"الهلال النفطي".. صراع على الثروة والسلطة الليبية

من يسيطر على هلال الثروة فإنه سيكون صاحب الكلمة العليا في المشهد الليبي

من يسيطر على هلال الثروة فإنه سيكون صاحب الكلمة العليا في المشهد الليبي

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 07-03-2017 الساعة 21:30


الحدث الأبرز في المشهد الليبي اليوم هو تقدّم قوات سرايا الدفاع عن بنغازي في معارك منطقة الهلال النفطي، حيث سيطرت على ثلاثة أرباع المنطقة، ولم يعد بأيدي قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر إلا ميناء البريقة، الأقرب إلى مدينة إجدابيا، بعد أن استولت عليها في عملية خاطفة أطلق عليها اسم "الكرامة"، في سبتمبر/أيلول 2016، بمساعدة مقاتلين مستأجرين من تشاد، وحركة العدل والمساواة السودانية.

هلال الثروة

الهلال النفطي حوض نفط ليبيا، يمتد من طبرق شرقاً إلى السدرة غرباً، على طول 205 كم، على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وطبقاً لإحصاءات منظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك) فإن ليبيا أغنى دولة نفطياً في القارة السمراء، وكانت أقل البلدان الأعضاء في المنظمة إنتاجاً في عام 2015، حيث تعتمد صناعة النفط -التي بدأ إنتاجها عام 1959- بدرجة كبيرة على تصدير الخام عبر البحر المتوسط.

تحتوي منطقة الهلال النفطي الواقعة بين مدينتي سرت وبنغازي، على 80% من قطاع الطاقة الليبي، وحجمه مقدر بـ 52 تريليون قدم مكعب من الغاز، وأكثر من 45 مليار برميل نفط، ومن أكبر حقول النفط في الهلال؛ السرير، ومسلة، والنافورة، التي تنتج مجتمعة نحو 60% من مجمل الإنتاج العام للدولة، وفي منطقة الهلال أكبر مجمعات تكرير النفط وموانئ تصديره إلى العالم.

لهذا فإن من يسيطر على هلال الثروة هذا فإنه سيكون صاحب الكلمة العليا في المشهد الليبي، ومن هنا نشب الصراع على السلطة بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي، صراع وقوده التدخل الإقليمي والأجندة الدولية بين فصائل مسلّحة أسقطت النظام إثر ثورة شعبية، وأخرى يقول معارضوها إنها جاءت من مخلّفات الدولة العميقة، بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وسعى المتصارعون على الأرض للسيطرة على ثروة النفط، وفرض الكلمة العليا من خلالها.

تنظيم الدولة لم يكن بعيداً عن المشهد، حيث استغل الفراغ السياسي في ليبيا ووجد له موطئ قدم في سرت، ثم يمم نحو الهلال النفطي، أسوة بما فعل في العراق وسوريا، وقد أُغلق ميناءا رأس لانوف والسدرة في يناير/كانون الثاني 2016، بعد أن اشتعلت النيران في خزاناتهما جراء هجمات التنظيم، ولحقت أضرار كبيرة بنسبة 48% بخزانات الوقود فيهما، لكن الميناءين فُتحا مجدداً يوم 29 يوليو/تموز 2016 لاستئناف تصدير النفط، بعد التوصل لاتفاق بين حرس المنشآت النفطية وحكومة الوفاق الوطني.

حفتر يقلب المعادلات

حرس المنشآت النفطية أغلق موانئ الهلال النفطي أمام التصدير عدة مرات منذ يوليو/ تموز 2013؛ للمطالبة بمستحقات مالية لأفراده، وهي قوات موالية لحكومة الوفاق الوطني المدعومة دولياً.

وقد نجحت القوات التي يقودها اللواء المتقاعد خليفة حفتر في هزيمة قوات الحرس في الـ 11 من سبتمبر/أيلول 2016، وسيطرت على موانئ منطقة الهلال النفطي، في تطور قلب موازين القوى رأساً على عقب في الدولة الهشة، ليعود بذلك مرة أخرى إلى صدارة المشهد الليبي، بعدما همّشه اتفاق الصخيرات، وبعد نجاح قوات "البنيان المرصوص" التابعة للمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني في طرد تنظيم الدولة من معظم أرجاء مدينة سرت.

وحفتر هو العقدة الأساسية في المشهد الليبي، وسيطرته على "الهلال" أعادت المشكلة الليبية إلى مربع ما قبل اتفاق الصخيرات، لذلك عكست المواقف الدولية حينها المخاوف من اتساع قاعدة الصراع في ليبيا، إذ حثت الولايات المتحدة الأمريكية، وخمس دول أوروبية، في 12 سبتمبر/أيلول الماضي، قوات خليفة حفتر على الانسحاب من الموانئ النفطية، حيث قالت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وإسبانيا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا، في بيان مشترك: "ندعو كل القوات العسكرية التي دخلت الهلال النفطي إلى الانسحاب الفوري"، وقد أفشلت الصين وروسيا ومصر مشروع قرار بمجلس الأمن يدين ما قامت به قوات حفتر.

