بعد 15 عاماً.. أسئلة حول غزو العراق تجيب عنها وثائق البنتاغون السرية

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/6pav4E

مختصون يؤكدون أن غزو العراق صبّ في مصلحة إيران

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 23-01-2019 الساعة 20:00

خمسة عشر عاماً مضت على غزو العراق من قبل قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وما زال الكثير من المسائل المتعلّقة به وبنتائجه وما بعده مجهولة. ولا يُميط اللثام عن غموضها إلا وثائق الغزاة التي دوَّنت الأحداث التي رافقت الحرب وما بعدها.

وبموجب نظام الشفافية الأمريكية؛ فإن الحكومات مُلزمة بكشف وثائقها للرأي العام، ويُستثنى من ذلك الوثائق التي تأخذ صفة السرّية؛ لتعلّقها بجوانب عسكرية ومخابراتية أو أمنية، لكن سرية هذه الوثائق لا تأخذ حكم التأبيد؛ إنما تُحجب عن الجمهور فترات محدّدة، ويُطلق سراحها حال انتفاء موجب السرية.

دروس وعبر

آلاف الوثائق المتعلّقة باحتلال العراق عام 2003 كانت حبيسة الأدراج السرية، وقد بدأ الجانب الأمريكي بكشف جوانب منها، ومع ظهورها تتكشّف معلومات جديدة تتعلّق بسياقاتها.

وقد أفرجت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) مؤخراً، عن دراسة سلّطت الضوء على فترة غزو العراق 2003-2011، حملت عنوان: "الجيش الأمريكي في حرب العراق"، أمر بإعدادها رئيس الأركان السابق، الجنرال ريموند أوديرنو، عام 2013، واستمرّ العمل عليها تحت إشراف الرئيس الحالي، الجنرال مارك ميلي، واكتملت عام 2016.

صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية ذكرت، الأحد (20 يناير الجاري)، أن الجيش الأمريكي كان يعارض نشر الدراسة في السنوات الماضية؛ بسبب قلق كبار الجنرالات من تأثيرها في سمعة ضباط بارزين.

ونقلت الصحيفة عن الجنرال مارك ميلي قوله: إن "الدراسة كانت بمنزلة محاولة أولى للتشبّث بدروس الحرب على العراق، وإن دراسات أخرى ستظهر مستقبلاً عن دور الجيش في الحرب".

ومن خلال الوثائق الـ30 ألفاً المُفرَج عنها تم تقسيم الدراسة إلى مرحلتين؛ الأولى تمتدّ من عام 2003 وتنتهي عام 2006، وعالجت مرحلة بداية الاحتلال ومواجهة المجموعات المسلّحة، والحرب الأهلية والعنف الطائفي، والثانية من عام 2007 ولغاية انسحاب القوات الأمريكية عام 2011.

الوثائق تضمّنت مئات الساعات من المقابلات الأصلية، وآلاف الساعات من المقابلات السابقة غير المتاحة، دوّنها العقيد جويل دي رايبرن، والكولونيل فرانك ك.سوبتشاك.

وشملت مقابلاتٍ مع الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج دبليو بوش، ووزيرة خارجيته، كوندليزا رايس، ووزيري الدفاع الأسبقين؛ لوي بانيتا وروبرت غيتس، ورؤساء هيئة الأركان المشتركة.

الدراسة خلصت إلى مجموعة دروس مستفادة؛ أهمها أن الجيش الأمريكي فشل قُبيل انسحابه في تدريب القوات العراقية وتسليحها وتجهيزها، وهو الأمر الذي أسفر عن ظهور الجماعات المسلّحة مثل تنظيم الدولة.

وأشارت أيضاً إلى أن القيادة الأمريكية أخفقت في فهم طبيعة المجتمع العراقي وتركيبته الطائفية، الأمر الذي تسبّب بإحداث شرخ في بنية المجتمع، وتسبّب الانسحاب عام 2011 بعد ذلك بارتفاع معدّلات العنف والتوترات الطائفية.

وعلى الصعيد السياسي لفتت الدراسة الانتباه إلى أن الجانب الأمريكي كان يعتقد أن العملية الديمقراطية سيكون لها تأثير إيجابي في مسار الأحداث العراقية وتحقيق الاستقرار، وعوّل القادة الأمريكان على انتخابات عام 2005 في تهدئة الأوضاع، لكنها -على العكس- فاقمت التوترات العرقية والطائفية في البلاد.

"الانتصار الإيراني"

واستنتجت الدراسة من خلال الوثائق والوقائع المدوّنة عن الحرب أن "إيران الجريئة والتوسّعية هي المنتصر الوحيد من غزو العراق".

