بعد 30 عاماً من تطبيقه.. هل يقضي اللبنانيون على اتفاق الطائف؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/gvNE3Y

الحريري يؤكد أن اتفاق الطائف لا حياد عنه

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 21-03-2019 الساعة 08:55

لم يعد الكلام عن "وجوب" تعديل "اتفاق الطائف" في لبنان أو تغييره يقتصر على الأحاديث الجانبية في الصالونات السياسية المقفلة، كما جرت العادة، بل أصبح لازمة تكررها في وسائل الإعلام بشكل مكثف بعض القوى التي كانت غائبة عن الحياة السياسية، مثل "حزب الله"، أو مغيبة عن المشهد السياسي أعواماً طويلة، بسبب الوجود السوري، مثل "التيار الوطني الحر"، وهما في الأصل لم يكونا لا من المشاركين في التحضير للاتفاق، ولا من المؤيدين لمندرجاته منذ إقراره عام 1989.

باتفاق الطائف الذي أسهم رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، خلال حكم الملك السعودي آنذاك فهد بن عبد العزيز، في التوصل إليه، دشن الحريري "الجمهورية اللبنانية الثانية"، التي استندت في نظامها السياسي إلى الصيغة التي أقرها "الطائف" برعاية أمريكية–سعودية-سورية، أي إلى شراكة وطنية قائمة على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في الحكم.

ويعتبر اتفاق الطائف المرجعية الأولى التي يستند إليها اللبنانيون بصفتها المرجع النهائي، الذي يستمدون منه وفاقهم الوطني، وسلمهم الأهلي بعد الحرب الأهلية التي استمرت قرابة 15 عاماً.

ومنذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري في فبراير 2005، بدأ الحديث عن إعادة النظر في الشراكة التي حددها اتفاق الطائف، فالحريري كان رجل الطائف، وصاحب مقولة: "أوقفنا العد في لبنان"،  في معرض تأكيده على المناصفة أياً كان الحجم الديمغرافي للمسيحيين في لبنان.

وبرحيل الحريري وجدت القوى المناهضة لهذا الاتفاق، الذي أصبح دستوراً للبنانيين، فرصة للانقضاض عليه والسعي إلى تعديله بما يعيد لها المكتسبات التي تقول إنه أطاح بها، وفي مقدمة هذه المكتسبات "صلاحيات رئيس الجمهورية المسيحي"، الذي يعتقد أصحاب هذه النظرية أنها فُرّغت من مضامينها لمصلحة رئاسة مجلس الوزراء السنية.

في الوقت عينه بدأت تعلو الأصوات داخل الطائفة الشيعية المؤيدة لحزب الله، للمناداة أيضاً بتغيير الطائف بالذهاب إما إلى مؤتمر تأسيسي يعيد النظر بالنظام اللبناني من أساسه، أو بتعديل الطائف وإقرار نظام "المثالثة" في الحكم.

وفي هذا الإطار طرحت عدة نظريات، كان أكثرها تداولاً استحداث منصب نائب رئيس الجمهورية ليتولاه شخص من الطائفة الشيعية.

هذا الكلام يعني إلغاء اتفاق الطائف، وإلغاء المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، ومن ثم العودة إلى الكلام عن أكثرية مسلمة وأقلية مسيحية؛ وهذا ما دفع بالبطريرك الماروني بشارة الراعي والقوى المسيحية التي شاركت في الطائف مثل القوات اللبنانية، إلى التشديد على أن الاتفاق هو "الدستور الذي لا يمكن التخلي عنه تحت أي مبرر". 

التسوية الرئاسية وتراجع الكلام عن تعديل الطائف

المفارقة في هذا الخصوص أن الحديث عن تغيير الطائف أو تعديله، والدعوة إلى مؤتمر تأسيسي للبلاد، تراجع نسبياً بعد أن شهد لبنان ما سمي بـ"التسوية الرئاسية"، التي صار بموجبها ميشال عون رئيساً للبلاد، وكان طرفاها عون من جهة والرئيس سعد الحريري من جهة أخرى، بمباركة أكيدة من حزب الله.

هذا التراجع مرده إلى كون التيار الوطني الحر (حزب سياسي واسع التمثيل يرأسه جبران باسيل) بات يحصل على كل ما يريد في الدولة اللبنانية دون الحاجة الى تعديل الطائف؛ بفضل التسوية الرئاسية، ودعم ذلك نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة.

وما يشير إلى هذا ما قاله رئيس التيار الوطني الحر وزير الخارجية، جبران باسيل، علناً منذ شهر تقريباً، بعد زيارته للبطريرك الماروني في بكركي، غربي البلاد: إن "هناك معادلات جديدة بعد الانتخابات، لكن اللبنانيين لن يتقبلوا أن تكون هناك لحظة تسجيل مكتسبات سياسية معينة، أو تغيير في النظام؛ فهذا ليس توقيته ولا مناسبته".

