بعد تعنت أمريكا.. ما خيارات تركيا في سوريا؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/gkna81

تسعى تركيا لإقامة منطقة آمنة على حدودها مع سوريا

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 04-04-2019 الساعة 10:20

ما زالت تركيا مُصرَّة على تنفيذ عمل عسكري في منطقة شرقي الفرات السورية؛ للقضاء على الوحدات الكردية الطامحة إلى تأسيس كيان مستقل على حدودها.

وتعتبر أنقرة قيام مثل هذا الكيان شمال شرقي سوريا تحت أي اسم خطراً داهماً يهدد أمنها القومي، لذلك تسعى إلى إقامة منطقة آمنة تحول دون وصول تلك الوحدات إلى العمق التركي.

وتسيطر الوحدات الكردية، تحت غطاء قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، على منطقة شرقي الفرات التي تشكل نحو ثلث مساحة سوريا، ما عدا مربعاً أمنياً في مدينة الحسكة تحت سيطرة النظام، ومثله في مدينة القامشلي.

وعقب اللقاء الذي جمع وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو بنظيره الأمريكي مايك بومبيو، الأربعاء 3 أبريل 2019، خرج الأخير بتصريح شديد اللهجة حذر فيه أنقرة من "عواقب وخيمة"، إذا ما شنت عملية عسكرية أحادية في شمال شرقي سوريا.

وقالت وزارة الخارجية الأمريكية في بيان لها: إن "الوزير بومبيو أعرب عن دعمه للمفاوضات الجارية بشأن شمال شرقي سوريا"، محذراً في الوقت ذاته من "تداعيات مدمرة" لأي عمل عسكري تركي أحادي الجانب في المنطقة.

القيادة التركية سعت على مدار الأشهر الماضية، للوصول إلى تفاهم مع الجانب الأمريكي يضمن أمنها ويُبعد ما تراه خطراً عن حدودها، لكن الطرفين فشلا في التوصل إلى صيغة تحقق مطالبهما، وهو ما يثير تساؤلاً وهو: هل ستمضي أنقرة في خيار العمل العسكري حتى وإن اضطرها ذلك إلى العمل منفردةً، أم لديها خيارات أخرى؟

تهيئة إعلامية وحشد ميداني

وتعكس جديةَ تركيا في معالجة هذا الملف التهيئةُ الإعلامية المستمرة للرأي العام الداخلي والخارجي لعمل عسكري محتمل على الحدود.

وآخر التصريحات في هذا المجال ما أدلى به الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، خلال الحملة الدعائية للانتخابات البلدية، السبت (30 مارس 2019)، حيث قال: إن "أول ما سنفعله بعد الانتخابات هو حل المسألة السورية بالمفاوضات، وإن تعذر ذلك فحتماً سنحلُّه ميدانياً".
وفي كلمة أخرى، توعد أردوغان بتلقين الوحدات الكردية، "الدرس اللازم في منطقة شرقي الفرات بسوريا، إذا لم يُضبَط الوضع فيها". 

وأضاف متسائلاً: "ألم نلقِّنهم درساً في الممر الإرهابي، شمالي سوريا، بعفرين؟"، مجيباً عن التساؤل الذي طرحه، بقوله: "بلى، لقد فعلنا.. والآن إذا لم تضبط الولايات المتحدة الوضع في شرقي الفرات، فإننا سنلقّنهم الدرس اللازم، وقد استكملنا جميع استعداداتنا".

ميدانياً ذكرت وسائل إعلام تركية أن وزير الدفاع التركي، خلوصي آكار، افتتح غرفةً متقدمةً للعمليات المشتركة على الحدود مع سوريا، لإدارة العملية العسكرية المحتملة ضد مواقع للوحدات الكردية شمال شرقي سوريا.

بين واشنطن وموسكو

وشهدت العلاقة بين تركيا وواشنطن توتراً خلال الأشهر الماضية، لأن الأخيرة لم تنفذ ما اتفقت عليه مع أنقرة بشأن مدينة منبج، حيث سعت تركيا إلى شن عملية عسكرية تستهدف الوحدات الكردية في منبج غربي نهر الفرات وكذلك شرقي النهر، على غرار عملية "غصن الزيتون" التي أنهت وجود هذه الوحدات في منطقة عفرين شمال غربي حلب. 

لكن واشنطن حالت دون ذلك، رغم أنها توصلت إلى اتفاق مع الجانب التركي بخصوص منبج في يونيو 2018، تضمَّن إخراج الوحدات الكردية والمليشيات الأخرى من المنطقة.

ومع تواصُل أنقرة مع الجانب الأمريكي، الداعم الرئيس لأكراد سوريا، تمد في الوقت نفسه جسور التواصل مع موسكو، صاحبة الكلمة العليا في سوريا سياسياً وميدانياً.

