بعد موقف صلب.. لماذا بدا عباس متراخياً أمام "صفقة القرن"؟

لقاءات مع المجتمع الإسرائيلي ومسؤولين أمريكيين
الرابط المختصرhttp://khaleej.online/oJP9aA

عباس لم يلتزم أي وعود حول إنهاء العلاقات مع "إسرائيل"

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 15-02-2020 الساعة 18:37

منذ اللحظات الأولى لإعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، خطته المزعومة للسلام والمعروفة بـ"صفقة القرن"، كان موقف الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، رافضاً لها ومهاجماً للإدارة الأمريكية الحالية، رافعاً شعار التحدي والمواجهة.

وسريعاً اتخذ عباس عدداً من القرارات المهمة لمواجهة الخطة الأمريكية، مع تأكيده رفض عقد أي لقاءات مع مسؤولين في الولايات المتحدة، ورفض الرد على اتصالات ترامب، وهو ما يؤكد تشدد القيادة الفلسطينية حيال "صفقة القرن" الأمريكية.

وبدأ الرئيس الفلسطيني باتخاذ جملة من القرارات، خلال كلمته أمام الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب، في بداية فبراير الجاري، حيث أعلن "قطع أية علاقة وضمنها الأمنية" مع "إسرائيل" والولايات المتحدة، مؤكداً أنه سيتحرر من التزاماته بموجب اتفاق أوسلو الذي "نقضته" إسرائيل بتبنِّيها خطة السلام الأمريكية.

وذهب عباس إلى أكثر من ذلك، إذ أبدى استعداده لزيارة قطاع غزة، وعقد لقاء مع رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" إسماعيل هنية، وإجراء مشاورات مع الفصائل الفلسطينية المختلفة للخروج باستراتيجية لمواجهة الخطة الأمريكية.

ولم تمضِ على قرارات الرئيس الفلسطيني كثيراً، حيث أعلن تلفزيون "مكان" الإسرائيلي أن رئيسة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية "سي آي إيه"، جينا هاسبل، زارت مدينة رام الله في الضفة الغربية سراً، بعد يومين من إعلان "صفقة القرن"، والتقت مسؤولين فلسطينيين.

وأضاف التلفزيون العبري أن هاسبل التقت مسؤولين فلسطينيين، وخلال اللقاء جرى تبليغها بوقف الفلسطينيين التنسيق الأمني مع "إسرائيل" والولايات المتحدة؛ ومن ثم ركزت زيارتها على موقف السلطة الفلسطينية من "صفقة القرن".

وذكر التلفزيون الإسرائيلي، أن هاسبل "لم تجتمع مع عباس؛ بل مع رئيس المخابرات الفلسطينية ماجد فرج"، الذي أكد بدوره خلال الاجتماع "استمرار العلاقة بين قوات الأمن الفلسطينية ووكالة الاستخبارات المركزية وعدم تضررها".

كما توجه الرئيس الفلسطيني إلى مجلس الأمن؛ لمطالبته بتطبيق القانون الدولي في حل الصراع العربي الإسرائيلي، ولكن خطابه حمل تراجعاً كبيراً في مواقفه، وتأكيده أن "السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين لا يزال ممكناً".

وهاجم عباس خلال كلمته في مجلس الأمن، المقاومة في بلاده، من خلال قوله: "نحن لسنا إرهابيين؛ بل نحارب العنف والإرهاب في كل العالم، ولدينا بروتوكول تعاون مع الولايات المتحدة".

وعبَّر عن تجاوب السلطة الفلسطينية مع جهود واشنطن والمبادرات الدولية للسلام، والتزامها اتفاق أوسلو واعترافها بـ"إسرائيل" وبحقها في الوجود، متسائلاً: "كيف أضعنا فرص السلام؟".

وبهذا الخطاب سجَّل عباس تراجعاً سريعاً في كل القرارات التي اتخذها بعد إعلان ترامب "صفقة القرن"، وهو ما أثار غضب القوى السياسية الفلسطينية المختلفة.

على الأرض بدأت السلطة عقد لقاءات بين عدد من قياداتها وناشطين إسرائيليين، كان آخرها في مقر اتحاد الصحفيين الإسرائيليين.

وجمع اللقاء وزراء فلسطينيين سابقين، من بينهم وزير الأسرى والمحرَّرين أشرف العجرمي، ووزير الاقتصاد الوطني باسم خوري، وأعضاء في لجنة تواصل حركة "فتح" مع المجتمع الإسرائيلي إلياس الزنانيري وزياد درويش، وعضو المجلس التشريعي برنارد سابيلا، ووزير الحكم المحلي السابق حسين الأعرج.

ومن بين المشاركين وزراء وبرلمانيون سابقون، منهم النواب السابقون في الكنيست طلب الصانع، وأبراهام بورغ، والبروفيسور يوسي يونا، ودوف حينيين، وعنات ويلف، والنائب الحالي عوفر كسيف من "القائمة المشتركة"، والوزير السابق البروفيسور شلومي بن عامي وحاييم أورون وأوفير بينيس وران كوهن وزيدان عطشة وكولييت أفيطال وعنات ماؤور وديدي تسوكر ويائير تسابان وأفشالوم فيلان.

