بوتين في دمشق.. إذلال متعمد للأسد مع توقيت ودلالات

بعد مقتل سليماني وقبيل زيارة تركيا
الرابط المختصرhttp://khaleej.online/qmxDNy

غياب تام لأي من مظاهر سيادة النظام

Linkedin
whatsapp
الخميس، 09-01-2020 الساعة 15:24

يبدو أن الروس يتعمدون إظهار سيطرتهم على سوريا وقراراتها السياسية والعسكرية من حين إلى آخر، حيث تعقد موسكو الاتفاقيات والهدن نيابة عن النظام السوري أو بحضوره الشكلي.

ويتعمد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إظهار رأس النظام بشار الأسد على أنه مجرد "دمية" في يد موسكو تفعل به ما تشاء، بحسب ما يصفه سوريون، يظهر ذلك من الزيارات القليلة التي قام بها بوتين إلى سوريا منذ التدخل العسكري الروسي في سوريا عام 2015.

زيارة مفاجئة سريعة

وفي زيارة لبوتين إلى العاصمة السورية دمشق، يوم الثلاثاء (7 يناير 2020)، هي الأولى من نوعها منذ اندلاع الثورة السورية، في مارس 2011، (زار قاعدة حميميم الجوية الروسية في محافظة اللاذقية غرب سوريا عام 2017)، استدعى بشار الأسد إلى مقر إقامة قواته.

وقال المتحدث باسم الكرملين، ديميتري بيسكوف: "التقى بوتين بشار الأسد في مركز القيادة في دمشق، حيث استمعا إلى تقارير عسكرية حول الوضع في مناطق مختلفة من البلاد".

وأردف: "في وقت لاحق عقدت محادثات ثنائية بين الوفدين الروسي والسوري، أشار في سياقها بوتين إلى أنه يمكن الآن الإعلان بثقة عن قطع شوط كبير في اتجاه إعادة بناء الدولة السورية ووحدة أراضيها".

وذكر أن "الأسد بدوره شكر بوتين على الزيارة، وأعرب عن تقديره لمساعدة روسيا والجيش الروسي في الحرب ضد الإرهاب، واستعادة الحياة السلمية في سوريا".

ولم يجرِ اللقاء في قصر الضيافة أو أي من القصور الرئاسية بدمشق، إنما في مقر تجمع القوات الروسية في العاصمة، التي تنتشر فيها شرطة عسكرية روسية، ومليشيات أجنبية إيرانية ولبنانية وعراقية وأفغانية بالإضافة للمرتزقة.

مصادر صحفية قالت إن اللقاء تم في مقر الأركان السورية القديم بالقرب من وكالة أنباء نظام الأسد "سانا" في حي البرامكة، حيث أصبح مقراً لإدارة العمليات الروسية في سوريا.

تعمّد "إذلال" الأسد

وكان لافتاً غياب مسؤولي النظام غير بشار الأسد ووزير دفاعه، علي عبد الله أيوب، في ظل حضور واسع للضباط والعسكريين الروس، في مقدمتهم وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو.

ولم تظهر أي صورة للأسد معلقة خلف موقع لقائهما، وهو أمر غير معتاد لأي مؤسسة في سوريا، حيث تتباهى كافة مؤسسات الدولة بصور الرئيس وأبيه (رأس النظام الراحل) حافظ الأسد.

وظهر وزير دفاع النظام على مقعد منخفض نسبياً مقارنة بذلك الذي جلس عليه نظيره، كما لم يظهر أي علم سوري في الموقع.

وانتشرت سخرية واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي من الحالة التي وصل إليها نظام الأسد، والغياب التام لأي مظهر من مظاهر السيادة والندية في العلاقة، وإن كان ذلك أمام الرأي العام السوري المؤيد للنظام فقط.

ولم يكن هذا الموقف المحرج هو الأول الذي فعلته روسيا مع النظام السوري؛ فخلال زيارة بوتين عام 2017، تداول مستخدمون مقطع فيديو أظهر ضابطاً روسياً وهو يمنع الأسد من اللحاق ببوتين.

بوتين أجرى جولة في بعض أحياء العاصمة القديمة تجول خلالها في بعض الشوارع لدقائق، وزار الجامع الأموي الكبير، وكنيسة العذراء القديمة.

وذكرت مواقع سورية محلية أن الزيارة تخللها استنفار أمني كثيف على طريق مطار دمشق الدولي، ومحيط دمشق القديمة، ومحيط منطقة البرامكة وسط دمشق، مع تحليق كثيف للطائرات المروحية في سماء العاصمة.

وأفاد موقع "حلب اليوم" بأن عناصر النظام انتشروا في كافة الأحياء الرئيسية في العاصمة، وأغلقوا الأسواق الشعبية؛ مثل سوق الحميدية، وسوق مدحت باشا، أمام المدنيين، كما أفرغ المسجد الأموي من الزوار، وانتشر عناصر من الأفرع الأمنية بالزي المدني داخله وفي محيطه.

وأكّد عبد الوهاب عاصي الباحث في مركز جسور للدراسات في حديث مع "الخليج أونلاين" أن "هناك تعمّد لإذلال الأسد وتغييب كل المظاهر البروتوكولية من أجل التأكيد على خضوع سيادة وسلطة النظام السوري لروسيا بما في ذلك النفوذ الإيراني في سوريا".

دلالات الزيارة

وجاءت زيارة الرئيس بوتين المفاجئة إلى دمشق بعد أيام قليلة من مقتل قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، بغارة أمريكية في العراق، فجر الجمعة (3 يناير 2020)، وهو المشرف على عمل المليشيات الطائفية الأجنبية المقاتلة إلى جانب نظام بشار الأسد في مواجهة فصائل الثورة السورية الساعية لإسقاطه، ومهندس المشروع الإيراني في المنطقة.

