بعد نشر أسراره.. هكذا تخلت فرنسا عن بوتفليقة

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/GrmDAX

تظاهرات شعبية واسعة تخرج في الجزائر رفضاً لبوتفليقة

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 01-03-2019 الساعة 15:28

لماذا الآن؟ السؤال يحير كل من اطلع على الوثائق التي رفعت عنها السلطات الفرنسية السرية، ونشرتها حصرياً أسبوعية "لو نوفال اوبسيرفاتور" المحلية في 26 فبراير الماضي، وتخص أرشيف مراسلات جهاز الاستخبارات الفرنسي حول ماضي الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة.

يصعب تصديق أن أجل رفع السرية عن هذه الوثائق تزامن مصادفة مع انطلاق التظاهرات المحتجة على ترشح بوتفليقة لعهدة خامسة، في انتخابات الرئاسة الجزائرية، المقررة في أبريل القادم.

بل إن الأرجح أن رفع السرية عن الوثائق ونشرها إنما هو تسريب منظم؛ يهدف الى الطعن في الرصيد الوحيد المتبقي لبوتفليقة: "المشروعية النضالية والتاريخية"، بعد 20 سنة في الحكم، تآكل فيها رصيده السياسي، وأقعده المرض منذ 2013، بل أصبح عاجزاً عن مخاطبة الشعب والقيام بمهام الرئاسة.

أهم ما جاء في الوثائق السرية حصول الصحيفة الفرنسية حصرياً على أرشيف الإدارة العامة للأمن الخارجي (DGSE)، حيث اهتم مكتب التوثيق الخارجي ومكافحة التجسس الفرنسي (Sdece) بجمع المعلومات حول بوتفليقة، بعد الانقلاب على الرئيس الجزائري السابق أحمد بن بلة سنة 1965.

وتبين أن بوتفليقة هو العقل المدبر لهذا الانقلاب، وأنه هو من أقنع هواري بومدين (الرئيس الثاني للجزائر المستقلة) بالتخلص من بن بلة؛ بعد أن أصبح يشكل تهديداً لطموحه السياسي، وبعد أن طلب منه بن بلة مغادرة منصبه في وزارة الخارجية.

بوتفليقة ينتقم من زوجة بومدين

تذكر الوثائق أيضاً أن بوتفليقة انتقم من أنيسة بومدين، زوجة الرئيس الجزائري الأسبق هواري، بعد أن طغى حضورها برفقة الرئيس في زيارة إلى كوبا سنة 1974 على حضوره، وكان حينها وزير الخارجية. يومها ظهر بوتفليقة في الخلفية يصارع وسط الحشود دون أن يتمكن من الاقتراب من الرئيس.

للانتقام منها- حسب الوثائق- أرسل بوتفليقة فواتير بقيمة مجوهرات اقتنتها زوجة الرئيس من محلات باريسية للرئيس بومدين عن طريق السفارة في باريس؛ فقرر بومدين إبعادها نهائياً عن الظهور في الحياة العامة.

لكن أخطر ما ورد في وثائق الاستخبارات الفرنسية هو تورط بوتفليقة في اغتيال معارضين سياسيين عبر السفارات الجزائرية في الخارج، على غرار مقتل بطل الاستقلال كريم بلقاسم في فرانكفورت بألمانيا في أكتوبر 1970، الذي تم التخطيط له، حسب نفس الوثائق، من قبل الملحق العسكري في السفارة الجزائرية بباريس.

تكشف الوثائق الفرنسية أخيراً أن بومدين نفسه فقد الثقة ببوتفليقة، وأمر الأول الاستخبارات بمراقبته، في حين تذكر إحدى برقيات السفير الفرنسي في الجزائر بتاريخ 17 مايو 1983 أن "فساد بوتفليقة أصبح معروفاً للعموم".

هل تعبر الصحيفة عن أجندة للحزب الاشتراكي الفرنسي؟

وبينما اختارت الأوساط الرسمية في الجزائر، وأحزاب المعارضة أيضاً، عدم التعليق على تسريب الوثائق السرية المتعلقة بتاريخ بوتفليقة، فإن مواقع وصحفاً جزائرية اتهمت الصحيفة الفرنسية بأنها أداة في يد الحزب الاشتراكي الفرنسي، وتساءلت عن الدوافع وراء احتكار الصحيفة أخباراً حصرية حول الجزائر ونشرها في هذا التوقيت بالذات.

