بعد 16 عاماً على سقوطه.. عراقيون يمجدون حكم صدام

هل يحن العراقيون لزمن حكم البعث؟
الرابط المختصرhttp://khaleej.online/6dmYXy

عراقيون بدؤوا يواجهون حكومتهم باسم صدام حسين

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 16-04-2019 الساعة 11:35

لم يتحقق أي من الوعود التي قطعها السياسيون العراقيون لأبناء شعبهم بعدما تسلموا قيادة حكومة البلاد، بعد 2003، ومن بين أبرزها تحقيق العدل والمساواة، وتوفير أفضل الخدمات، والارتقاء بمعيشة الفرد إلى درجة الرفاهية.

وعلى مدى 16 عاماً، كان العراق يتبوأ أسوأ المراكز في التصنيفات العالمية من ناحية المعيشة والأمن والتعليم؛ ما جعل بغداد تتنافس منذ سنوات على تصدر قائمة العواصم الأسوأ معيشة في العالم.

تلك التصنيفات لم يكن العراق يعرفها قبل عام 2003؛ فالبلاد كانت دائماً في صدارة دول المنطقة من نواحٍ عديدة؛ أبرزها الصحة والتعليم.

في المقابل تحول العراق بعد هذا التاريخ إلى واحد من أفسد بلدان العالم، وأصابع الاتهام تشير إلى الحكومة والأحزاب؛ حيث يتنافسون على منافع وحصص أكبر في مشاريع أغلبها "وهمية"، بحسب ما كشف -وما زال يكشف- عدد كبير من المطلعين عبر وسائل الإعلام، بينهم سياسيون بارزون في الدولة.

وعبر البحث في مواقع الإنترنت بالإمكان الوصول إلى حوارات وتصريحات لعشرات السياسيين العراقيين بالصوت والصورة يؤكدون فيها حصول الاختلاسات والسرقات والرِّشا، ويتهمون سياسيين كباراً بها.

ومع انهيار الخدمات العامة من صحة وتعليم وكهرباء وماء وأمن، ومرور البلد بفترة اقتتال طائفي لم يشهدها من قبل، وظهور مليشيات نافذة لأول مرة في البلاد؛ تعتبر الدرع الحامي للأحزاب والسياسيين المتهمين بالفساد، بدأت تظهر على الساحة أصوات تحن إلى زمن حكم حزب البعث العربي الاشتراكي، وفترة رئاسة صدام حسين (1979 - 2003) الذي يوصف بالاستبداد والدكتاتورية.

مشاعر شعبية

نجحت القوانين التي وُضعت في زمن الحاكم العسكري الأمريكي، بول بريمر، عقب الإطاحة بنظام حكم صدام حسين، في اجتثاث حزب البعث العربي الاشتراكي من الحياة السياسية، وبات الانتساب إلى البعث تهمة معلّبة لكل معارض لنظام الحكم؛ ليمارس بحقه الإقصاء السياسي والإبعاد الوظيفي.

غير أن القوانين لم تكن قادرة على تحييد المشاعر الشعبية الساخطة على الوضع القائم، وباتت وسائل التواصل الاجتماعي تنقل من حين إلى آخر مقاطع مصورة لفعاليات جماهيرية يعبّر من خلالها الناس البسطاء عن مشاعر حنين للعهد الذي مضى.

آخر هذه الفعاليات حفل تخرج جامعي في كلية الآداب بجامعة ذي قار، في محافظة ذي قار جنوبي العراق، حيث تداول النشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي، الأحد (14 أبريل)، مقطع فيديو يظهر عزف النشيد الوطني الذي كان معتمداً خلال حكم حزب البعث العربي الاشتراكي، وتم تغييره باعتباره يرمز للنظام السابق. 

رئيس الجامعة، رياض شنته، أكد حصول الواقعة، وقال: إن "السلام الجمهوري عُزف بالفعل في حفل تخرج كلية الآداب بجامعة ذي قار، الذي أقيم في قاعة بهو الإدارة المحلية في الناصرية".

وأكد في تصريح صحفي أن "الجامعة لم تكن على علم بتنظيم الحفل ولم تعطِ ترخيصاً له، ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية، وأن مثل هذه الأمور تقع على عاتق صاحب المكتب المنظم للحفل الذي اعتقلته الشرطة للتحقيق معه".

