المغرب.. هل مات عبد الإله بن كيران "سياسياً"؟

يبعث رسائل تفيد أنه غادر السياسة إلا أنه يلوّح مراراً بالعودة

يبعث رسائل تفيد أنه غادر السياسة إلا أنه يلوّح مراراً بالعودة

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأحد، 04-02-2018 الساعة 14:20


يصنّفه متابعون على أنه أشهر رئيس حكومة في تاريخ المغرب، تحصد خطاباته في البرلمان نسب مشاهدة عالية أزعجت مراراً معارضيه، الذين وصل بهم الأمر إلى حدّ المطالبة بعدم بثها على الهواء أكثر من مرة.

تجمع مهرجاناته الخطابية عشرات الآلاف من أنصاره، وذلك في وقت يُسجَّل فيه عزوف كبير عن التفاعل مع السياسيين من طرف المغاربة.

قاد عبد الإله بن كيران حزبه إلى تحقيق فوز وُصف بالساحق، على الرغم من مرور 5 سنوات على قيادته الحكومة، وهي الفترة التي اتُّخذت فيها "أقسى" القرارات الحكومية على المواطنين؛ أهمّها تحرير أسعار المحروقات، وبدء الرفع التدريجي للدعم العمومي عن المواد الأساسية، كما سنّ اقتطاعات جديدة من أجور الموظفين.

اقرأ أيضاً :

وصفة المغرب الثلاثية التي جنَّبته المزيد من "ويلات" الإرهاب

وحاز حزب العدالة والتنمية خلال الانتخابات الأخيرة عدداً غير مسبوق من المقاعد في تاريخ البرلمان المغربي، إذ نال 126 مقعداً من أصل 395 مقعداً، في حين حصد خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2011، 102 مقاعد فقط.

فشل بن كيران في تشكيل الحكومة، فأعفاه الملك، ليعيّن زميله في الحزب سعد الدين العثماني للقيام بنفس المهمة. نجح العثماني ونُصبت الحكومة فسقطت قيادة حزب العدالة والتنمية من يد بن كيران ليمسك بها العثماني، ثم تولّى بن كيران إلى الظلّ، ليُطرح السؤال: "هل مات بن كيران؟ أم سيُبعث من رماده كطائر الفينيق الأسطوري ليقود مرحلة سياسية مستقبلية؟".

- البلوكاج الحديث

وبعد تصدّر حزب العدالة والتنمية لنتائج الانتخابات التشريعية سنة 2015، كلّفه الملك -وفقاً للدستور المغربي- بتشكيل الحكومة، وذلك من خلال الدخول في تحالفات تمكّنه من بسط سيطرته على أكثر من نصف المقاعد البرلمانية، وهو الشيء الذي فشل فيه بن كيران بسبب خلافات مع حزب التجمّع الوطني للأحرار.

دامت حالة الجمود في مفاوضات تشكيل الحكومة أكثر من ستة أشهر، تدخّل في نهايتها العاهل المغربي، الملك محمد السادس، وفقاً لصلاحيّاته الدستورية، ليُعفي بن كيران من مهمة تشكيل الحكومة ويكلّف سعد الدين العثماني مكانه.

وخلال أسبوع واحد فقط، استجاب العثماني للشروط التي كان يرفضها بن كيران من قبل.

وتمثّلت هذه الشروط في إصرار التجمّع الوطني للأحرار (37 مقعداً) على عدم مشاركة حزب الاستقلال (46 مقعداً)، وفي المقابل دخول كل من الاتحاد الاشتراكي (39 مقعداً) والحركة الشعبية (32 مقعداً) والاتحاد الدستوري (23 مقعداً).

وكان بن كيران يرفض دخول الاتحاد الاشتراكي، ويتشبّث بمشاركة الاستقلال في الحكومة.