السلطة غير مستعدة

الباحث والمحلل السياسي، حسام شاكر، يؤكد أن السلطة الفلسطينية برئاسة عباس غير مستعدة لقلب الطاولة؛ لكونها ستكون أكبر الخاسرين فيها، أو خوض مواجهة من نمط مختلف.

وتلجأ السلطة، وفق حديثِ شاكر لـ"الخليج أونلاين"، إلى خيارات تكتيكية متفرقة دون أن تمتلك استراتيجية حقيقية للمواجهة، وتكتفي بالرفض، ولا تمتلك أدوات الحشد والتعبئة، وتطلق استجداءات للعالم.

وتعول القيادة الفلسطينية، كما يؤكد شاكر، على صندوق الأدوات القديمة والمسار المتعثر، دون الانتباه إلى المتغير الجوهري الجديد، وهو تحوُّل البيت الأبيض نحو صيغة مغايرة لما أطلقها في زمن "الرباعية" وما قبلها.

وأوضح أن "السلطة تستمر في التزام اتفاق أوسلو الذي انتهى عملياً، مع التركيز على الشق الأمني، وذلك من باب استعراض الخدمات التي تقدمها مقابل مطالبتها بتعويض سياسي من العالم لاحتواء الموقف"،  مشيراً إلى أن "المجتمع الدولي غير جاهز للضغط على الإدارة الأمريكية".

وعن لقاء عباس وأولمرت، رأى الباحث السياسي أنه حالة استعراضية سياسية، ولا يعني شيئاً؛ لكون الأخير خارج المعادلة السياسية في المجتمع الإسرائيلي، كاشفاً أن الرئيس الفلسطيني يريد من وراء هذا اللقاء "إظهار أن لديه شركاء داخل المجتمع الإسرائيلي غير راضين عن الخطة الأمريكية".

وتتضمن الخطة الأمريكية إقامة دولة فلسطينية "متصلة" في صورة "أرخبيل" تربط ما بينه جسور وأنفاق بلا مطار ولا ميناء بحري، وعاصمتها "في أجزاء من القدس الشرقية"، مع جعل مدينة القدس المحتلة غير المقسمة أو المجزأة عاصمة موحدة لـ"إسرائيل".

كما تنص "صفقة القرن" على تجريد قطاع غزة من السلاح، في إشارة إلى سلاح المقاومة لدى "كتائب القسام" و"سرايا القدس" الجناح العسكري لحركة "الجهاد الإسلامي"، وإجبار الفلسطينيين على الاعتراف بـ"يهودية إسرائيل"، وهو ما يعني ضمنياً شطب حق عودة اللاجئين إلى ديارهم وأراضيهم التي هُجِّروا منها عام 1948.

حركة "حماس" وعلى لسان الناطق باسمها عبد اللطيف القانوع، أكدت أن خطاب عباس الأخير أمام مجلس الأمن لم ينسجم مع تطلعات الشعب الفلسطيني، أو يحمل جديداً فيما  يتعلق برفض "صفقة القرن".

وقال القانوع في تصريح وصلت إلى "الخليج أونلاين" نسخة منه (12 فبراير): "كان لا بد من أن يترجَم الموقف الفلسطيني الرافض لصفقة القرن والغضب الشعبي المتواصل إلى خطوات عملية، تعبر عن جامّ غضب شعبنا، وحجم المؤامرة والتحديات التي تحدق بالقضية الفلسطينية، وترسّخ عملياً رفض شعبنا للصفقة".

ودعا الناطق باسم "حماس" رئيس السلطة إلى مغادرة مربع الرفض النظري، واتخاذ خطوات إجرائية تتعلق بسحب الاعتراف بالاحتلال الإسرائيلي، والتحلل من اتفاقيات التسوية معه.

وأشار إلى أن إطلاق يد المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية، ووقف كل أشكال التنسيق الأمني مع الاحتلال، كفيلان بإيلام الاحتلال، ووقف مخططاته، وإفشال أهدافه في تمرير "صفقة القرن".

كذلك، لم تنل خطوات عباس وعدم تنفيذه قراراته، إعجاب حركة "الجهاد الإسلامي"، التي أكدت على لسان رئيس الدائرة السياسية فيها محمد الهندي، أن عدم مغادرته سياق التفاوض والشراكة مع الاحتلال، وعدم تحقيقه الوحدة الوطنية، سيُبقيانه يدور في متاهة ليس لها مخرج.

وقال "الهندي" في تصريح وصلت إلى "الخليج أونلاين" نسخة منه (12 فبراير): "رغم إجماع كل الأحزاب في الكيان الصهيوني على القضايا الأساسية، فإن أبو مازن ما زال يبحث عن شريك إسرائيلي!".

وخرجت أصوات إسرائيلية مؤيدة لعباس، وجاءت من رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي الأسبق، إيهود أولمرت، من خلال قوله: "إن عباس هو الشريك لخطة السلام التي قدمها الرئيس ترامب، وصفقة القرن كما يطرحها بحاجة إلى شريك على الجانب الفلسطيني".

مكة المكرمة