بعد استقالة بوتفليقه.. هل فوّض الجزائريون الجيش أم انقلب على الرئيس؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/L48EW9

ما دور العسكر في إدارة شؤون الجزائر بعد استقالة بوتفليقة؟

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 02-04-2019 الساعة 20:00

بدأ الجزائريون أسبوعهم الجاري بخبر مثير؛ حينما أعلن عن توقيف الملياردير علي حداد، المقرب من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وهو يحاول الدخول لتونس على الرغم من صدور قرار بمنع مغادرته للجزائر، واعتبر الجزائريون أن هذا الخبر "السعيد" مؤشر ميداني على نهاية حكم بوتفليقة، وإيذان بسقوط الدوائر المحيطة به.

اعتقال علي حداد، رئيس "منتدى رؤساء المؤسسات"، أكبر تكتل مالي مؤيد للرئيس وأكبر داعم لحملاته الانتخابية، وانتشار معلومات تفيد بصدور قرار بمنع العشرات من رجال الأعمال من مغادرة البلاد؛ للاشتباه بهم في التورط في قضايا فساد، خطوة أثلجت صدور الجزائريين، وأشعرتهم بقرب الفرج بعد ستة أسابيع من التظاهر للمطالبة برحيل النظام وكل رموزه.

بيد أن مسارعة الوزير الأول، نور الدين بدوي، لإعلان حكومته الجديدة عاد بأحلام الجزائريين إلى المربع صفر.

وقْع إعلان الحكومة على الجزائريين كان مؤلماً ومحبطاً، خاصة أنه جاء بعد ساعات قليلة فقط من بيان شديد اللهجة لقيادة الأركان، حمل تهديداً من الجيش لعناصر قال عنها إنها "معروفة"، وعقدت اجتماعاً "مشبوهاً" الهدف منه "استهداف المؤسسة العسكرية من خلال شن حملات مسيئة عبر شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام"، والترويج لفكرة أن الجزائريين يرفضون تطبيق المادة 102 من الدستور التي يُعلَن بموجبها شغور منصب الرئيس لأسباب صحية.

الجيش في بيانه ذهب أكثر من المطالبة بتطبيق المادة 102، إذ تحدث لأول مرة عن ضرورة تطبيق مواد أخرى، وهي 7 و8، التي تنص على أن الشعب هو مصدر السلطة التي يمارسها عن طريق مؤسسات سيادية، يختارها بكل حرية.

الخبير في علم الاجتماع السياسي ناصر جابي، اعتبر- في منشور له على صفحته الرسمية في "فيسبوك"- إضافات الجيش "مهمة رغم أنها قد لا ترضي كل مكونات الحراك، خاصة تلك التي تطالب بمجلس تأسيسي، والدخول في مرحلة انتقالية من خارج مؤسسات النظام، بما فيها المؤسسة التشريعية التي غابت عن المشهد السياسي منذ اندلاع الحراك".

لكن إضافات الجيش- بحسب رأي جابي- "قد تكون أرضية مقبولة لمكونات مهمة من الحراك والطبقة السياسية؛ إذا تم تطبيقها بصدق وتحت مراقبة الحراك الشعبي، كضمانة أساسية لهذه المرحلة الانتقالية التي تُقبل عليها الجزائر".

وعلى الرغم من وجهة النظر السابقة المطمئنة إلى حد ما، فإن بيان الجيش لم يطمئن الجزائريين.

ومما زاد من مخاوفهم هو إعلان الرئاسة، من خلال بيان لها، أن الرئيس بوتفليقة سيستقيل قبل انتهاء ولايته الرئاسية الجارية في 18 أبريل الجاري، لكن دون تحديد تاريخ لإعلان الاستقالة؛ ما يعني أن الرئيس قد يستقيل قبل يوم أو قبل ساعات من انتهاء فترة ولايته؛ وذلك يدفع نحو تعيين رئيس مجلس الأمة الحالي عبد القادر بن صالح، بصفة رئيس لتسيير المرحلة الانتقالية، وهو أمر يرفضه الحراك الذي يطالب بشخصية مستقلة لقيادة هذه المرحلة.

الكاتب والإعلامي التوفيق بوقدة اعتبر، في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن "بوتفليقة ومن خلال بيان الرئاسة مصر على تأدية دور في رسم خارطة الطريق بمرحلة ما بعد رحيله، بتسمية المرحلة الانتقالية واتخاذ إجراءات يعتقد ضمانها لاستمرارية سير مؤسسات الدولة، كما يرفض إعلان تاريخ محدد لرحيله".

تفويض الجيش

هذا الإرباك والقلق الذي يعم الشارع الجزائري، والذي غذته بعض وسائل الإعلام الجزائرية بتحولها إلى وسائل دعاية، بعضها يروج لمخرجات مؤسسة الرئاسة، وبعضها الآخر يروج لسيناريوهات تطرحها قيادة الأركان، خلق حالة استقطاب وتضارب غير مسبوقة، وصلت إلى حد إعلان إحدى الصحف، وهي يومية "الشروق"، على صفحتها الأولى لعدد الاثنين (1 أبريل) أن الجزائريين فوضوا الجيش، وهو العنوان الذي أثار انتقادات واسعة، ودفع بنشطاء إلى إطلاق وسم "أنا جزائري لم أفوض الجيش".