اقرأ أيضاً :

"الروبيو".. بائع كتب أمِّي عاصر نُخب المغرب وسياسييه

ومع قبول العثماني بهذه الشروط، عمّ خلاف كبير صفوف حزب العدالة والتنمية، إذ انقسم بين تيّارين؛ موالٍ للعثماني، ويعتبر أن هذا التنازل ضرورة سياسية لتدبير المرحلة، وآخر يجد في القبول بإزاحة بن كيران وأيضاً الاستجابة إلى شروط باقي الحلفاء بشكل حرفيّ ضرباً لمصداقيّة الحزب وشعبيّته.

وأرخت النقاشات بظلالها على المؤتمر العام الأخير للحزب، إذ ظهر تياران في الحزب؛ هما ما أُطلق عليه إعلامياً اسم "تيار الاستوزار"، الذي يضم موالين للعثماني وأغلبهم من الوزراء والمسؤولين باسم الحزب، و"تيار الولاية الثالثة"، الذي يتمثّل في شبيبة الحزب وبعض القواعد التي تدعم استمرار "الزعيم"، في إشارة لبن كيران، على رأس التنظيم السياسي.

وبعد نقاشات حادّة، سواء على المستوى الداخلي أو في شبكات التواصل الاجتماعي، تمكّن سعد الدين العثماني من انتزاع الأمانة العامة للحزب لصالحه، و"القضاء" على معارضي حكومته داخل أعلى هيئة في الحزب.

وبعد فشله في قيادة الحزب، أو على الأقل "فرض" شخص من الموالين له، دخل عبد الإله بن كيران فيما يشبه "الصوم السياسي"، خاصة أنه لم تعد له اليوم أي مسؤولية حزبية أو في دواليب الدولة.

- بن كيران.. الغائب الحاضر

وعلى الرغم من غيابه بشكل رسمي عن جميع أجهزة حزب العدالة والتنمية، فإنّ "شبح" بن كيران ما زال حاضراً ويقضّ مضجع معارضيه داخل الحزب.

وخلال مؤتمر شبيبة العدالة والتنمية، السبت، رفع المؤتمرون شعارات تطالب بعودة بن كيران إلى المشهد الحزبي، وذلك في وقت كان يتجه العثماني لإلقاء كلمة له بالمناسبة.

ورفع المؤتمرون شعارات من قبيل: "بن كيران يا رفيق ما زلنا على الطريق"، و"التحكّم يا جبان، بن كيران لا يُهان"، و"الشعب يريد بن كيران من جديد"، في إشارة إلى عدم رضا شباب الحزب عن مسألة عدم التمديد لبن كيران لولاية ثالثة.

ويحرص بن كيران في كل ظهور له على بعث رسائل تفيد بأنه قد ابتعد عن تدبير شؤون الحزب والتدخّل فيه، إلا أنه يُصرّ في نفس الوقت على التلميح إلى "عودة قريبة"، دون إفصاح عن التفاصيل.

ونهاية يناير المنصرم، رفض بن كيران الجلوس إلى جانب باقي قيادات الحزب في مقدمة القاعة، مفضّلاً الجلوس في الصفوف الخلفية منها.

اقرأ أيضاً :

اهتمام دولي بأزياء ملك المغرب وزوجته.. فما السر؟

وقال للصحفيين إنه اليوم مجرّد عضو عادي في الحزب، معلّقاً بالقول إن مرحلة بن كيران قد انتهت، وهي التصريحات التي فُهم منها أنه ركن إلى الظل ولا يفكّر في العودة مجدداً إلى الساحة السياسية.

إلا أن هذا التوجه لم يدم طويلاً، خاصة في أعقاب تصريحات أدلى بها أمس خلال استضافته من طرف شبيبة حزبه في مؤتمرها المنعقد بالرباط.

وقال: "إذا كان الشعب يريدني فعلاً أن أعود فسوف أعود حتى لو كنت في القبر".