وكان وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو، أعلن الجمعة (29 مارس 2019)، أنه بحث التطورات في سوريا مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، خلال لقائهما في أنطاليا جنوبي تركيا.

وقال أوغلو: إن "تركيا تواصل مباحثاتها مع الولايات المتحدة لإقامة منطقة آمنةٍ شمالي سوريا، بالتوازي مع التنسيق مع الشركاء الروس".

وأضاف: "بعد قرار الانسحاب الأمريكي من سوريا، نرى أن الولايات المتحدة لا تمتلك استراتيجية أو خطة عمل بالمنطقة، ما عدا التصريحات المتضاربة الصادرة عنها، وما يهمنا هو عدم استغلال التنظيمات الإرهابية الفراغ الذي سيتشكل بعد الانسحاب، لأن هذا يشكل أهمية بالنسبة لأمن بلادنا وسوريا معاً". 

خيار العمل العسكري المنفرد

هذا وتشير الأوضاع وتصريحات الرئيس التركي الأخيرة إلى أن أنقرة قد تتجه إلى شنّ عمل عسكري منفردةً بعيداً عن واشنطن.

إلا أن الخبير العسكري حامد الفلاحي استبعد إمكانية توجُّه أنقرة إلى هذا الخيار، مشيراً إلى أن معركة "درع الفرات" كانت بتنسيق تام مع الولايات المتحدة الأمريكية، و"غصن الزيتون" بتنسيق مع روسيا.

وقال "الفلاحي" في حديث مع "الخليج أونلاين": إن "القيادة التركية تعي تماماً احتمالية محاولة جرها إلى حرب استنزاف على الحدود السورية، ومن المعلوم أن الحروب تنهك اقتصادات الدول، وأكبر مثال على ذلك الاتحاد السوفييتي الذي أُنهك بحرب أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي، بسبب وضعه الاقتصادي".

وأشار إلى أن "أمريكا قد تسعى لجرّ تركيا إلى حرب استنزاف شرقي الفرات في ظروف صعبة، خصوصاً بعد تقارب أنقرة مع موسكو، وقد تكون مثل هذه المعركة من عوامل تقويض هذا التقارب، خصوصاً بعد إصرار تركيا على إمضاء صفقة صواريخ إس-400".

المنطقة الآمنة حل وسط

فكرة المنطقة الآمنة التي اقترحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعتبر حلاً وسطياً أمام تركيا، التي رحبت بالأمر، الذي سيعني تأمين الحدود التركية بالكامل، وإبعاد المليشيات عن حدودها مسافةً لا تقل عن 40 كيلومتراً، وتقليص مناطق سيطرتها.

وإقامة مثل هذه المنطقة مرهونة بالتفاهمات السياسية التي تحاول أنقرة بلورتها مع كل من واشنطن وموسكو، حيث لم تقدم الأولى بعدُ تصوراً مفصلاً لفكرة المنطقة الآمنة، في حين لا تبدو الثانية متحمسة للفكرة، بل تسعى إلى تقديم بدائل لها مثل إعادة الاعتبار إلى "اتفاق أضنة" المبرم بين الحكومتين التركية والسورية.

"الفلاحي"، العقيد السابق في الجيش العراقي، يرى أن "أهمية منطقة شرقي الفرات بالنسبة لتركيا تأتي أساساً من وجود تهديد بإنشاء كيان كردي ربما تكون له امتدادات قد تصل إلى داخل أراضيها، ومن هنا ترى أن إنشاء مثل هذا الكيان أو إفساح المجال لإنشائه يعتبر تهديداً لأمنها القومي، لذلك تسعى إلى إقامة منطقة آمنة وليست عازلة، وهناك فرق بين المنطقتين".

وأشار إلى أن "إنشاء المنطقة الآمنة يعني فرض حظر جوي فوقها، والسماح بإعادة اللاجئين، وتكون مسؤولية حمايتها دولية، كما يتوجب تأمين الإغاثة الإنسانية بممرات آمنة للمنطقة".

وتبقى الاحتمالات مفتوحة أمام متغيرات متصاعدة بالمنطقة، وتقلُّب بالعلاقات التي تربط الدول المؤثرة في المنطقة بعضها ببعض، فالتوتر التركي-الأمريكي قد يجر أنقرة إلى مزيد من التقارب مع موسكو، وهذا يعني تغير خريطة التحالفات ولو بشكل موضعي يعالج أزمة الحدود السورية-التركية، وقد يأخذ شكلاً أوسع في المستقبل المنظور في حال حصل مزيد من تباعد المواقف بين واشنطن وأنقرة.

مكة المكرمة