جاءت هذه الواقعة في جنوب العراق، حيث الثقل الجماهيري للأحزاب الشيعية الحاكمة، بعد أشهر من واقعة مماثلة حدثت في جامعة الأنبار غربي العراق، حيث رفعت مجموعة من الطلاب صوراً لصدام حسين، خلال احتفالية داخلية في ديسمبر 2018؛ ما دفع إدارة الجامعة إلى فصل ثلاثة طلبة بشكل نهائي، ومعاقبة آخرين بفصلهم لعام دراسي واحد.

وتسبب الأمر بتحرك السلطات سياسياً وأمنياً وقضائياً للوقوف على الأسباب، وأرسلت الحكومة قوة أمنية إلى الجامعة وأجرت تحقيقاً مع مسؤولي الأمن فيها.

بدوره وصف وزير التعليم العالي والبحث العلمي، حينها، قصي السهيل، هذا السلوك بأنه "يمثل ترويجاً لا أخلاقياً لفكر إجرامي كان سبباً في خراب البلد وجرّه إلى أتون الحروب والمآسي التي دفع العراق ثمنها قوافل من الشهداء والضحايا، فضلاً عن الدمار الذي أصاب البنى التحتية للعراق".

وأضاف في بيان: إن "الدولة ستتعامل بحزم مع هذه السلوكيات المنحرفة والشاذة، ومحاسبة جميع المسؤولين والمقصرين بأسرع وقت".

وبالعودة إلى جنوب العراق، فقد اعتقلت السلطات، في 11 فبراير الماضي، شاعراً شعبياً بسبب قصيدة امتدح فيها صدام حسين.

الشاعر صلاح الحرباوي، وفي قصيدته الشعبية المنظومة باللهجة العامية التي يشتهر به سكان جنوب العراق، انتقد السياسيين بعد زيارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، قاعدة أمريكية في الأنبار (غرب)، دون أن يخبر حكومة بغداد؛ ما اعتبره العراقيون انتهاكاً لسيادة بلادهم.  

وقال الشاعر الحرباوي: "هلي على الحد قبل حطولهم غارة، إدك (تضرب) من تمر بالغيم طيارة.. وهسة (حالياً) تغيرت والوضع تعبان، وترامب الذي مسك مضيفي وأنا صرت خطاره (ضيفه)".

وتابع: "يا بو عداي (صدام) أكرهك بس أحبك حيل (جداً) جي (لأنه) تطب عالعايل لداره".

تحليل الظاهرة

العراق انتقل من سلطة الحزب الواحد إلى تعدد الأحزاب، ومن حكم الفرد إلى حكم المؤسسات المبنية على منوال الدول الديمقراطية، ومن احتكار الإعلام إلى ما لا نهاية له من التنوع الإعلامي بشتى وسائله؛ فلماذا يتمرد العراقي ويحن إلى الماضي؟

عبد الأمير آل كيطان، الباحث الاجتماعي في كلية الإمام الكاظم بمحافظة ذي قار، يرى أن الخطاب السياسي للأحزاب القائم على أساس لعن الماضي ووصفه بأسوأ الأوصاف، وتقديم مرحلة ما بعد عام 2003 على أنها مرحلة الخلاص، فشل في إقناع الأجيال الصاعدة التي لم تعاصر تلك المرحلة بكل تفاصيلها.

وأضاف آل كيطان في حديثه لـ"الخليج أونلاين": إن "الأحزاب التي شكلت النظام الجديد لم تقدم للناس سوى خطاب ماضوي، وفي المقابل أنتجت بنية سياسة قائمة على الخلافات والنزاعات الطائفية والعنصرية البغيضة بلباس الديمقراطية".

وتابع يقول: إن "ما يحتاجه الشعب العراقي ليس ديمقراطية فاسدة مغشوشة، وإنما حكومة غير طائفية تتعاطى مع جميع مكوناته على أساس المواطنة والمساواة والعدالة الاجتماعية، التي تستند إلى الشفافية والمحاسبة والقضاء المستقل"، مستطرداً: إن "الأجيال الشبابية أدركت أن هذا المطلب بات شبه مستحيل في ظل الشحن الطائفي، وفي المقابل نرى تراجع الخدمات إلى حدودها الدنيا، واصطفاف العراق مع الدول الفقيرة في كل التصنيفات العالمية".