وتسلّط هذه الخلاصة الضوء على الدور الذي أدّته إيران خلال الغزو، وسيطرتها على المشهد العراقي بعد الانسحاب الأمريكي، ويرى مراقبون أنها ما تزال مسيطرة على القرار السياسي رغم محاولات إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تدارك ذلك وإخراج العراق من دائرة النفوذ الإيراني.

عبد الناصر الحمداني، الكاتب والباحث المختصّ بالشأن الإيراني في مركز دارسات منظّمة "كتاب بلا حدود" الشرق الأوسط، أكّد في حديثه لـ"الخليج أونلاين" أن هذه الخلاصة هي أدقّ ما ورد في الدراسة الأمريكية.

وأشار الحمداني إلى أن "إيران حوّلت غزو العراق إلى فرصة ذهبية لتحويل التطويق الأمريكي لها إلى قفزة سيطرة استراتيجية في المنطقة، دون أن يكلّفها ذلك شيئاً".

واستطرد يقول: "فبعد أن حاصرتها واشنطن من الغرب عبر أفغانستان، ومن الشرق عبر العراق، عملت طهران على بناء استراتيجية أُطلق عليها اسم الدفاع المتقدّم".

الدفاع المتقدم، يقول الحمداني، يقوم على تأسيس شبكة من الحلفاء والوكلاء في الدولتين الضعيفتين بالمنطقة؛ لبنان والعراق، تقاتل نيابة عنها بمواجهة أعدائها في ساحة المعركة، من خلال وكلاء محليّين في هذه الدول، دون ضرر مباشر على مصالحها وشعبها".

وعن كيفية تمكّن إيران من فعل ذلك؛ يوضّح أن ذلك اعتمد على أمرين أساسيين: "الأول تمكين حلفائها السياسيين من الحكم عبر فتاوى أجازت لهم الانخراط في تحالف مع أمريكا، أو إيهامها بذلك".

الحمداني أكد أن إيران "ومن خلال هذه الاستراتيجية تولّى حلفاؤها من القوى السياسية الشيعية السلطة، وقد انطلت الحيلة على القيادات الأمريكية التي سلّمت السلطة لهم بعد خروجها من العراق".

وتابع: "الأمر الثاني كان بتأسيس شبكة من المليشيات المسلّحة المرتبطة بها؛ تعمل على تنفيذ أجندتها داخل العراق، وتوظّف الفوضى لتحقيق مصالحها".

وبين أن هذه القوى "تمكنت من تأسيس موطئ قدم لها على الأرض؛ فأصبحت قوة لا يستهان بها، وهنا ارتكبت القيادة السياسية الأمريكية خطأ كارثياً لا يمكن تداركه أبداً؛ تمثل بقرار الحاكم الأمريكي، بول برايمر، رقم 91 الخاص بدمج المليشيات في الجيش عام 2004، قبل مغادرته العراق وانتهاء الولاية الرسمية لسلطة الاحتلال ببضعة أسابيع".

الباحث المختص في الشأن الإيراني أكد أن هذه الخطوة "منحت إيران منذ ذلك الوقت نفوذاً مباشراً في الجيش العراقي الجديد؛ من خلال الآلاف من أعضاء المليشيات المرتبطة بها بشكل مباشر، وقد أصبح هؤلاء جنوداً وضباطاً مؤثرين في الجيش لاحقاً".

وأضاف: "حينما بدأت الحرب الطائفية الأهلية (في أعقاب تفجير ضريح الإمامين العسكريين في سامراء، 125 كم شمالي بغداد، في فبراير 2006) ظهرت مؤشرات ووقائع متعددة على انحياز القوات الأمريكية للمليشيات الشيعية، التي كانت تهاجم المناطق السنية في بغداد بضراوة، إلى جانب تغاضيها عن قيام الحكومة المدعومة من طهران بعمليات تعذيب وانتهاكات واسعة ضد السنة".

ويبين الحمداني أنه "بعد الانسحاب الأمريكي تركت إدارة (الرئيس السابق باراك) أوباما النفوذ في العراق كاملاً لإيران؛ وهو ما ساعد في تصعيد السياسات الطائفية، خاصة في عهد رئيس الوزراء نوري المالكي (2006- 2014)، الذي أقام علاقات خاصة مع إيران وصلت بمسؤول كبير مثل علي يونسي، مستشار الرئيس الإيراني، حسن روحاني، إلى القول في تصريح صحفي: إن إيران أصبحت إمبراطورية كما كانت سابقاً وعاصمتها بغداد، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما كانت عبر التاريخ".