ولمّح إلى أن غيابه عن الساحة مجرّد مسألة مؤقتة، إذ قال: "كلامي في هذه الفترة أمر صعب، ولكنني أترك التجربة تكتمل بارتياح".

- تغيير لقواعد اللعبة

ويرى الإعلامي والمحلل السياسي، كريم حضري، أن "بن كيران كان سيترك كرسي الأمانة العامة بهدوء، ويركز على قيادة الحكومة التي كان يتطلّع لتشكيلها نهاية 2016، إثر تصدّره الانتخابات التشريعية"، لكنه يستدرك: "أُسقط بليل من قبل قيادات حزبية مخالفة له".

وأوضح حضري في تصريح لـ "الخليج أونلاين"، أن بن كيران "انفضّ إخوته من حوله، فوجد نفسه منبوذاً ومتّهماً بزعزعة استقرار البلاد، ومهدّداً لاستمرار الإخوان في الحكم. حينها قرّر تغيير قواعد اللعبة، والانقلاب بدوره على الأنظمة الداخلية للحزب. ولسان حاله يقول، إذا لم أنجح في إحباط الانقلاب عليّ في الحكومة فأقلّ شيء هو أن أُفشل الانقلاب عليّ داخل الحزب، الذي صنعتُ جزءاً كبيراً من مجده، وربّما كل نجاحاته".

اقرأ أيضاً :

لأول مرة بالمغرب.. النساء سيوثقن عقود الزواج ويقسمن الإرث

وتسبّب الأمر بحسب حضري بـ "الانقسام الواضح داخل الحزب حالياً".

ولفت إلى أن "قيادة الحزب تريده أن يتقاعد ويستريح، لكيلا يخلق لها مشاكل مع الدولة وشركاء الحزب، ويتيح لها فرصة تصدّر المشهد قليلاً قبل أن يصل إلى يوم تقاعدها أيضاً، وقاعدة الحزب تريده أن يستمرّ لكي يضمن لها التوازن في العلاقة مع الدولة والأفضلية أمام الشركاء، وذلك من أي منصب كان، بل حتى من دون منصب".

وأضاف: "في تقديري أن بن كيران لن يغلق على نفسه باب داره، ولن يعتزل السياسة كما فعل عبد الرحمن اليوسفي، فهي في دمه. بل سوف يجد لنفسه تموقعاً مناسباً، يدافع من خلاله عن (المشروع الحلم) الذي ظل يبيعه للمغاربة منذ سنين، متحرّراً من أي واجب تحفظ آنذاك".

- تبادل للأدوار

ومن جهته، اعتبر المحلل السياسي رشيد الأزرق أن ما يجري داخل حزب العدالة والتنمية المغربي هو عملية تبادل للأدوار بين تيّارين؛ واحد يقوده العثماني وآخر يقوده بن كيران.

واعتبر الأزرق، في تصريح لـ "الخليج أونلاين"، أن الصراع الظاهر بين تياري العثماني وبن كيران "ليس إلا تكتيكاً سياسياً بين الطرفين؛ الغاية منه تدبير الحكومة بفريق العثماني، وفي نفس الوقت معارضتها بفريق بن كيران، الذي تتمثّل مهمّته الآن في الحفاظ على شعبية الحزب المتآكلة".

اقرأ أيضاً :

انتقادات لوزيرة مغربية قالت إن من يكسب دولارين يومياً ليس فقيراً

وقال: "بهذه الاستراتيجية يرغبون في ضمان امتداد شعبي، وفي نفس الوقت المحافظة على قيادة الحكومة".

وأضاف: "وهذا الأسلوب يمثّل ضرباً قوياً للفلسفة الديمقراطية التي تقوم على تحمّل المسؤولية عبر وضوح الموقف والموقع، وكذلك قمة اللامبالاة والتعامل اللامسؤول بقضايا الوطن التي من الممكن أن تصبح أسباباً لكوارث مقبلة بدأت تلوح بوادرها عملياً في الأفق".

مكة المكرمة