بتهديداته غير المسبوقة.. ترامب يعيد إلى الأذهان حصار العراق

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/K8NarK

يواجه العراق وضعاً متأزماً

Linkedin
whatsapp
الاثنين، 06-01-2020 الساعة 14:00

أعاد تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بفرض عقوبات "لم يروها" من قبل على العراقيين، معاناة سنوات الحصار في تسعينيات القرن الماضي، التي تسببت بانتشار الأمراض والأوبئة والفقر والجرائم المختلفة.

ونتيجة لتصويت مجلس النواب العراقي، الذي جرى الأحد (5 يناير)، على إنهاء وجود أي قوات أجنبية في العراق، ومن ضمنها الأمريكية، وعدم استخدامها لأراضيه ومجاله الجوي ومياهه لأي سبب؛ على خلفية مقتل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض عقوبات كبيرة على بغداد.

وقال ترامب للصحفيين إنه إذا طالب العراق برحيل القوات الأمريكية ولم يتم ذلك على أساس ودي "فسنفرض عليهم عقوبات لم يروا مثلها من قبل مطلقاً. ستكون عقوبات إيران بجوارها شيئاً صغيراً".

وأضاف: "لدينا قاعدة جوية هناك باهظة التكلفة بشكل استثنائي. لقد احتاجت مليارات الدولارات لبنائها منذ فترة طويلة قبل مجيئي. لن نغادر إلا إذا دفعوا لنا تكلفتها".

والعقوبات تعتبر سياسة تنتهجها الولايات المتحدة مع خصومها ومن تريد إجبارهم على اتخاذ قرارات معينة، وهي مشاهدة في دول عدة، وإيران أقرب البلدان إلى العراق لتكون مثالاً حياً لما تتعرض له من تدهور في اقتصادها نتيجة عقوبات واشنطن.

والعقوبات سياسة نصح بها وودرو ويلسون، الرئيس الـ28 للولايات المتحدة؛ من عام 1913 إلى 1921. الذي قال: "كلا ليس الحرب، بل شيء آخر أكثر هولاً من الحرب. طبقوا هذا العلاج الاقتصادي السلمي الصامت القاتل ولن تعود هناك حاجة إلى القوة. المقاطعة هي البديل عن الحرب".

العقوبات الأمريكية على العراق

لا يحتاج العراقيون إلى أمثلة قريبة أو بعيدة لتتوضح لهم خطورة العقوبات؛ فقد سبق أن عاشوها وعانوا منها كثيراً.

ففي أغسطس 1990، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 661، بفرض عقوبات اقتصادية على العراق.

وكان الهدف من هذا العقوبات التضييق على العراق لإرغامه على سحب قواته من الكويت. لكن قبل أن تصل الأمور إلى هذه المرحلة قادت أمريكا قوات التحالف وأخرجت القوات العراقية.

وبقيت العقوبات نافذة بذريعة التأكد من خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل، وتطبيقه قرارات مجلس الأمن، وشملت هذه العقوبات حظراً تجارياً كاملاً باستثناء المواد الطبية والمواد التي لها صفة إنسانية.

نتيجة الحرب عانى العراقيون من تدمير البنية التحتية لبلادهم؛ من محطات اتصالات وكهرباء ومصانع ومعامل ومنشآت نفطية ومخازن للحبوب ومواد تموينية، وأسواق مركزية، ومحطات ضخ المياه والمنازل.

حتى الملاجئ التي احتمى فيها المواطنون لم تكن ملاذاً آمناً لهم أمام القصف الصاروخي البري والجوي والبحري المركّز على مدى 42 يوماً.

أدى الحصار إلى نتائج مخيفة في جميع مجالات الحياة العامة الصحية والبيئية والاجتماعية والتربوية والعلمية والاقتصادية.

وبلغ حجم التضخم في نهاية عام 1994 معدل 24000% سنوياً، وإن كان قد خف قليلاً في السنوات اللاحقة التي شهدت تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء، الذي من خلاله سمحت الأمم المتحدة للعراق باستيراد حاجته من المواد الغذائية مقابل النفط.

وتعمقت مظاهر التردي والترهل إلى الحد الذي أفقد المجتمع العراقي سمات المجتمع المتحضر المتماسك الذي كان عليه قبل غزو الكويت.

ونظراً لعدم قدرة الحكومة على تأمين الوظائف الحكومية، وفي القطاعات الصناعية التي توقفت نتيجة الحصار، فقد تم تسريح ما يقارب ثلثي القوى العاملة.

وساهم هذا في زيادة معدلات البطالة وتمزق الحياة العائلية نتيجة ارتفاع معدلات الجريمة، والعنف الاجتماعي، والرشوة، والانتحار، والسرقة، والتهريب، والبغاء، وجنوح الأحداث، وظواهر اجتماعية أخرى تؤكد الخلل الخطير في بنية المجتمع العراقي.

