انطلاقاً من الخليج.. الإمبراطورية العجوز تبحث عن نفوذ جديد

بريطانيا تحاول إيجاد موطئ قدم لها في المنطقة العربية

بريطانيا تحاول إيجاد موطئ قدم لها في المنطقة العربية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 27-01-2017 الساعة 10:51


تسبب انكماش النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، والذي بدأ منذ إعلان الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، عام 2009، عن انسحاب قواته من العراق وأفغانستان، وتواصل مع إطلاق الرئيس الجديد دونالد ترامب شعار "أمريكا أولاً"، في ظهور قوى دولية أخرى مناوئة لواشنطن كروسيا، إلى جانب قوى أخرى اعتبرها البعض صدىً للسياسة الأمريكية الخارجية ومكملة لها مثل بريطانيا.

وتعتبر بريطانيا من القوى التي تعبر عن الصدى الأمريكي، والتي بدأت تحركاتها تحمل دلالة لعودة الإمبراطورية العجوز إلى منطقة الشرق الأوسط، وهو ما عبر عنه وزير الخارجية البريطانية، بوريس جونسون، خلال جلسة استماع أمام لجنة برلمانية حول الشرق الأوسط، 26 يناير/كانون الثاني 2017، حيث صرح أن بلاده تولي اهتماماً خاصاً بتعزيز علاقاتها مع دول الخليج.

حديث جونسون عن علاقات بلاده بالخليج لم يكن الأول من نوعه، بل سبقته رئيسة وزراء بريطانيا، تيريزا ماي، في ديسمبر/كانون الأول 2016، بقولها: إن "أمن الخليج هو أمننا، وينبغي أن نستمر في مواجهة الدول التي يغذي نفوذها الاضطراب في الإقليم".

تلك التصريحات أشارت بشكل واضح وصريح إلى خطوات بريطانية للشراكة مع الخليج، تستثمر من خلاله قوة الخليج العربي وموقعه، بعد غيابها قرابة أربعة عقود عن المنطقة.

اقرأ أيضاً :

نووي إيران وجنون ترامب.. تصعيد متبادل يعيد الاتفاق لـ"الصفر"

وتتزايد التصريحات البريطانية في الآونة الأخيرة، والمتعلقة بتعزيز نشاطها الدولي، ورغبتها بشراكات عسكرية من خلال تكثيف وجودها العسكري في الدول، وتعد دول الخليج بيئة منفتحة لكل ما يحصن حدودها البحرية والبرية أمام الاعتداءات المحتملة، ويعزز خبراتها العسكرية بخبرات غربية متقدمة كبريطانيا.

وفي ظل التراخي والانسحاب الأمريكي السلس في عهد أوباما، تسعى بريطانيا لفتح منشآت عسكرية في بقاع عدة، وتحسين علاقتها بالدول ذات المواقع الاستراتيجية.

- نفوذ أمريكي يحافظ على الهيمنة

الخبير في الشؤون الدولية والاستراتيجية أنس القصاص، أشار في حديث لـ"الخليج أونلاين"، إلى أن "أحكام السياسة كمثل أحكام البيولوجيا لا تعترف بالفراغ. مع الانهيارات المادية والمعنوية المصاحبة لانهيار حائط برلين، مطلع تسعينات القرن الماضي، قامت الولايات المتحدة بهندسة معقدة للنظام الدولي، ليكون أحادي القطب في بنيته ووظائفه. وقامت بذلك مدفوعة بزخم عصر المعلومات الذي نما في إطاره الاقتصاد الأمريكي، وترعرع في ظل إدارة كلينتون الديمقراطية. وراكمت الولايات المتحدة من القوة ما يسمح لها باستكمال عقود متتالية وحيدة على قمة هرم النفوذ العالمي. لكنها قامت بمراكمة القوة المادية ونسيت أو خافت أن تجدد في ثقافة السلطة وشكل المؤسسة السياسية على نحو يتلاءم مع العصر الذي نعيش فيه. هذه الخلفية تفسر أموراً كثيرة في عالم اليوم، وعلى رأسها الصعود الروسي والصيني والبريطاني".

اقرأ أيضاً :

انتهاكات "أبو غريب".. عار يلاحق الجمهوريين من بوش إلى ترامب

القصاص أضاف، في تصريح خاص لـ"الخليج أونلاين": إن "هذا الصعود لا يعني اجتهاداً أو تفوقاً من هذه الأطراف، بقدر ما يعكس تخلياً أمريكياً عن المكانة التي شقتها لنفسها كقطب أوحد في النظام الدولي".

وفيما يخص بريطانيا وتكثيف وجودها بالخليج، قال القصاص: إن "البريطانيين لديهم وجود استراتيجي قوي بالخليج منذ عصور الاستقلال التي خرجت فيها بريطانيا بقواتها، لكنها بقيت بروحها قبل قواعدها. وبقيت طيلة تلك الفترة المستشار الأمين للأمريكيين حول الشرق الأوسط وطبائع سكانه، باعتبارهم أصحاب التجربة العميقة بالمنطقة".

