 2015.

وبعد أربعة ممثلين، شغل الألماني مارتن كوبلر منصب المبعوث الأممي لدى ليبيا، لكنه فشل في إنفاذ الاتفاق السياسي الموقع برعاية الأمم المتحدة بين الأطراف الليبية منذ ديسمبر من عام 2015، لينهي ولايته التي امتدت من أكتوبر 2015 وحتى يونيو 2017، وسط تساؤلات وانتقادات بشأن قدرته على حلحلة الأوضاع التي تشهد انسداداً سياسياً وتصعيداً عسكرياً كبيراً.

ليون

المبعوث السادس حتى الآن، واللبناني الثاني (بعد متري)، كان غسان سلامة (يوليو 2017)، والذي تبدو مهمته شبه مستحيلة، نظراً لتواصل الأزمة السياسية في البلاد، وما زادها تعقيداً دعوة حكومة الوفاق الوطني إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية في مارس المقبل، وما لقيه من معارضة من مجلس النواب بطبرق، بل إن كثيراً من الأطراف أكدت أن ارتفاع مستوى العنف كان بسبب سياسة ومبادرات المبعوث الأممي.

اقرأ أيضاً :

تلاحقه تُهم غياب النزاهة.. تعرّف على ثعلب الأزمات "دي ميستورا"

- تضارب المصالح

أثبتت السنوات الماضية فشل هيئة الأمم المتحدة في حل النزاعات الدولية إلا في بعض النزاعات التي كانت الولايات المتحدة الأمريكية طرفاً فيها في العقديْن الأخيرين، والمثال الساطع هو الصراع العربي الإسرائيلي منذ قرار التقسيم عام 1947 إلى يومنا هذا، وما يزيد على سبعة عقود من الفشل الذريع في حل هذا الصراع.

الفشل يتكرر اليوم، حتى أصبح المشترك في نتائج الجهود التي يبذلها المبعوثون الدوليون إلى بلدان ثورات الربيع العربي التي تعاني الأزمات، أنها تصل إلى طريق مسدودة، بما يشكل فشلاً للأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وإحباطاً شخصياً للمبعوثين الذين يُختارون عادة استناداً إلى قدراتهم وخبراتهم ومعرفتهم بواقع الأزمات.

وأظهر فشل المبعوثين إلى كل من سوريا واليمن وليبيا أزمتهم في إمكانية إيجاد حلول سياسية لأزمات بلدان ثورات الربيع العربي التي أرسلوا إليها، وترجع أسباب الفشل، في جميع الحالات المذكورة، بالأساس إلى افتقار المجتمع الدولي لإرادة موحدة في التعاطي مع الأزمات التي تعصف ببعض البلدان العربية.

ومثلت الانقسامات البينية العربية والإقليمية عاملاً سلبياً على هذا الصعيد، فأي قرارات تصدر عن الأمم المتحدة تحتاج إلى إجماع دولي على تطبيقها، وتعاون عربي وإقليمي لا يمكن من دونه أن تنجح جهود المنظمة الدولية وتترجم قراراتها على الواقع.

وإن كانت أسباب الفشل في إيجاد حل أممي للأزمات التي تعصف ببلدان الثورات العربية تعود في الأصل إلى تناقضات واختلافات الدول الفاعلة في المجتمع الدولي، وافتقار المجتمع الدولي لإرادة موحدة في التعاطي معها، فإن الانقسام في مجلس الأمن الدولي، خاصة مع تصلّب الموقف الروسي، أفضى إلى تشكيل دور أممي معيق لحل الأزمات.

وترى قراءات أن الجانب الآخر للفشل يكمن في بعض المبعوثين أنفسهم، نظراً لقلة إلمامهم بظروف الأزمات وطبيعة المناطق التي يزورونها سريعاً ويخرجون من تعقيداتها بشكل أسرع، ويرى منتقدو تلك المهام أن فشل جهودها يعود إلى انحياز من القائمين عليها لأطراف في الأزمة على حساب أخرى.

ولعل من بين أسباب أزمة المبعوثين أنهم لا ينظرون إلى جذور وأسباب الأزمات الحاليّة، ففي الحالة السورية مثلاً تعامل جميع المبعوثين الأمميين إلى سوريا مع القضية السورية بوصفها نزاعاً مسلحاً بين طرفين، ولم يأخذوا في الحسبان التعامل مع المسألة السورية من جانبيها الأخلاقي والإنساني، بل كان المبعوثون يساوون بين الضحية والجلاد.

المبعوثون الأمميون أيضاً ملتزمون بالدفاع عن مصالح الولايات المتحدة قبل كل شيء آخر، ولأن الولايات المتحدة عادة ما تكون مع طرف ضد طرف آخر في الأزمات المختلفة، فالنتيجة تكون واضحة، أي فقدان هؤلاء المبعوثين للقدرة على إنتاج حلول تستجيب لمصالح الأطراف المنخرطة في الصراع، وهو ما يسهل الوصول إلى الحلول.

ويثير هذا الفشل أسئلة حول الدور الأممي في بلدان الثورات العربية، وعما إذا كان هذا الدور يهدف بالفعل إلى إيجاد حلول تلبي طموحات الشعوب العربية في الحرية والتحرر، أم أنه بات يشكل عامل إعاقة للتحولات الديمقراطية في هذه البلدان.

مكة المكرمة