وإلى جانب تدهور المعاهد التعليمية في كل المراحل، وشيوع ظاهرة التسرب من المدارس وانخفاض مستوى التعليم، واجه العراق ظاهرة هجرة العقول بأعداد كبيرة.

ويقدر رسمياً أن أكثر من 23 ألف باحث وعالم وأستاذ جامعي وطبيب متخصص ومهندس مرموق تركوا العراق؛ لينضموا إلى أكثر من 2.5 مليون آخرين يعيشون في المنافي الطوعية.

كما أدى الانخفاض في استيراد المواد الطبية؛ بسبب النقص في الموارد المالية، وندرة وسائل الرعاية الصحية والمبيدات الحشرية والعقاقير الطبية والمعدات المتعلقة الأخرى، إلى إصابة خدمات الرعاية الصحية بالشلل، حيث كانت قبل الحرب على مستوى عالٍ من الكفاءة.

وتشير تقارير اليونيسف إلى أن أكثر المناطق تأثراً في العراق هي المنطقة الجنوبية والوسطى، حيث يقطنها 85% من مجموع السكان.

ونتيجة العقوبات فإن معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة زاد عن الضعف، وتضاعفت نسبة سوء التغذية بين الأطفال دون سن الخامسة.

تحول العراق في سنوات الحصار من بلد غني ومرفه نسبياً إلى بلد يعاني شظف العيش.

وفي أحد تقاريرها وصفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر نظام الرعاية الصحية في العراق بأنه في حالة يُرثى لها.

مواجهة فصل عقوبات جديد

كل الإشارات التي يتحدث عنها مراقبون تذهب إلى عدم قدرة العراق على تحمل عقوبات؛ لا سيما في ظل وجود ارتفاع في نسب البطالة والفقر وشبه انعدام الصناعة والزراعة، بخلاف الحال الذي كان عليه العراق قبل فرض العقوبات عليه عام 1990.

وفي هذا الشأن يقول الكاتب والمحلل السياسي عيسى الصباغ: إن "العراق وسياسييه غير قادرين على تحمل أية عقوبة مهما كان ثقلها".

وأوضح الصباغ في حديثه لـ"الخليج أونلاين" أن "الكيان العراقي السياسي في حقيقة الأمر هش. وهناك انقسامات واضحة، سواء كانت على المستوى الشعبي أو المستوى القيادي".

ووصف المواجهة بين العراق وأمريكا بأنها "أشبه بالمواجهة بين النمر والأرنب، هذه هي حقيقة الأمر".

وأكد أن "قرار إلغاء المعاهدة في هذه المرحلة غير صائب، وليس للعراق قدرة على تحمل عواقبه"، مشدداً بالقول: إن "تهديدات ترامب إذا شُرّع بعضها ينهار بها العراق".

وتابع يقول: إن "مما لا شك فيه أن قرار إنهاء المعاهدة الأمنية بين العراق والولايات المتحدة جاء بضغط إيراني، هذا إذا كنا لا نريد أن نذهب بعيداً ونقول بتهديدات إيرانية".

واستطرد: "قبل كل شيء يجب أن نتذكر أن العملية السياسية في العراق، وسياسييها، كانت صناعة أمريكية، بل والتغوّل الإيراني بالعراق تم بسكوت أمريكي أو مباركة أو تعاون بين الطرفين الإيراني والأمريكي لمحاربة عدوّهما المشترك آنذاك؛ المتمثل بأصحاب الولاء الوطني الحقيقي".

وأضاف: "بعد أن تمّ لهما ما أرادا بدأ التهارش على الغنيمة. هذه الخلفية يجب الانطلاق منها لتسليط الضوء وتحليل ما يجري الآن".

وقال المحلل السياسي العراقي وهو يتحدث بشأن تهديدات الرئيس الأمريكي: "أولاً تهديد ترامب في الوقت الحاضر مجرد تهديد لم يكتسب صفة قانونية، أي لم يوضع في قانون أو تشريع أو موافقة من قبل الجهات الرسمية الفاعلة في الولايات المتحدة كالكونغرس أو مجلس الشيوخ وما شابه".

وأضاف: "أما الأمر الثاني فإن قرار إنهاء المعاهدة الأمنية من المؤكد أنه يمس الرؤية السياسية الأمريكية، أي النظام العالمي الذي تقوده أمريكا"، مفيداً بأنه "في كل الأحوال ترفض الإدارة الأمريكية ذلك، وفي وسع هذه الإدارة المتمثلة بترامب أن تتخذ أو يتخذ ما يراه مناسباً لحماية المصالح الأمريكية ورؤيتها السياسية".

وختم قائلاً: "كل شيء وارد في الرؤية الأمريكية وله ما يسوّغه".

مكة المكرمة