- تحجيم روسي ونفوذ بريطاني

وأشار القصاص إلى أنه "مع التعديلات المحورية التي تمت داخل مؤسسات الأمن القومي البريطاني، مع تولي المحافظين، نشطت بريطانيا بشكل ملفت في الشرق الأوسط والشرق الأقصى وشمالي أوروبا، حسبما سمح الفراغ الاستراتيجي لها بالتمدد؛ وذلك لأمرين: الأول تحجيم روسيا وعدم السماح لها بتشكيل زاوية حادة في النظام الدولي، تسمح لها بعد ذلك بعمل تحولات كبرى في المنظومة الدولية. وثانيهما تنشيط الاقتصاد البريطاني الذي عانى في الأعوام الماضية، لا سيما بعد استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي".

اقرأ أيضاً :

هدنة كيري.. دعم أممي مبطن للانقلابيين يخالف قرارات مجلس الأمن

تصريح القصاص لـ"الخليج أونلاين" أكده، سابقاً، تحذير جونسون لروسيا من "أن تتحول إلى دولة مارقة"، مشدداً على "ضرورة محاسبة مرتكبي جرائم الحرب في سوريا"، خاصةً مع تأكيده وجود دلائل على أن "روسيا هي من قصفت قافلة الإغاثة في حلب"، حسبما أشار موقع العربية نت الإخباري في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2016.

- تجربة العراق تهيمن على الذاكرة البريطانية

وفي المقابل، فقد هيمنت تبعات مشاركة القوات البريطانية في غزو العراق، 2003، بقوة على ذاكرة البريطانيين؛ وهو ما كان سبباً قوياً في التأثير على القرار البريطاني الحالي بشأن سوريا، والذي اتسم بقدر ملحوظ من الحذر، خاصةً أن "غزو العراق" تسبب في انقسام البريطانيين آنذاك، ومن ثم تجنبت الحكومة البريطانية المشارِكة في "التحالف الدولي" القيامَ بعمليات جوية في الأزمة السورية، للتصدي لتنظيم داعش، إلا بعد أن صدر تفويض من مجلس العموم البريطاني في 2 ديسمبر/كانون الأول 2015، فلم تنطلق ضرباتها الأولى إلا بعد ساعات من تصويت المجلس عليه.

النفوذ البريطاني المرتقب انطلق من رغبة داخلية، حيث إن التحرك الحالي في سوريا والعراق لا يعتبر جزءاً من عملية أوروبية مشتركة، بل هو تحرك مستقل؛ ما يفسر بحث بريطانيا عن نفوذها "الإمبراطوري القديم"، وهو ما قد يرجح تقارب رؤيتي بريطانيا وأمريكا حيال الأزمة السورية.

تقارب وجهتا النظر الأمريكية البريطانية يعزز كذلك الحضور الأمني البريطاني في الخليج بقوة، نافياً وجود الطابع التنافسي بينهما في الساحة الخليجية، بل قد يعتبر الوجود البريطاني رافداً ومعززاً للوجود الأمريكي في ظل هذا التراجع الأمريكي الهادئ حالياً.

وفي القمة الخليجية التي حضرتها ماي في ديسمبر/كانون الأول 2016، اتفق قادة دول الخليج وبريطانيا على إطلاق شراكة استراتيجية بين الجانبين "لتعزيز علاقات أوثق في كافة المجالات، بما في ذلك السياسية والدفاعية والأمنية والتجارية"، ترتب عليه تدريبات عسكرية بين الإمارات وبريطانيا تحت اسم "خنجر البحر".

وفي ديسمبر/كانون الأول 2014 أعلنت لندن والمنامة عن إقامة قاعدة عسكرية بريطانية جديدة في البحرين، لتكون أول قاعدة دائمة للدولة الأوروبية في الشرق الأوسط منذ انسحابها من المنطقة عام 1971، حيث تسمح الاتفاقية المبرمة بين الطرفين بإقامة القاعدة من أجل تعزيز التعاون في مواجهة التهديدات في المنطقة، وتحسين المنشآت القائمة في ميناء سلمان حيث ترسو أربع سفن حربية بريطانية لمكافحة الألغام بشكل دائم، وتشمل القاعدة الجديدة مكاناً لتخزين المعدات للعمليات البحرية وإيواء أفراد الملكية البريطانية.

ويبلغ حجم التبادل التجاري بين دول الخليج وبريطانيا نحو 22 مليار دولار سنوياً، حيث تسد دول الخليج حاجات بريطانيا من النفط والغاز الطبيعي، فضلاً عن الاستثمارات الخليجية الكبيرة لديها.

مكة المكرمة