اقرأ أيضاً :

صراعات ليبيا الداخلية تقودها إلى رحى التفكك بأثر رجعي

سيناريوهات جديدة

تمكّنت سرايا الدفاع عن بنغازي، في 3 مارس/آذار الجاري، بعد اشتباكات مع القوات التابعة لمجلس النواب الليبي بـ "طبرق" بقيادة حفتر، من السيطرة على منطقة الهلال النفطي، وقتلت العشرات، هذه الهزيمة كانت متوقعة؛ لأن المجموعات التي تتكون منها قوات حفتر ليس لها تدريب عسكري، ولا خبرة قتالية كبيرة أو تنظيم، باستثناء المقاتلين المستأجرين من تشاد وحركة العدل والمساواة السودانية، التي يقال إنها تخلّت عن حفتر لأسباب تتعلق بتخلّفه عن دفع مستحقاتهم المالية. خبراء يقدّرون القوة العسكرية المدرّبة من مجموع قوات حفتر بنسبة لا تتجاوز 10%، أغلبهم في محاور القتال ببنغازي وأطرافها، والبقية مجموعات شبابية التحقت بالجبهات في السنوات الأخيرة.

الخصائص التي يتمتع بها مناوئو حفتر هي نفسها؛ فهم مجموعات شبابية لم يسبق لهم العمل ضمن وحدات عسكرية منظمة، إلا أنهم اكتسبوا الخبرة من خلال القتال ضد كتائب القذافي، كما أن لهم عقيدة عسكرية مرتبطة بمرجعية دينية ووطنية، ولا يحرّكهم عنصر الارتزاق.

الصحفي الليبي حازم الطرابلسي، قال لـ "الخليج أونلاين": "سيطرة قوات سرايا الدفاع على الهلال النفطي لا تخلو من المغزى السياسي؛ إذ ترافق الهجوم مع زيارة رئيس حكومة الوفاق في طرابلس، فائز السراج، إلى موسكو، علماً بأن موسكو أظهرت اهتماماً كبيراً بالجنرال خليفة حفتر، خصوصاً بعد سيطرته على الهلال النفطي، وتوّج ذلك بزيارته إلى موسكو، واستقباله على ظهر حاملة الطائرات الروسية كوزينتسوف، التي أجرت مناورات قبالة المياه الليبية المحاذية لمنطقة الهلال النفطي".

وأضاف: "حفتر لم ينجح بترجمة نجاحه العسكري إلى نجاح سياسي؛ بسبب تشدده وعدم الاعتراف بحكومة السراج المنبثقة عن اتفاق الصخيرات المعترف بها دولياً، وامتناعه عن لقاء المسؤولين الدوليين، وعلى رأسهم المبعوث الأممي إلى ليبيا، وتصاعد تشدده وخلافاته مع الأطراف المحلية والإقليمية أمر برز بوضوح في لقاءات القاهرة التي ضمّت العديد من الأطراف الليبية المتنازعة".

محللون يرون أن خسارة حفتر للهلال النفطي، في حال استمرار السرايا في التقدم نحو باقي الموانئ، يعيده والقوات التابعة له إلى الحجم الحقيقي، وهذه الخسارة رغم جسامتها ليست أقوى من أثرها السلبي على جبهته الداخلية، ولا على صورته الخارجية، فمن شأن إعادته بهذه السهولة إلى مربع المسيطر على مدن بالمنطقة الشرقية فقط، بعد أن بدأ بتسويق نفسه كقوة أولى في ليبيا؛ من شأنها أن ترفع أعناق الطامحين إلى الفكاك من سيطرته في معسكر الكرامة، وتجعل بعض القوى الاجتماعية التي استثمرت فيه لمدة طويلة نسبياً تعيد حساباتها، بعد أن باتت خسارته لأي منطقة أمراً وارداً، وبأسرع مما يمكن توقعه، وبعد الخصومات التي جلبها على نفسه دولياً وإقليمياً.

ولا بد من الإشارة إلى أن رد فعل المجتمع الدولي تجاه خسارة حفتر وسيطرة السرايا على الهلال النفطي اتسم بالبرود، فما يهم المجتمع الدولي، خاصة إيطاليا والولايات المتحدة بالدرجة الأولى، هو استمرار تدفق النفط، وليس القوة التي تسيطر على الموانئ، وما دامت عمليات البيع ستتم عن طريق المؤسسة الوطنية للنفط، من جهة أخرى، فإن أي هجوم مضاد من حفتر، وهو أمر بعيد الاحتمال في الوقت الحاضر بسبب غياب الداعم الإقليمي، لن يكون ذا أهمية.

كما أن إعلان السرايا أن المعركة لا تهدف إلى السيطرة على الموانئ النفطية، أو البقاء فيها، وإنما هي خطوة في الطريق إلى بنغازي التي ينحدر منها قادة المجموعات، ودعوة المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق المعترف به دولياً إلى استلام الموانئ النفطية، الأمر الذي عُدّ احتراماً للخطوط الحُمْر للدول الغربية، التي أعلنت في المرة الأولى أنها تريد استمرار تدفق النفط تحت إشراف المؤسسة التابعة للمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، وهو ما يضعف إمكانية دعوة السراج إلى تدخل خارجي، ويعطي إشارة إلى مجموعات حرس المنشآت من أبناء المنطقة بأن الإشراف على المنشآت سيعود إلى إدارتهم. وهو ما وقع بالفعل مع تسلم جهاز حرس المنشآت التابع للوفاق تأمين المنشآت.

مكة المكرمة