ولا بد أن الزيارة ذات الساعات القليلة حملت في طياتها رسائل متعددة على خلفية مقتل سليماني، والتوتر الحاصل بين الولايات المتحدة وإيران من جانب، وموقف دولة الاحتلال الإسرائيلي من أي تحرك طائش يقوم به نظام الأسد من جانب آخر.

وجاءت أيضاً قبل توجهه إلى تركيا، حيث أجرى مباحثات إقليمية ودولية مع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وفي مقدمتها الملف السوري، وآخر تداعيات التصعيد في إدلب.

وتواجه محافظة إدلب تصعيداً عسكرياً هائلاً، بدأ في أبريل الماضي، واشتد في أواخر نوفمبر، حيث تسبب بتهجير أكثر من 360 ألف مدني من مناطق إدلب الجنوبية خلال شهر واحد وبضعة أيام، بحسب جمعية "منسقو الاستجابة المدنية في الشمال السوري" المعنية بجمع البيانات عن النازحين.

وسيطرت قوات النظام، خلال هجوم استمر أربعة أشهر وانتهى بهدنة في نهاية أغسطس، على مناطق واسعة في ريف المحافظة الجنوبي؛ أبرزها بلدة خان شيخون الواقعة على الطريق الدولي الذي يربط مدينة حلب بالعاصمة دمشق.

ويتركز التصعيد العسكري هذه الأيام على مدينة معرة النعمان ومحيطها شمالي خان شيخون، والواقعة أيضاً على هذا الطريق الاستراتيجي.

وذكرت صحيفة "إسرائيل اليوم"، الأربعاء (8 يناير 2020)، أن "مصدراً أمنياً إسرائيلياً أكد أن الروس أطلعونا عن مجيء بوتين إلى دمشق قبل بضع ساعات من وصوله"، لافتة إلى أن "زيارة بوتين جاءت لتبديد التخوف من أن الرد الإيراني على اغتيال قاسم سليماني سينطلق من الأراضي السورية".

ولفتت الصحيفة إلى أن "زيارة بوتين جاءت لنقل رسالة لا لبس فيها لطهران تقول إن الحاكم الفعلي في سوريا هم الروس، وإن موسكو لن تسمح لطهران بالعمل ضد الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية من الأراضي السورية".

وقالت الصحيفة: إن "بوتين جلب معه رسالة من إسرائيل إلى الأسد تقول إنه طالما كانت سوريا لا تسمح للحرس الثوري الإيراني وحلفائه بالرد من الأراضي السورية، فإن إسرائيل ستمتنع عن ضرب البنى التحتية المدنية في سوريا، بل وستمتنع عن ضرب أهداف عسكرية تابعة للنظام".

في المقابل قال الصحفي السوري إبراهيم العلبي: "لا أعتقد أن زيارة بوتين إلى دمشق مرتبطة بشكل مباشر بمقتل سليماني، لكنها بالتأكيد تذكرنا بتعاظم النفوذ الروسي في سوريا، وهو ما حاولت الصور المنشورة لزيارة بوتين أن توحي به مقابل تآكل النفوذ الإيراني".

ويرى العلبي في حديث مع "الخليج أونلاين" أن سبب الزيارة "منفصل عن اغتيال سليماني وتداعياته على الأرجح، لكنها شكّلت فرصة للرئيس الروسي لاستعراض قوة ونفوذ بلاده في سوريا".

وأشار العلبي إلى أنه "من اللافت أن بوتين يكرر هذه القاعدة للمرة الثانية؛ حيث يستبق زيارة مقررة له إلى تركيا للقاء أردوغان بزيارة قصيرة ومفاجئة لسوريا ويلتقي خلالها بشار الأسد".

وبيّن أن "بوتين يستخدم هذه الطريقة لتذكير الطرف الآخر -أي الأتراك هنا- بمدى قوته على الأرض، ومن ثم قوة موقفه في التفاوض حول الملفات المطروحة وعلى رأسها إدلب".

من جانبه قال الباحث عبد الوهاب عاصي: "غالباً ما أراد بوتين تحييد سوريا عن الصراع المحتدم بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وربّما أوصل رسالة حازمة للأسد بأنّ بلاده لا تريد تحويل سوريا لساحة تصفية حسابات بين القوى الإقليمية والدولية، فروسيا غير مستعدة للمخاطرة بالمكاسب التي حققتها خلال الأعوام السابقة".

وأضاف عاصي أنه "قد لا يقف هدف الزيارة عند ذلك فحسب، بل إنّ إظهار العاصمة دمشق خلال زيارة بوتين وكأنها منطقة (سلام) لا حرب، يعكس رغبة روسيا بلعب دور بارز في مبادرات السلام الإقليمي انطلاقاً من سوريا، أي قدرتها على تحقيق الاستقرار في النظام الأمني الإقليمي المتزعزع وهي تزاحم في ذلك مهمة سابقة كان يقوم بها حلف الناتو أو تحالف دولي يفترض أن يضم تركيا".

وأردف: أن "الزيارة مرتبطة بملف وقف إطلاق غرب وشرق الفرات، روسيا تريد التوصل لتفاهم مع تركيا شامل حول مستقبل المنطقة وهذا يقتضي تطبيق مذكرات سوتشي مع أنقرة، ولكن وفق وجهة نظر روسيا وضمانة تنفيذ النظام لذلك".

مكة المكرمة