"الوزير المتردّد".. الجبير يسقَط ويُعاقب بمنصب "قرقاش"

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/g47Y95

ثلاثة أعوام قاد الجبير سياسة بلاده الخارجية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 27-12-2018 الساعة 17:48

منصب لم يجلب له سوى المتاعب، ما جعله يسعى للتهرّب من سهام أسئلة الصحفيين؛ فعادل الجبير تسنّم مسؤوليته كوزير للخارجية السعودية في وقت هو الأكثر صعوبة لدبلوماسية بلاده، فالإدانات تترى تستقبلها الرياض لوجودها وراء مشاكل دولية وداخلية، ما يُصعب الأمر على وزير خارجيتها الذي يتحمّل مسؤولية السياسة الخارجية.

الخميس (27 ديسمبر)، أصدر الملك سلمان بن عبد العزيز قراراً بإقالة عادل الجبير من منصبه، وتعيين إبراهيم العساف بديلاً عنه، واكتفى بمنح الجبير منصب وزير دولة للشؤون الخارجية، وعضواً بمجلس الوزراء.

إقالة الجبير، التي تُعتبر بطبيعة الحال أشبه بالعقوبة؛ حيث أُنزلت درجته الوظيفية، وفي هذا الأمر دليل على فشله في منصبه الأهم وتحجيم دوره أمام العالم أجمع. بالنسبة إليه وفي ظل الضغط الذي يعيشه كان الأمر خلاصاً له؛ فلن يكون موضع مسؤولية كبيرة تُجبره على الإدلاء برأي سياسي ذكي، ولن يبحث عن حجة دامغة يردّ بها على من يرفع بوجهه دليلاً على فعل بشع لولي العهد أو كبار الحكومة؛ مثلما هي عادة من يتزعمون سياسة بلادهم الخارجية.

السعودية، ومنذ دخولها الحرب في اليمن عام 2015، بدأت تتلقّى إدانات دولية عديدة؛ فاليمن تحوّل بفعل الحرب إلى واحد من أسوأ وأخطر دول العالم؛ إذ صارت إلى حال وضعها بمصاف البلدان التي تعاني شعوبها من الفقر ومختلف الأمراض.

وبعد نحو عامين طبّقت السعودية بمعيّة الإمارات والبحرين ومصر حصاراً على قطر، وحتى اليوم تحوّل الحصار إلى تهمة دولية ضد الرياض؛ لكونها تسببت بمشاكل عديدة لشعوب المنطقة، فضلاً عن مشاكل اجتماعية لقطر.

وكان من أبرز المشاكل التي واجهتها السعودية مؤخراً اغتيال مواطنها، الصحفي جمال خاشقجي، الذي اعترفت الرياض بقتله وتقطيع جثته داخل قنصليتها بمدينة إسطنبول التركية.

تلك الجرائم البشعة وغيرها العديد من القضايا، لا سيما انتهاك الحريات المدنية، التي جعلت من السجون مقرات لعدد كبير من المدنيين؛ من دعاة وناشطين من كلا الجنسين، حوّلت السعودية إلى واحدة من أفظع الحكومات في العالم وأكثرها ظلماً، بحسب ما تتحدث تقارير دولية عديدة.

هذا النهج الذي تتبنّاه الرياض يتطلّب وجود داهية قل نظيره يقود سياستها الخارجية، ولم يكن الجبير -مثلما أوضحت تحرّكاته وتصريحاته- مؤهلاً ليكون وزير خارجية لبلاده في هذا الوقت في أقل تقدير.

وتفيد بروتوكولات السياسة الدولية بأن وزير الخارجية للدولة هو الذي يتحدّث عن أي أمر خارجي يتعرّض له بلده، وأن السفارات والقنصليات تتبع لوزارة الخارجية في كل دولة، وتتابع شؤونها، وأي قضية تتعلّق بها فهي من صلاحيات وزير الخارجية.

لكن، وعلى سبيل المثال، في قضية جمال خاشقجي، لم يتحدّث الجبير إلا بعد 18 يوماً.

في هذه القضية الخطيرة التي هزّت العالم، تحدّث بشكل مباشر ولي العهد، محمد بن سلمان، وأخوه سفير الرياض في واشنطن، خالد بن سلمان.

وقال ولي العهد في تصريح لوكالة "بلومبيرغ" الأمريكية، في حينها، وهو أول تصريح رسمي حول الحادثة: "ما أعرفه أن خاشقجي زار القنصلية السعودية وخرج منها بعد دقائق أو نحو ساعة. نحقّق من خلال وزارة الخارجية لمعرفة ما جرى. من المهم أن نعرف أين هو الآن".

أما خالد بن سلمان فقال: "التقارير التي تفيد باعتقال أو قتل خاشقجي داخل القنصلية السعودية زائفة تماماً"، معتبراً أن "المملكة حالياً مهتمّة بسلامة جمال، وأن التحقيقات ستكشف حقيقة ما حدث".

وفي الجانب الآخر تحدث وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، حيث عبّر في مؤتمر صحفي عن رغبة بلاده في التعاون مع المملكة العربية السعودية فيما يتعلق باختفاء خاشقجي بالقنصلية السعودية في مدينة إسطنبول التركية، وقال: "نرغب في تعاون وثيق مع السعودية؛ لأن هذه الحادثة وقعت في القنصلية العامة السعودية، وعلى الرياض أيضاً أن تتعاون معنا".