كيف أسهمت التسوية بتراجع الحديث عن تغيير الطائف؟

يأخذ الكثير من السياسيين المنضوين تحت فكرة "14 آذار"، وهي الحركة التحررية السياسية الشعبية التي شُكلت عقب اغتيال رفيق الحريري، على نجله سعد الحريري، تنازله في أماكن كثيرة لحساب هذه التسوية، ومنحه (باسيل) بعضاً من صلاحيات رئاسة مجلس الوزراء.

وفي طليعة هؤلاء السياسيين النائب وليد جنبلاط، الذي غرّد أكثر من مرة على منصة "تويتر" في هذا الخصوص، قال في إحداها: "إذا أراد الحريري التخلي عن الطائف فهذا يشكل أزمة كبرى"، وفي تغريدة أخرى: "التفريط بالطائف يعني أن الأمور وصلت إلى حد اللعب بالنار".

هؤلاء الساسة يقرؤون في سلوك الحريري خروجاً على الطائف ومندرجاته، ويعددون الكثير من النقاط التي "يعتبون" من خلالها عليه.

ومن هذه النقاط: قبوله بقانون انتخابات مخالف لروح الطائف، خرج الكل فيه فائزاً إلا تيار المستقبل، ووضع معايير لتشكيل الحكومة، لم ينص عليها الطائف، وتفويضه للآخرين لحلّ بعض الإشكاليات التي طرأت خلال تشكيل الحكومة الحالية، في حين ينص الطائف على أن رئيس الحكومة حصراً من يشكلها بالاتفاق مع رئيس الجمهورية.

وأيضاً من بين النقاط التي حددها هؤلاء الساسة، تهديد الرئيس عون بإرسال رسالة إلى مجلس النواب للضغط على الحريري للإسراع في تشكيل الحكومة أو سحب الثقة منه، واختلال التوازنات التي ثبتها الطائف بين الجماعات اللبنانية لحساب حزب الله والتيار الوطني الحر، وأول النقاط وآخرها التسوية الرئاسية بحد ذاتها، التي سمحت لمرشح قريب من حزب الله وسوريا أن يكون رئيساً للجمهورية، في إشارة إلى ميشال عون.

تيار المستقبل يؤكد تمسكه باتفاق الطائف

لكن الحريري وحزبه "تيار المستقبل" لا يعتبر ذلك تنازلاً؛ فـ"التسوية" لا تعني تنازلاً، و"الحريري لم يتنازل ولن يتنازل عن الطائف ولا عن صلاحياته" كما يردد قياديو حزبه دائماً.

في هذا الشأن، يقول رئيس لجنة الدفاع الوطني، نائب رئيس كتلة المستقبل النيابية، سمير الجسر، إن "الطائف أوجد الحلول المناسبة التي وضعت حداً لصراع دام لسنوات، ويجب تطبيق كامل بنوده، وعلى الذين ينادون بتعديله أن يطبقوه"، مشدداً بالقول: إنه "لا يمكن أن تعدل اتفاقاً لم تطبق كل بنوده".

الجسر أضاف في حديثه لـ"الخليج أونلاين": "نحن أساس الطائف ولا يمكن أن نرضى عنه بديلاً، وبعد أن نطبقه إذا ما وجدنا أنه بحاجة إلى تعديل فلا مشكلة؛ فهو ليس كتاباً مقدساً، لكنه حتى الساعة لا يزال صالحاً كدستور للبنانيين".

وكان سعد الحريري، في الذكرى الـ14 لاغتيال والده (14 فبراير 2005)، هاجم كل من يتهمه بالتنازل عن الطائف بقوله: "نحن حراس اتفاق الطائف أمس واليوم وغداً".

وأضاف: "الخروج عليه كان يتم أيام الوصاية السورية، واليوم نسمع كلاماً بالتأكيد عليه من رئيس الجمهورية وغيره من القيادات السياسية"، مشدداً بالقول: "ليس سعد الحريري من يمكن أن يتنازل عن الطائف أو يقبل بخرقه".

وعلى الرغم من كل هذا يرى البعض أن الطائف يحتاج فعلاً إلى إعادة النظر فيه، وفي هذا السياق تقول الباحثة رشا الأطرش لـ"الخليج أونلاين": إن "الطائف يحتاج إلى دراسة وتحليل؛ فلم يعد هو الناظم الذي على أساسه تسير عجلة الحياة في لبنان".

كما يربط مراقبون ضعف الحريري وتنازله عن "الطائف" بتراجع التأثير السعودي داخل لبنان، وسطوة حزب الله الذي يتلقى دعماً مباشراً من عدو الرياض اللدود "طهران"، وهو ما عرّض الحريري لضغوط سعودية أيضاً قادت لاتهامها باحتجازه وإجباره على الاستقالة أواخر عام 2017.

مكة المكرمة