الخسائر الأمريكية

كلفة غزو العراق بقيت محل جدل وتجاذب في الولايات المتحدة الأمريكية منذ الانسحاب، إذ تشير الدراسة إلى أن "حرب العراق هي الحرب الأمريكية الأكثر كلفة منذ حرب فيتنام".

ووفقاً لأرقام البنتاغون، فقدت الولايات، لغاية 31 أغسطس 2010، أي مع انسحاب آخر دفعة من القوات الأمريكية القتالية من العراق، 4221 عسكرياً.

ومن الناحية المادية قدرت وحدة البحوث في الكونغرس الأمريكي أن تكون الولايات المتحدة قد أنفقت مع نهاية العام المالي 2011 مبلغاً قدره 802 مليار دولار أمريكي على تمويل الحرب.

لكن الاقتصادي الأمريكي جوزيف ستيغليتز، الفائز بجائزة نوبل للاقتصاد لعام 2001، وليندا جي بيلميز، كبيرة المحاضرين في شؤون السياسة العامة والتمويل والموازنات في جامعة هارفارد الأمريكية، يعتقدان أن تكون الكلفة الحقيقية لحرب العراق قد بلغت 4 تريليونات دولار، آخذين بالحسبان الآثار الإضافية لتلك الحرب على الميزانية والاقتصاد الأمريكيين.

الصحفي العراقي سامان كركوكلي، المطلع على العمليات العسكرية الأمريكية في العراق، قال لـ"الخليج أونلاين": إنه "حالما انبثقت المقاومة العراقية وتصاعدت عملياتها، حاول الجيش الأمريكي التعتيم على حجم خسائره؛ بحجة عدم إعطاء العدو انطباعاً بأنه يحقق الانتصارات".

وأضاف: "الرقم الرسمي الذي يبلغ 4 آلاف قتيل لا يشمل أفراد الشركات الأمنية الذين يستعين بهم الجيش تحت بند خصخصة الحرب، ويتجاوز عددهم 160 ألف مرتزق، ولا يشمل أيضاً القتلى من الجنود المتعاقدين بغرض الحصول على الجنسية الأمريكية، وتقدر تقارير غير رسمية أمريكية أن عدد القتلى يتجاوز 32 ألف قتيل".

كركوكلي يرى أن السياسة الحربية الأمريكية تقوم على التقليل من حجم الخسائر الحقيقية؛ بسبب طبيعة الرأي العام الأمريكي وتأثيره في عملية صنع القرار السياسي وآليات تمويل الحروب التي عادة ما يتحمل وزرها دافع الضرائب، إضافة إلى تأثير ذلك على معنويات الجنود في الميدان.

وذكر أن "الجيش الأمريكي أعلن أن خسائره في حرب فيتنام، التي استمرت من عام 1965 إلى 1968، بلغت بضعة آلاف من الجنود، ثم تسربت الأرقام الحقيقية التي وصلت إلى أكثر من 30 ألف قتيل؛ وهو ما تسبب بالإطاحة بالرئيس جونسون".

تجدر الإشارة إلى أن الدراسة التي استندت إلى الوثائق المفرج عنها، أوصت بضرورة إعادة النظر في عدم ترك العراق ساحة للتهديدات الطائفية والإرهابية لدول الجوار؛ وهو ما يستدعي وجوداً مستمراً للولايات المتحدة، لكن بقادة لديهم قدرات مختلفة عن هؤلاء الذين أرسلوا في تلك الفترة، ومع إمكانيات أكبر تتيح إخماد أي صراعات أو مقاومة قد تنشأ أو تهدد الحلفاء والشركاء في الشرق الأوسط .

وقد تحقق هذا الأمر بشكل جزئي مع سيطرة تنظيم الدولة على ثلثي مساحة العراق عام 2014؛ حيث ظهر عجز الحكومة العراقية جلياً، واضطرت إلى طلب المساعدة الأمريكية، التي عادت بقواتها عبر عدة قواعد منتشرة في شمال وغرب العراق حيث معاقل السنة، في حين يجري الحديث في كواليس العملية السياسية العراقية عن تحضيرات تجريها قوى شيعية لسن قانون في البرلمان يلزم القوات الأمريكية بمغادرة الأراضي العراقية.

مكة المكرمة
عاجل

عائلة عصب لـ"الخليج أونلاين": الاحتلال أخلى منزلنا الذي يبعد عن المسجد الأقصى 100 متر فقط بقرار من محكمة إسرائيلية