موقع "الجزائر الوطنية" الناطق بالفرنسية، اتهم الحزب الاشتراكي الفرنسي بالوقوف خلف مرشح بعينه في انتخابات الرئاسة الجزائرية.

هذا الحزب معروف حسب الموقع "بتدخله الدائم في الشأن الداخلي الجزائري منذ عهد الرئيس الأسبق فرانسوا ميتيران، وزير الداخلية الفرنسي في أثناء فترة احتلال الجزائر، ويعتبر معادياً لثورة واستقلال الجزائر دائماً"، حسب نفس الموقع.

الموقف الرسمي الفرنسي

اتسم الموقف الرسمي الفرنسي من المشهد الجزائري حتى الآن بالحذر الشديد؛ وذلك خشية الاتهام بالتدخل.

الناطق باسم الحكومة الفرنسية، بينجامان غريفو، أكد الأربعاء (27 فبراير الماضي) لدى خروجه من مجلس الوزراء أن "باريس تأمل أن تستجيب انتخابات الرئاسة الجزائرية في 18 أبريل لأقصى تطلعات الشعب الجزائري"، مضيفاً: إنه "على الشعب الجزائري وحده دون غيره أن يختار من يحكمه، وأن يقرر مستقبله في كنف السلام والأمن".

المسؤول الفرنسي تمنى أن تعطي هذه الانتخابات للجزائر "الدفعة الضرورية لمواجهة التحديات".

مصدر دبلوماسي فرنسي صرح لإذاعة RFI أن مجلس الوزراء في اجتماعه الأربعاء، تطرق إلى الوضع في الجزائر، مضيفاً أن باريس واعية بأهمية التحركات الاجتماعية الحالية في الجزائر، "دون أن تتغاضى عن قوة جبهة التحرير الوطني والدعم الشعبي الذي ما زال يتمتع به الرئيس بوتفليقة".

وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد استدعى في نفس اليوم السفير الفرنسي في الجزائر للحضور والالتقاء بوزير الخارجية جون أيف لودريان؛ وذلك لتنسيق المواقف على ضوء الأحداث في الجزائر.

الجزائر كابوس ماكرون

مصادر حزبية مقربة من ماكرون سربت للصحافة الفرنسية أن هاجس الرئيس الفرنسي الأكبر هو حالة من عدم الاستقرار في الجزائر؛ ناتجة عن موت بوتفليقة على سبيل المثال، أو اندلاع ثورة، أو قلاقل أو أعمال عنف.

إذ تحرص فرنسا -وفقاً للمصادر- على استمرار حالة الاستقرار في الجزائر، التي شكلت استثناءً عندما عصفت رياح التغيير بدول الجوار بعد الربيع العربي في 2011، رغم أن كل عوامل الثورة التي قامت من أجلها شعوب دول الجوار متوفرة في الجزائر، من بطالة وفقر وسوء إدارة واحتكار للحكم في طبقة سياسية مترهلة.

أهمية الجزائر بالنسبة للمصالح الفرنسية تكمن أولاً في كونها أحد أهم مزودي فرنسا بالطاقة (10% من الغاز مصدره الجزائر).

الأمر الآخر أن أكثر ما تخشاه فرنسا وبقية دول الضفة الجنوبية لأوروبا، هو حالة من الفوضى في الجزائر تنتج عنها موجة كبرى للهجرة السرية للشباب من الجزائري ومن دول أفريقيا جنوب الصحراء.

ومعلوم أن عدد المهاجرين الجزائريين في فرنسا كبير جداً، منهم مليون ونصف المليون من أصحاب الجنسيات المزدوجة، يتأثرون مباشرة بما يجري في الجزائر.

وفي الجزائر نفسها يعيش أقارب لمواطنين يحملون الجنسية الفرنسية، قد يقررون الهجرة إلى باريس في حال تدهورت الأوضاع.

وأخيراً تخشى فرنسا من التهديدات الإرهابية على أراضيها، كما حدث سابقاً في أثناء الحرب الأهلية التي شهدتهاالجزائر في تسعينيات القرن الماضي، إضافة إلى تصاعد التهديد الإرهابي على الحدود بين الجزائر ومالي، ودور المخابرات الجزائرية في رصد تنظيم القاعدة في بلاد المغرب وغيره من التنظيمات "الجهادية" في شمالي أفريقيا ومنطقة الصحراء.

مكة المكرمة