لكن المشكلة ليست عند وزير الخارجية التركي، بل في اختفاء نظيره السعودي عن الأنظار! في حين كان يتطلّب الأمر ظهوره للإعلام وتصدّيه لما يُشاع ضد بلاده، والتهم التي بدأت تطولها وتجعل من قادتها مجرمين.

- الخروج المعاكس

وفي يوم 21 أكتوبر، أي بعد 18 يوماً على مقتل جمال خاشقجي، واعتراف الرياض بقتله في داخل قنصليتها بإسطنبول، خرج وزير الخارجية، عادل الجبير، بتصريحات مناقضة للروايات الرسمية السابقة حول مقتل خاشقجي.

وأكد وزير خارجية السعودية، في تصريح لقناة "فوكس نيوز" الأمريكية، أن خاشقجي قُتل داخل القنصلية في إسطنبول بخطأ جسيم من قبل أشخاص متورّطين، زاعماً أن ولي العهد، محمد بن سلمان، لم يكن على علم بمقتله.

ويُعتبر تأكيد الجبير تعرّض خاشقجي للقتل اعترافاً رسمياً من قبل السعودية بمقتله، بعد إعلانها الرسمي بأنه تعرّض للوفاة في خلال شجار أثناء وجوده بالقنصلية بإسطنبول.

لكن وزير الخارجية عاد وناقض نفسه حينما قال: "السعوديون لا يعرفون كيف قُتل خاشقجي أو أين جثته"، وهو ما يخالف التصريحات السعودية السابقة التي أوضحت أنه قُتل بسبب "شجار في القنصلية".

- وزير يناقض نفسه

الجبير  أظهر من خلال تصريحاته مدى حالة التخبّط التي تعيشها بلاده منذ اللحظات الأولى لإعلان مقتل خاشقجي؛ إذ خرجت عدة روايات سعودية رسمية حوله، الأولى أرجعت مقتله إلى تشابك بالأيدي، والثانية من خلال كتم أنفاسه، والثالثة في شجار.

وفي حينها تداول سعوديون على مواقع التواصل الاجتماعي تساؤلات بشأن غياب وزير خارجية المملكة عن الساحة؛ منذ إقرار أمريكا لقانون "جاستا"، الذي أثار موجة انتقادات غير مسبوقة لأداء الدبلوماسية السعودية، منذ أن أقرّه الكونغرس الأمريكي، أواخر سبتمبر الماضي.

ولم يصدر عن عادل الجبير أي تعليق على إقرار الكونغرس لرفع الحظر عن قانون جاستا، سواء في وسائل الإعلام أو على حسابه بموقع تويتر، رغم الضجة داخل السعودية وخارجها.

ويمكن من خلال قانون جاستا مقاضاة دول كالسعودية على خلفيّة هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وسيخوّل بالدرجة الأولى ذوي ضحايا هجمات 2001 رفع دعاوى بحق السعودية كبلد دعم بشكل مباشر أو غير مباشر المجموعة التي نفّذت العملية، صبيحة الحادي عشر من سبتمبر، مستهدفة أبراج التجارة العالمية، في جادة مانهاتن بنيويورك.

- الجبير يتنفّس الصعداء

تلك القضايا كانت تضع عادل الجبير في موضع حرج؛ وهو ما أجبره -على ما يبدو- على التهرّب من الوقوف أمام الصحفيين في مؤتمرات صحفية، كذلك المؤتمر الصحفي الذي رفض انعقاده خلال وجوده بإندونيسيا، بعد عشرة أيام من مقتل خاشقجي.

وبإبعاده عن منصبه الذي يُعتبر سقوطاً وظيفياً، فإن الجبير سيتنفّس الصعداء أخيراً؛ فلن يكون مسؤولاً عن إيجاد التبريرات لجرائم قادة بلده، ولن يؤثر في سمعته هربه من الصحفيين.

- منصب قرقاش

المنصب الحالي لوزير الخارجية السعودي السابق، عادل الجبير، بعنوان وزير الدولة لشؤون الخارجية، أشهر الشخصيات التي تحمله الإماراتي أنور قرقاش.

قرقاش، الذي يتمتّع بشهرة واسعة، لم يحظَ بشهرته تلك من تحرّكاته الدبلوماسية اللافتة، أو علاقاته المتينة المتشعّبة في دوائر الدبلوماسية الدولية، بل إنه لفت الأنظار إليه من خلال "تويتر".

ففي "تويتر" ينشط قرقاش كثيراً، ويكتب تغريداته معلقاً على أحداث مختلفة، لكن تغريداته لا تتميز فقط بكونها لا تخرج في مضمونها عن سياسة بلاده وتلميعها، بل بالإساءة إلى بلدان وشخصيات عربية وخليجية؛ وهو ما يخالف الفطنة التي يجب أن يتمتّع بها العاملون في مثل هذه المناصب.

وفي ضوء العلاقة الوطيدة التي تربط الرياض وأبوظبي، والسياسة المتشابهة التي ينتهجها البلدان، فقد يأخذ عادل الجبير دوراً مشابهاً لنظيره أنور قرقاش، ويجعل من حسابه في "تويتر "مجال نشاطه الوظيفي الجديد، وهذا ما ذهب إليه حساب على "تويتر" شبّه وظيفة الجبير الجديدة بوظيفة قرقاش.

مكة المكرمة