آل كيطان أشار إلى أن "كل مظاهر التمجيد للعهد القديم جاءت في الأوساط الجامعية، مع أن هذا الجيل لم يعاصر مرحلة حكم البعث وصدام، وهذا يدل على فشل الآلة الإعلامية في تشويه تلك المرحلة، وعلى قدرة الشباب على العودة إليها وإجراء المقارنة التي تسببت بهذا التحرك العفوي".

بدورها اعتبرت زينب العيداني، أستاذة علم الاجتماع في جامعة البصرة، أن ظاهرة الهتاف للنظام السابق، أو رفع شعارات وعبارات ترمز له، ليس بالضرورة أن تكون حالة ولاء يوسم كل من جهر بها بالبعثية.

وقالت العيداني لـ"الخليج أونلاين": إن "الغضب عادة ما يأخذ شكلاً معاكساً للحالة القائمة، ويمكن أن يكون رد فعل يأتي على النقيض من ظاهرة تحاول فرض نفسها على المجتمع".

على سبيل المثال، تقول العيداني، محاولة فرض مظاهر التدين من قبل الأحزاب الدينية في العراق جوبهت بموجة إلحاد، وحالة من التعمد في التجاوز على القيم والأسس الأخلاقية نشهدها يومياً في الجامعات.

وتابعت حديثها بالقول: "الساخطون من حجم الفساد والتراجع في بنى الدولة والطائفية حين أرادوا أن يعبّروا عن سخطهم لم يجدوا ما يعاكس الوضع القائم الذي يقوم خطابه على لعن الماضي إلا العودة إلى ذلك الماضي، والتذكير بما كان فيه من إيجابيات تتمثل بالاستقرار واستتباب الأمن، وحالة من الثبات الاقتصادي".

العيداني اقترحت على السلطات العراقية "عدم التعامل مع الأمر بأسلوب أمني، والضرب على يد من اتخذ هذا السبيل؛ لأن ذلك سيزيد من الظاهرة مثل النار لا يزيدها إلقاء الحطب إلا اشتعالاً".

وأوضحت: "لنا في موجات الربيع العربي أفضل مثال، فكلما رفعت الأنظمة مستوى القمع زادت الثورة تأججاً؛ لذلك لا بد من لغة حوار تستوعب هذا الحراك وتتفهم خلفياته؛ تجنباً لما لا يحمد عقباه".

تذكارات بوسم البعث

على صعيد ذي صلة علم "الخليج أونلاين" من مصدر تجاري في العاصمة بغداد أن بيع التذكارات التي تحمل رموزاً تشير إلى حزب البعث، وصور الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، تزدهر منذ فترة طويلة في أسواق بغداد.  

وقال المصدر، مفضّلاً عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية: إن "ظاهرة بيع وتداول الميداليات والساعات التي تحمل صورة صدام حسين، أو العلم العراقي الذي استُبدل، أو التي ترمز إلى نوط الشجاعة الذي كان يقدم للضباط والجنود خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980 - 1988) أصبحت منتشرة، خاصة في منطقة الباب الشرقي، حيث قلب العاصمة النابض بالحركة".

المصدر أشار إلى أن "هذه الميداليات والساعات ليست كلها قديمة أو مصنوعة في زمن صدام حسين، بل هي أشياء صُنعت بمكان ما في بغداد، وهناك إقبال كبير على اقتنائها".

وتابع: إن "الساعات الأصلية والميداليات التي تحمل صور صدام لها زبائن خاصون، وتباع بأسعار مرتفعة، بحيث إذا طلبت يعرف تجار التجزئة كيف يجلبونها للزبائن، ويرتفع سعرها مع تقادم الزمن".

يشار إلى أن رفع أي شعارات أو صور لأقطاب النظام العراقي السابق يعد ترويجاً لحزب البعث المحظور في العراق، ويعاقب عليه القانون.

مكة المكرمة