ما ذهبت إليه يومية "الشروق" خطوة استحضرت المشهد المصري، وطرحت تساؤلاً مهماً بشأن دور الجيش في المشهد السياسي الحالي، وهل هناك محاولات لاستنساخ التجربة المصرية في المشهد الجزائري والتحضير لـ"سيسي آخر" بالجزائر؛ من خلال الترويج لفكرة أن قائد الأركان قايد صالح هو المخلص للجزائريين من قبضة بوتفليقة وحاشيته.

وعلى العكس مما نشرته "الشروق"، كتب الإعلامي نسيم لكحل، الذي يرأس تحرير منصات الشروق الإلكترونية، تحت عنوان "مع الجيش ضد العصابة، نقطة إلى السطر..!"، قائلاً: "نرفض تماماً استحضار النموذج المصري باستخدام مصطلحات مشابهة على غرار "#التفويض" وما شابه! هذا الشعب الذي انتفض حرر الجميع، بمن فيهم مؤسسة الجيش، التي كانت محاصرة في ظل حكم "العصابة"، لهذا على قيادة الجيش رد الجميل للشعب بمساعدته في التحرر الكامل من العصابة، ثم العودة مباشرة إلى الثكنة".

وتابع: "ومثلما نطالب من الرئيس بوتفليقة (أو من يمثله) التنحي فوراً، فإننا نطالب أيضاً من الفريق أحمد قايد صالح أن يعلنها فوراً بأنه لن يكون له دور في الحياة السياسية القادمة، ولن يترشح للرئاسيات تحت أي اسم من المسميات، الجزائر ليست بحاجة إلى سيسي جديد، وسنرفضه أقوى من رفضنا لبوتفليقة!".

وعن رؤيته لدور الجيش في المرحلة الراهنة، والمخاوف المرتبطة بإمكانية تجاوز مهامه الدستورية، يرى القيادي في "حركة مجتمع السلم"، عبد المجيد مناصرة، أن "الجزائر تمر بظرف استثنائي، خاصة بعد أن وقع انسداد بين الشعب ومؤسسة الرئاسة؛ فالشعب الذي خرج بالملايين رافضاً للولاية الخامسة، ورافضاً للقرارات التي أطلقها الرئيس يوم 11 مارس الماضي معلناً تمديد فترة ولايته في فترة انتقالية قد تمتد لعامين، أمر قابله الرئيس بالإصرار على عدم التجاوب".

ظرف استثنائي

أمام هذا الرفض، وعدم تحرك المجلس الدستوري، يؤكد مناصرة، في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أنه "يجب على هيئة تمتلك رصيداً محترماً ومصداقية لدى الشعب أن تتحرك لإخراج البلاد من الانسداد الحاصل"، وبرأيه "لا توجد أية مؤسسة قادرة على أداء هذا الدور سوى مؤسسة الجيش".

بالمقابل شدد مناصرة على أن تدخل الجيش يجب أن "يكون من خلال التوجيه والدفع نحو المخارج والحلول الدستورية، وهو ما حدث بالدعوة إلى تطبيق المادة 102، التي تعد مدخلاً لرحيل الرئيس بوتفليقة".

واستطرد قائلاً: "لكن للأسف الشديد المجلس الدستوري لم يتفاعل مرة أخرى مع مقترحات الجيش لتجاوز الأزمة، على الرغم من أن الشعب خرج مؤيداً لمقترحات الجيش الذي تجاوب مرة أخرى مع مطالب الحراك بالدعوة لتفعيل المادتين 7 و 8 من الدستور في بيان 30 مارس".

مناصرة كشف أن بيان الرئاسة الذي أعلن توجه بوتفليقة لإعلان استقالته قبل نهاية ولايته يحمل الكثير من الشكوك، أولها أنه "موقع من الأمانة العامة للرئاسة في حين كان بإمكان الرئيس أن يعبر عن ذلك بشكل مباشر". كما أنه اعتبر أن "البيان جاء متأخراً جداً بعدما أخرج الجيش سيفه لحل الأزمة". 

في تقدير مناصرة فإن تجاوز الانسداد الحاصل لا يكون إلا بالاستقالة الفورية لبوتفليقة، لأن أي تعطل في ذلك سيطيل من عمر الأزمة، ويتابع: "إذا كانت ثمة قرارات مهمة فيجب أن تتخذ في أقل من 24 ساعة، على أن تكون ملبية لمطالب الجزائريين؛ لأنه لا يحق له أن يتخذ قرارات تخدمه للمرحلة المقبلة؛ وهي ليست مرحلته".

ومن المطالب والقرارات التي يراها مطلوبة "تغيير رئيس مجلس الأمة والمجلس الدستوري، واستحداث هيئة مستقلة لتنظيم الانتخابات بقيادة شخصية توافقية، مع تعديل حكومي بقيادة شخصية توافقية".

وفي ظل هذا النقاش المحتدم تتجه الدعوات إلى الاستمرار في المسيرات السلمية، وتعرف شبكات التواصل دعوات واسعة لجعل مسيرات الجمعة الأضخم منذ بداية الحراك؛ لوضع حد للانسداد الحاصل منذ 22 فبراير الماضي.

مكة المكرمة